باستثناء أوروبي خاص.. أوكرانيا تمد يدها نحو بكين لدعمها في تصنيع مسيّراتها
الجزيرة.نت -

Published On 15/7/2026

كشفت صحيفة فايننشال تايمز، نقلا عن مصادر مطلعة، أن الاتحاد الأوروبي سمح لأوكرانيا -وباستثناء خاص- باستخدام جزء من قرض دفاعي لشراء مكونات تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة من موردين صينيين، وذلك في سياق الدور البارز الذي تلعبه الطائرات المسيرة كسلاح حاسم ومسيطر على خطوط المواجهة العسكرية بين موسكو وكييف.

وبموجب هذا الاستثناء الخاص، حصلت كييف على فرصة إنفاق جزء من شريحة تمويلية، تبلغ قيمتها نحو 6 مليارات يورو مخصصة لبرنامج المسيّرات، من أصل قرض دعم أوروبي أوسع بقيمة 60 مليار يورو، لشراء مكونات طائرات مسيرة من الصين.

ويكشف هذا التوجه عن معضلة أوروبية مزدوجة، تتعلق بضعف التصنيع العسكري من جهة، والدور المحوري لبكين كمغذٍّ رئيسي لكلا طرفي الصراع من جهة أخرى.

جندي من وحدة المسيّرة "تايفون" يقوم بتجميع نموذج جديد من طائرة "مارسيانين" المسيّرة في خاركيف بأوكرانيا (غيتي)
لماذا امتدت يد كييف نحو بكين؟

على الرغم من جهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز قاعدته الصناعية الدفاعية، وسعيه لربط المساعدات بالشراء من داخل القارة، فإن الشركات الأوروبية لا تزال عاجزة عن تلبية احتياجات أوكرانيا من المعدات المرتبطة بتصنيع المسيّرات بالسرعة والكميات المطلوبة، الأمر الذي دفع كييف إلى التوجه نحو الخيار الصيني.

من ناحية أخرى، ارتفع استهلاك سلاح الطائرات المسيرة بشكل مفرط في ميدان المعركة، ووفقا لمسؤولين أوكرانيين، فإن المسيّرات باتت مسؤولة عن نحو 80% من الخسائر البشرية الروسية في ساحة المعركة، مما يفرض طلبا هائلا ومستمرا على قطع الغيار والمكونات التي لا يمكن للمصانع المحلية أو الأوروبية مجاراته.

كما تشترط لوائح القرض الأوروبي أن لا تتجاوز نسبة المكونات الخارجية (من خارج الاتحاد الأوروبي أو الشركاء المعتمدين مثل كندا وبريطانيا) نسبة 35% من قيمة العقد، غير أن اللائحة تتيح لكييف طلبا استثنائيا للشراء من الخارج إذا ثبت تعذر تأمين هذه السلع داخل أوروبا بالسرعة الكافية، وهو ما استغلته أوكرانيا لتأمين القطع الصينية الحيوية.

إعلان

موقف المفوضية الأوروبية

أكدت المفوضية الأوروبية أن الاستثناء الممنوح لأوكرانيا يُعَد إجراء استثنائيا ومحدودا للغاية، ولا يُطبّق إلا عندما تعجز الصناعة الدفاعية الأوكرانية والأوروبية عن توفير المنتجات المطلوبة بالكميات والسرعة اللازمتين.

وأوضحت المفوضية أن أوكرانيا هي التي طلبت تطبيق الاستثناء ضمن أول قائمة مشتريات دفاعية، للسماح بشراء مسيّرات تحتوي على أكثر من 35% من مكوناتها من خارج الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية وأوكرانيا.

وأضافت أن الموافقة جاءت بعد مشاورات مع مجموعة خبراء القدرات الدفاعية الأوكرانية ولجنة البرنامج، اللتين خلصتا إلى استيفاء شروط منح الاستثناء، مؤكدة أن برنامج القروض سيشمل في المراحل المقبلة جداول شراء لمنتجات دفاعية أخرى، بينها الصواريخ والذخائر، إلى جانب الطائرات المسيرة.

وقالت المفوضية إن قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها تعتمد على التوافر السريع للمنتجات الدفاعية بالكميات المطلوبة وفي أطر زمنية قصيرة للغاية، وهو ما استدعى اللجوء إلى الاستثناء.

لقطات من هجوم عنيف بالمسيّرات الأوكرانية على العاصمة الروسية موسكو (الصحافة الروسية)
مزايا صينية تغطي حاجة أوروبية

رغم الطفرة الابتكارية التي حققتها أوكرانيا ببناء واحد من أكثر قطاعات الدفاع ابتكارا في أوروبا تحت القصف الروسي، فإن الاعتماد على الصين يظل حتميا لعدة أسباب بنيوية تميز منتجاتها.

ومن أبرز هذه الأسباب:

  • سيطرة الصين على سلاسل الإمداد العالمية، إذ تهيمن الصين على جزء كبير من سلاسل الإمداد العالمية لمكونات الطائرات المسيرة التجارية والهجومية، كالمحركات الصغيرة، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة البث والتحكم.
  • كما يتميز القطاع الصيني الصناعي بقدرة إنتاجية ضخمة، تتيح توفير قطع الغيار بأسعار رخيصة وبكميات تجارية لا تملك أي دولة أوروبية القدرة على منافستها في الوقت الحالي.
  • وأخيرا، فإن مكونات المسيّرات الصينية المنتجة لأغراض مدنية وتجارية يسهل على المهندسين الأوكرانيين تعديلها محليا وإعادة برمجتها، لتتحول إلى مسيّرات قتالية فعّالة في وقت قصير.

تسليح الطرفين

بيد أن هذا الاستثناء المالي يكشف عن مفارقة سياسية، تضع الاتحاد الأوروبي في موقف محرج أمام سردياته السياسية، ففي الوقت الذي يتهم فيه حلف شمال الأطلسي (الناتو) بكين بأنها "الممكّن الرئيسي لحرب روسيا" ضد أوكرانيا، عبر دعم المجمع الصناعي العسكري لموسكو، يجد نفسه مضطرا لتمويل شراء مكونات صينية لضمان عدم انهيار سلاح المسيّرات الأوكراني.

فمن ناحية، تزود الصين روسيا بتقنيات مزدوجة الاستخدام (مدنية وعسكرية)، ومكونات إلكترونية وميكانيكية ساعدت في استمرار تشغيل الآلة العسكرية الروسية ومصانع صواريخها ومسيّراتها، رغم العقوبات المفروضة عليها.

في المقابل، تتجه أوكرانيا إلى الاعتماد على المكونات الصينية الأساسية لتركيب وتطوير منظومات الطائرات المسيّرة المحلية، والتي يتم تمويلها الآن بأموال القروض الأوروبية.

ويظل العجز الصناعي الأوروبي عقبة رئيسية تفرض على بروكسل القبول بالتوجه نحو الموردين الصينيين، ويعكس ذلك استمرار اعتماد الصناعات الدفاعية المرتبطة بالطائرات المسيرة على سلاسل الإمداد الصينية، في ظل محدودية القدرة الإنتاجية الأوروبية على تلبية الطلب الحالي.

إعلان



إقرأ المزيد