الجزيرة.نت - 7/16/2026 9:58:51 PM - GMT (+3 )
Published On 16/7/2026
|آخر تحديث: 21:38 (توقيت مكة)
خارج صخب الموسم الرمضاني، حيث اعتاد ياسر جلال أن يحجز مكانه بين الأعمال الجماهيرية، اختار هذه المرة خوض تجربة مختلفة مبتعدا عن الدراما التقليدية ومتجها إلى عالم المنصات الذي يفرض إيقاعا أسرع وقواعد مغايرة.
يأتي مسلسل "للعدالة وجه آخر"، المعروض عبر منصة TOD، في خمس عشرة حلقة فقط،..ليضع بطله أمام تحد جديد، ليس فقط لأنه يخوض أولى تجاربه في المسلسلات القصيرة، وإنما أيضا لأنه يعود من خلاله إلى الدراما التشويقية النفسية بعد سنوات تنقل فيها بين الأعمال التاريخية والسير الذاتية والفانتازيا، ثم تجربة رمضانية أخيرة لم تحقق الصدى المتوقع.
منذ حلقاته الأولى، راهن المسلسل على التشويق الهادئ والغموض المتدرج أكثر من اعتماده على المفاجآت الصاخبة، وهو ما نجح في إثارة الفضول، رغم أن إيقاعه البطيء في بعض الحلقات قد لا يناسب كل المشاهدين، وإن كان العمل يحاول الاقتراب من دراما الجريمة النفسية التي تهتم بتداعيات الجريمة على الشخصيات أكثر من الجريمة نفسها.
تبدأ الحكاية بجريمة، تبدو للوهلة الأولى تقليدية، لكن المسلسل لا يجعلها غايته الأساسية، بل يستخدمها مدخلا إلى شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية والقرارات الأخلاقية. ومع تقدم الأحداث، لا يصبح السؤال المحوري من القاتل بل لماذا أخفى كل شخص جزءا من الحقيقة؟
قدم المسلسل شخصية فؤاد السرجاني (ياسر جلال)، المذيع التلفزيوني المعروف بدفاعه عن القانون وإعلاء قيمة العدالة، الذي بنى صورته المهنية على الفصل الواضح بين الحق والباطل. لكن حياته تنقلب فجأة عندما يواجه اتهاما موجها إلى ابنه بالتورط في مقتل زميلته الجامعية، ليجد نفسه أمام اختبار يكشف عن التناقض بين أفكاره المعلنة ومشاعره كأب.
إعلان
هنا تظهر المفارقة الأساسية في الحكاية؛ فالرجل الذي كان ينتقد من يحاولون حماية أبنائهم على حساب الحقيقة، يجد نفسه يسير في الطريق ذاته عندما يدفعه الخوف والأبوة إلى محاولة إخفاء الأدلة وتوريط آخرين. ومن هذا الصراع، يطرح المسلسل سؤاله الأهم: هل تكون الحقيقة دائما الطريق الوحيد إلى العدالة، أم أن المشاعر الإنسانية قد تغير نظرتنا إليها؟
فكرة مألوفة ومعالجة أكثر هدوءالا يقدم المسلسل فكرة جديدة تماما، فدراما الجريمة النفسية أصبحت حاضرة بقوة خلال السنوات الأخيرة. وتزداد هذه الملاحظة وضوحا عند مقارنة خطه الدرامي الأساسي بالمسلسل التركي "العقدة"، إذ ينطلق العملان من فرضية متقاربة: إعلامي بنى مسيرته على الدفاع عن العدالة والحقيقة، ثم تنهار قناعاته عندما يتورط ابنه في جريمة قتل.
لكن ما يميز "للعدالة وجه آخر" هو تركيزه على الجانب الإنساني، وبناؤه التوتر تدريجيا عبر تناقضات الشخصيات، بدلا من الاعتماد الكامل على المفاجآت. وقد منح هذا الأسلوب العمل قدرا من النضج، لكنه انعكس في المقابل على إيقاعه، خاصة عندما انشغل الحوار بتفسير دوافع الشخصيات أكثر من دفع الأحداث إلى الأمام، فيشعر المشاهد في بعض اللحظات بأن التشويق يتراجع لصالح التحليل النفسي.
تفاوت واضح في الأداء التمثيليبالرغم من أن ياسر جلال يحمل العمل باعتباره محور الحكاية، فإنه لا يقدم هنا أفضل أدواره مع أن الشخصية من أكثر الشخصيات تعقيدا في مسيرته، لكن يبرز أداؤه في المشاهد التي يظهر فيها الصراع بين الأب المذعور والرجل الذي يحاول الحفاظ على صورته أمام الجمهور، مستفيدا من خبرته في تقديم الشخصيات القوية.
المشكلة أن الأداء لا يتحرر من ظلال أدواره السابقة؛ فالشخصية كانت تحتاج إلى قدر أكبر من الهشاشة والانكسار الداخلي بدلا من نبرة صوته المعتادة والتعبيرات الحادة، لذلك يظل حضوره مقنعا، لكنه لا يقدم التحول الكبير المُنتظر منه. أما أروى جودة فتبدو أقل توهجا، ورغم أن شخصية الزوجة تحمل مساحة درامية جيدة فإن الأداء جاء محدودا في بعض المشاهد التي احتاجت عمقا وانفعالا.
في المقابل، يقدم محمد علاء واحدا من أكثر الأداءات اجتهادا في العمل، إذ يمنح شخصيته تفاصيل صغيرة تجعلها أكثر صدقا، معتمدا على الأداء الداخلي أكثر من الانفعال المباشر. ورغم أن مساحة الشخصية لم تكن دائما كافية، فإنه يظل من العناصر التي أضافت ثقلا إنسانيا للمسلسل. كما أضافت الوجوه الشابة مثل نور إيهاب ومينا نبيل وفادي السيد حيوية إلى الأحداث، إذ حاولوا تقديم الشخصيات دون مبالغة رغم تفاوت مستوى الأداء بينهم.
إخراج يفضل التوتر الهادئوقد اعتمد المخرج محمد يحيى (مورو) على بناء أجواء نفسية بدل الإبهار البصري، مستفيدا من طبيعة العمل كمسلسل قصير، فجاءت حركة الكاميرا هادئة في معظم المشاهد مع استخدام الإضاءة والفراغات داخل الكادر لتعزيز شعور العزلة والشك والترقب، وإن ظل الإخراج في بعض اللحظات أقرب إلى خدمة الحكاية منه إلى امتلاك بصمة خاصة.
فيما حافظ المونتاج على قدر من التكثيف يتناسب مع طبيعة الدراما القصيرة خاصة في مشاهد التحقيق والمواجهات العائلية، رغم امتداد بعض المشاهد أكثر من اللازم، والتي كان يمكن اختصارها للحفاظ على إيقاع أكثر تماسكا، خاصة في منتصف العمل حيث تراجع التوتر لصالح الشرح والحوار.
تحوّل مفاجئ وتوقعات حول النهايةمع عرض الحلقة التاسعة، كشف المسلسل إحدى مفاجآته الرئيسية، في قرار بدا مبكرا نسبيا بالنسبة إلى عمل ينتمي إلى دراما الجريمة، التي تعتمد عادة على تأجيل كشف الأوراق. لكن السيناريو حاول تعويض ذلك بتحويل بؤرة الاهتمام من هوية الجاني إلى دوافعه والنتائج المترتبة على أفعاله، وهو ما فتح الباب أمام توقعات بوجود مفاجأة أخرى في الحلقات المتبقية.
إعلان
وتزامن ذلك مع انتشار تسريبات للأحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت الكشف عن هوية المجرم الحقيقي، وهو ما قد يؤثر في تجربة المشاهدة ويقلل من عنصر المفاجأة. لذلك تبدو الحلقات الأخيرة مطالبة بإثبات أن قوة المسلسل لا تكمن في لحظة الكشف وحدها، وإنما في الطريقة التي يصل بها إلى الحقيقة.
ليس عملا عائليا خالصاومع أن الشخصيات الشابة تحتل مساحة واسعة من الأحداث، فإن طبيعة الحكاية القائمة على جريمة قتل وتحقيق جنائي، إلى جانب ما تطرحه من أزمات نفسية وعلاقات معقدة، تجعل من الصعب تصنيف المسلسل ضمن الأعمال العائلية الخالصة التي تصلح للمشاهدة الجماعية دون تحفظ.
في المقابل، يبتعد العمل عن المبالغة في العنف أو تقديم مشاهد صادمة، ليبقى أقرب إلى دراما تشويقية نفسية تناسب المشاهد الذي يبحث عن صراعات الشخصيات والأسئلة الأخلاقية أكثر من الإثارة المباشرة.
حين تصبح العدالة سؤالا لا إجابةلا تكمن أهمية "للعدالة وجه آخر" في أنه يقدم لغزا جديدا في دراما الجريمة، بل في محاولته وضع شخصياته أمام مناطق رمادية لا توجد فيها إجابات سهلة. فالمسلسل يهتم باللحظة التي يفقد فيها الإنسان يقينه، ويجد نفسه مضطرا لمراجعة المبادئ التي طالما دافع عنها.
ورغم أن نجاح العمل جماهيريا يظل مرتبطا بظروف عرضه على منصة لا تزال تنافس أسماء أكثر رسوخا في سوق الدراما الرقمية العربية، فإنه يمثل اختيارا مختلفا لياسر جلال ومحاولة للخروج من القوالب التي ارتبط بها كاشفا عن رغبة في البحث عن مساحات أكثر هدوءا وتعقيدا في اختياراته المقبلة.
إقرأ المزيد


