الجزيرة.نت - 7/16/2026 8:38:16 PM - GMT (+3 )
قبل كل شيء نتضرع إلى الله، عز وجل، بالدعاء بالرحمة والمغفرة لصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي رحل عنا في الأيام الماضية، أسكنه الله فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء عن كل ما قام به من جهد في تقوية العلاقات بين بلادنا.
تصادف الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في 15 يوليو/تموز 2016، هذه السنة- والتي شكلت محطة مفصلية في الذاكرة السياسية لتركيا الحديثة- وبلادنا تزداد وحدة واستقرارا.
لم يقتصر الحدث في تلك الليلة على مواجهة أمنية مع الانقلابيين، بل مثل اختبارا حقيقيا للإرادة الشعبية التي أثبتت نضجها، وتحولت إلى شريك أساسي في حماية المسار الديمقراطي والمؤسسات الدستورية.
لقد أصبحت هذه الذكرى محطة لتقييم القدرة الوطنية على حماية المكتسبات الديمقراطية أمام التحديات. فما جرى أسس لمرحلة تؤمن بأن الشرعية تستمد حصرا من الإرادة الجماهيرية، وأن زمن الوصاية العسكرية والتدخلات غير الديمقراطية قد ولى إلى غير رجعة.
إعادة البناء وتحصين المؤسسات
في ذلك المساء، حاولت شبكة متغلغلة داخل القوات المسلحة، تابعة لتنظيم "غولن" (فيتو) الإرهابي، الإطاحة بالحكومة المنتخبة لفرض واقع جديد بالقوة. غير أن الاستجابة الشعبية السريعة، تلبية لدعوة فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، أسقطت هذا المخطط خلال ساعات، وأرست تلك الاستجابة قواعد عهد جديد تبنى فيه الإرادة من القاعدة المجتمعية الواعية، وليس عبر إملاءات فوقية.
كانت تلك المحاولة اختبارا قاسيا لصلابة النظام، لكنها شكلت في الوقت ذاته فرصة لإعادة البناء. لم تكتف الدولة التركية بتجاوز الأزمة، بل أطلقت ورشة إصلاحات هيكلية شاملة لتطهير أجهزة الأمن والدفاع والقضاء من الاختراقات، وضمان ولائها المطلق للدستور. وترافق ذلك مع سن تشريعات لتعزيز الشفافية والمحاسبة الإدارية.
إعلان
وفي قطاع التعليم، استعادت الدولة سيادتها على المؤسسات التي استغلها التنظيم. وبرز "وقف المعارف التركي" كذراع دبلوماسية تعليمية فاعلة، حيث يدير اليوم أكثر من 600 مؤسسة في 66 دولة، مقدما خدماته لأكثر من 75 ألف طالب.
كما شهدت السلطة القضائية تحديثات لضمان كفاءتها واستقلالها، تزامنا مع اتساع مساحة النقاش المدني وحيوية المجتمع كشريك أساسي في حماية الديمقراطية.
كانت المحاولة اختبارا قاسيا لصلابة النظام، لكنها شكلت في الوقت ذاته فرصة لإعادة البناء. لم تكتف الدولة التركية بتجاوز الأزمة، بل أطلقت ورشة إصلاحات هيكلية شاملة لتطهير أجهزة الأمن والدفاع والقضاء من الاختراقات
مؤشرات الصمود والنمو المستدام
اليوم، وبعد مرور عشر سنوات على تلك الأحداث، رسخت تركيا حالة من التوازن السياسي والاقتصادي. فرغم التحديات العالمية والإقليمية، من الجوائح إلى الكوارث الطبيعية والأزمات الجيوسياسية، حافظ الاقتصاد التركي على مرونته واستمرارية أهدافه الإستراتيجية.
على الصعيد الإستراتيجي، حققت تركيا قفزات نوعية في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الخارج. الآن أصبحت تركيا تصدر الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية لنحو 180 دولة مستحوذة على 65% من سوق الطائرات المسيرة العالمي.
وفي قطاع الطاقة، تجاوزت حصة المصادر المتجددة 56% من إجمالي الطاقة المركبة، في مسار طموح نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2053.
كما حققت قمة الناتو التاريخية لعام 2026 والتي نظمت في العاصمة التركية أنقرة بين السابع والثامن من الشهر الجاري نجاحا رسخ مكانة تركيا كقوة عالمية لا غنى عنها، نجح خلالها الرئيس أردوغان في قيادة الحلف نحو صياغة توازنات أمنية جديدة وإقرار مبدأ "الندية الكاملة" بين الحلفاء، كما انتزعت تركيا مكاسب إستراتيجية بارزة شملت حشد التأييد لصناعاتها الدفاعية المحلية والمطالبة برفع كافة القيود عن تسليحها.
الرؤية الإستراتيجية و"تركيا خالية من الإرهاب"
إن الرؤية الإستراتيجية الحالية للدولة التركية، كما لخصها الرئيس رجب طيب أردوغان مؤخرا، تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن لتؤسس لمرحلة "تركيا خالية من الإرهاب". هذه الإستراتيجية بجانب كونها سياسة أمنية، باتت عنوانا لرؤية الدولة في "قرنها الجديد". لقد أثبتت تركيا، عبر عملياتها الاستباقية لتجفيف منابع الإرهاب خارج الحدود، وتطوير قدراتها الذاتية المستقلة في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أنها لم تعد بلدا يرسم له دوره في سيناريوهات الآخرين.
بل أضحت اليوم "صانعة قرار" مستقلة، تمتد رؤيتها من الخليج إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط، ولا تفصل أبدا بين أمنها القومي وأمن واستقرار أصدقائها وأشقائها، مؤمنة بأن حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الاستقلال التكنولوجي هما الركيزتان الأساسيتان للسيادة الوطنية في هذا العصر.
السياسة الخارجية في بيئة إقليمية معقدة
انطلاقا من هذا الاستقرار الداخلي وتلك الرؤية السيادية، صاغت تركيا مقاربة خارجية أكثر استقلالية، تستند إلى مبدأ "التوازن النشط". لقد مكنت هذه السياسة أنقرة من لعب أدوار وساطة فاعلة دوليا، كما حدث في ملف تصدير الحبوب وتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
إعلان
وتكتسب هذه الاستقلالية في القرار أهمية بالغة اليوم، في ظل التطورات الدراماتيكية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. إن الحرب المدمرة على قطاع غزة، وما خلفته من مآس إنسانية غير مسبوقة، إلى جانب تصاعد التوترات العسكرية والمواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تضع الإقليم بأكمله على شفا تحولات خطيرة.
وفي هذا الخضم، أثبتت الدبلوماسية التركية قدرتها على التحرك كعامل استقرار؛ حيث تتمسك بالمواقف الأخلاقية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وتدعو للحلول الدبلوماسية لتجنيب المنطقة ويلات الانزلاق نحو صراع إقليمي شامل ومفتوح.
أثبتت تركيا، عبر عملياتها الاستباقية لتجفيف منابع الإرهاب خارج الحدود، وتطوير قدراتها الذاتية المستقلة في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أنها لم تعد بلدا يرسم له دوره في سيناريوهات الآخرين
الشراكة الإستراتيجية مع قطر
في قلب هذه الرؤية الإقليمية، تبرز العلاقات التركية-القطرية كنموذج للتحالفات الموثوقة والراسخة. لقد سجلت الذاكرة السياسية التركية بتقدير عال إعلان دولة قطر دعمها الصريح للحكومة المنتخبة خلال الساعات الأولى لمحاولة الانقلاب؛ وهو موقف شجاع من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد حفظه الله، شكل علامة فارقة في بناء الثقة بين البلدين.
لقد أثبتت الأزمات المتتالية، وتطابق الرؤى حيال ملفات المنطقة، أن التنسيق التركي-القطري يمثل ركيزة هامة للأمن الإقليمي. ومؤخرا، أكد الرئيس أردوغان هذا المعنى من خلال رفض تركيا القاطع لأي مساس بسيادة دولة قطر، مشددا على الوقوف الدائم إلى جانب الدوحة.
ومن خلال عملي كسفير للجمهورية التركية في الدوحة، لمست عن قرب ثمار هذا التحالف الفعلي الذي يتجاوز الأطر البروتوكولية، ليؤسس لتكامل إستراتيجي يحفظ أمن البلدين واستقرارهما.
وفي الختام، ومع استحضار الذكرى العاشرة ليوم 15 يوليو/تموز، نؤكد أن صون السيادة الوطنية تتطلب بناء داخليا متينا، وشراكات خارجية قائمة على الندية والوفاء. إن تركيا اليوم تؤكد التزامها بنهجها الديمقراطي المستقل، وتثمن عاليا وقوف حلفائها إلى جانبها، وفي طليعتهم دولة قطر قيادة وشعبا، ليكون هذا التعاون حجر زاوية في بناء مستقبل أكثر أمنا واستقرارا للإقليم.
وسيظل 15 يوليو/تموز، في كل عام علامة مضيئة على إرادة لا تقهَر، وعلى أخوة تركية-قطرية تقف كما وقفت دائما جنبا إلى جنب على طريق الحرية والتضامن والأمل المتجدد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


