خزانات فارغة.. لماذا تُركت أكبر دولة نفطية في العالم بلا وقود؟
الجزيرة.نت -

Published On 17/7/2026

موسكو – فهيم الصوراني

لا تزال أزمة الوقود التي تضرب روسيا تمثل إحدى أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلحاحا هذا العام، إذ يواجه قطاع النفط الروسي تحديات غير مسبوقة، بينما تعاني مناطق واسعة من البلاد نقصا حادا في الوقود، في أعقاب الهجمات التي استهدفت عددا من مصافي التكرير الرئيسية وأدت إلى تراجع قدرتها التشغيلية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
مفارقة فريدة

وفي العاصمة موسكو، انعكست الأزمة في مشكلتين رئيسيتين تمثلتا في الارتفاع المتسارع لأسعار الوقود وتزايد النقص في محطات التعبئة.

وسجل متوسط أسعار البنزين ارتفاعا متواصلا، إذ زادت الأسعار منذ بداية العام الحالي بأكثر من 9.8%.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود مشهدا مألوفا، فيما فرضت بعض المحطات قيودا على الكميات المباعة لضمان استمرار توفر الوقود.

الطوابير أمام محطات الوقود أصبحت مشهدا مألوفا في عدد من المدن الروسية (الأوروبية)

وفي كثير من الأحيان، تنفد الأنواع الأكثر استخداما من البنزين، لتُرفع على المضخات لافتات "خارج الخدمة".

وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فروسيا تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم، لكنها تواجه في الوقت نفسه نقصا حادا في الوقود داخل أسواقها المحلية.

ورغم وفرة النفط الخام، فإنها لا تستطيع إعادة توجيه جزء كبير من إنتاجها بسرعة إلى السوق المحلية بسبب الاختناقات التي تعانيها طاقات التكرير.

وقد وفر إغلاق مضيق هرمز فرصة مهمة لروسيا، لكنها لم تستمر طويلا؛ إذ أدى توقف الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، كما زاد الطلب في الأسواق الآسيوية على الخام الروسي.

وبما أن الميزانية الروسية تعتمد بصورة كبيرة على سعر خام الأورال، فإن ارتفاع الأسعار ينعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية.

وخلال فترات تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط، ارتفع الطلب على النفط الروسي، ما قلص الخصومات المعتادة، ووصل في بعض الحالات إلى البيع بأسعار أعلى من الأسعار المرجعية العالمية.

حرب استنزاف الموارد

لكن الهجمات التي نفذتها أوكرانيا باستخدام الطائرات المسيّرة على عدد من مصافي النفط الروسية، إلى جانب استهداف ناقلات النفط في بحر آزوف، حدّت من قدرة موسكو على الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة.

إعلان

ومع انتقال الحرب الروسية الأوكرانية إلى مرحلة استنزاف الموارد، كشفت الأزمة أن امتلاك احتياطيات ضخمة من النفط لا يكفي لضمان استقرار سوق الوقود إذا تعرضت البنية التحتية للتكرير واللوجستيات إلى اضطرابات واسعة.

جدول زمني للتعافي

يرى الخبير الاقتصادي فيكتور لاشون أن المرحلة الأكثر حدة من أزمة الوقود لن تستمر لأكثر من ستة أسابيع، قبل أن تبدأ مؤشرات التحسن بالظهور تدريجيا.

ارتفاع أسعار البنزين يعكس اتساع الفجوة بين إنتاج النفط الخام وقدرات التكرير (الأوروبية)

ويقول للجزيرة نت إن المشكلة الأساسية لا تتمثل في نقص النفط الخام، وإنما في اضطراب سلاسل التوريد، متوقعا أن تستعيد السوق توازنها بحلول نهاية الصيف مع معالجة الاختناقات اللوجستية وإعادة تنظيم مسارات التوزيع.

ويرى لاشون أن الحكومة مطالبة بتشديد القيود على صادرات البنزين، واستقطاب كميات إضافية من الوقود من الخارج، بما في ذلك من الهند والصين، إلى جانب اتخاذ إجراءات لضمان توزيع الوقود بصورة أكثر عدالة بين المناطق.

كما يشير إلى ضرورة الحد من الارتفاع المستمر في أسعار البنزين والديزل، مع استبعاد عودتها إلى مستويات ما قبل الأزمة قبل حلول فصل الخريف.

الوضع تحت السيطرة

وفرض نحو ثلثي مناطق روسيا إجراءات لتقنين الوقود أو باتت تعاني انقطاعات متفاوتة في الإمدادات.

وتتركز تداعيات الأزمة بصورة رئيسية داخل السوق المحلية، بعدما أوقفت روسيا منذ أبريل/نيسان معظم صادرات البنزين.

وتثير الزيادات المستمرة في أسعار الوقود قلق السلطات، خصوصا أن هذه القضية سبق أن كانت سببا في اضطرابات اجتماعية، فيما تزداد حساسيتها مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر/أيلول.

ورغم اختلاف تقديرات الخبراء والسلطات بشأن موعد انتهاء الأزمة، فإن الجميع يتفق على أن المشكلة تتطلب معالجة عاجلة وشاملة.

وتؤكد السلطات الروسية أن الوضع لا يزال تحت السيطرة. وفي محاولة لطمأنة المواطنين، قال الرئيس فلاديمير بوتين إنه لا داعي للذعر، مؤكدا أن قطاع الطاقة الروسي من أكثر القطاعات مرونة في العالم.

الهجمات على المصافي قلصت الطاقة التشغيلية وأربكت توزيع الوقود (رويترز)

لكنه أقر في الوقت نفسه بصعوبة الوضع في شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول، حيث ارتفعت الأسعار إلى نحو 200 روبل للتر، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوياتها قبل الأزمة، موجها الحكومة بالإسراع في معالجة مشكلة الإمدادات.

كما دعا رئيس مجلس الدوما، فياتشيسلاف فولودين، المواطنين إلى عدم الانجرار وراء المشاعر، معتبرا أن ذلك يصب في مصلحة "العدو".

مشكلة جدية

لكن الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة سيرغي أرتيسيان يرى أن الأزمة أكثر تعقيدا مما تحاول السلطات إظهاره.

ويقول للجزيرة نت إن الضربات الأوكرانية ستواصل استهداف مصافي النفط الروسية، ولا سيما الواقعة في المناطق البعيدة، باعتبارها جزءا من استراتيجية تعتمدها كييف للحد من القدرات التصديرية الروسية.

ويضيف أن محدودية الموارد لدى أوكرانيا دفعتها إلى تعديل تكتيكاتها العسكرية، عبر التركيز بصورة أكبر على استنزاف الاقتصاد الروسي من خلال استهداف بنيته التحتية الحيوية.

إعلان

ويتوقع أرتيسيان أن يؤدي ارتفاع أسعار البنزين إلى زيادة الضغوط التضخمية خلال الخريف، بينما ستكون الزيادات خلال الصيف محدودة نسبيا بفعل العوامل الموسمية وتوافر وقود الديزل اللازم للقطاع الزراعي.

وبشأن سبل احتواء الأزمة، يرى أن الأولوية يجب أن تتركز على تعزيز حماية مصافي النفط وشبكات الخدمات اللوجستية، إلى جانب تأمين ناقلات الوقود من هجمات الطائرات المسيّرة.



إقرأ المزيد