سوق الغزل بسلا.. من ساحة لبيع الأسرى والصوف إلى فضاء ثقافي وفني
الجزيرة.نت -

سلا (المغرب) – تحت ظلال أشجار وارفة ونفحات الشاي المغربي الأصيل، احتفت ساحة "سوق الغزل" في المدينة القديمة لسلا باليوم العالمي للموسيقى في أمسية فنية أشرفت على تأطيرها شابات من جمعية ميسترا للفنون السوسيوثقافية.

وظلت هذه الساحة لسنوات طويلة رمزا للحركة الاقتصادية والتجارية بالمدينة، قبل أن تتحول بعد أشغال ترميم وإصلاح استمرت لسنوات إلى مسرح مفتوح ينبض بالإبداع ويجذب الزوار والمثقفين.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

واستقبلت عضوات الفرقة الموسيقية الجمهور بحماس وشغف كبيرين، وقدمن معزوفات تنهل من الموسيقى العالمية والعربية والمغربية، وسط أجواء تفاعلية امتزجت فيها روعة الأنغام بتصفيقات الحضور الذي ملأ الساحة عن آخرها.

بكثير من النوستالجيا، تحدثت المايسترو نزهة الركراكي، رئيسة جمعية ميسترا للفنون السوسيوثقافية والمديرة الفنية للحفل، مع الجزيرة نت عن الرابط الوجداني الذي يجمعها بساحة الغزل، وقالت "هذه الساحة تشكل جزءاً من طفولتي، فأنا ابنة هذه المدينة، وكنت دائما أمر من ساحة الغزل في صغري وأنبهر بذلك الصخب الإيجابي والأصوات المتعالية والتنوع الإنساني الفريد الذي يجمع بين المثقفين والفنانين والتجار".

وأضافت "كنت أشعر بأن هذه الساحة فريدة ومتميزة وكان سحرها الغريب يجذبني في كل مرة أمر منها لشراء الأغراض أو للتنزه، ولم يخطر ببالي وأنا طفلة أنني سأصبح موسيقية، وأن القدر سيجعلني أقف وسطها لأقود حفلا موسيقيا".

وحول اختيار هذا الفضاء التاريخي المفتوح بدلا عن المسارح والقاعات المغلقة، قالت "أردنا تقريب الموسيقى والفن الراقي من المواطنين البسطاء وخصوصا أولئك الذين لا تسعفهم ظروفهم وإمكانياتهم للذهاب إلى المسارح".

وأشارت إلى أن الحفل مر في أجواء مثالية، إذ تجاوب الجمهور مع القطع الموسيقية الراقية وهم يحتسون كؤوس الشاي في أجواء من المتعة والتفاعل والوعي بأهمية الموسيقى والفن.

إعلان

وتهتم الجمعية -التي أسستها زهرة الركراكي عام 2023- بالتراث المحلي مع الانفتاح على ثقافات العالم، وتهدف إلى تكوين الفتيات تكوينا أكاديمياً في الموسيقى ليكون لهن حضور على المسارح، ويحصلن على الفرصة للتعبير عن أحاسيسهن وشخصياتهن عبر الموسيقى.

الجمهور يتابع الحفل الموسيقي في سوق الغزل التاريخي بسلا (الجزيرة)
ذاكرة متشابكة

ويعد سوق الغزل من أعرق الفضاءات التاريخية في مدينة سلا، إذ تتشابك في ذاكرته حقب متعاقبة من التحولات التي عكست في كل مرة روح المدينة وهويتها المتجددة.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، كان هذا الفضاء يؤدي وظيفة مغايرة تماماً لما هو عليه اليوم، إذ كان ساحة لبيع الأسرى الذين كان يأتي بهم المجاهدون السلاويون من حملاتهم البحرية الممتدة على طول المحيط الأطلسي حتى السواحل الأيسلندية، فيما عُرف بالجهاد البحري.

ويقول الباحث في تراث سلا وعضو نادي تراث سلا مصطفى النعانعي إن مرسوماً سلطانياً صدر عام 1808 أسدل الستار على هذه الحقبة، لتنتقل سلا من مدينة الجهاد البحري إلى مدينة التجارة والحرف التقليدية، مستثمرة موقعها على باب المريسة الذي كان يشكل ميناءها الرئيسي.

مع هذا التحول، تبدلت وظيفة السوق تدريجياً، فأصبح محاطاً بدكاكين صغيرة احتضنت لفترات طويلة أنشطة العدول والنساخ، الذين كانوا على ارتباط وثيق بدار القاضي المجاورة له. وقد اضطلع هؤلاء بتوثيق عقود البيع والشراء وسائر المعاملات التجارية التي كانت تجري في المدينة.

ويضيف النعانعي أن هذه الدكاكين التي تجاوز عددها ستين محلاً تحولت شيئا فشيئا إلى فضاء متكامل ومتخصص في الصوف ومشتقاته، وهو ما أعطى السوق اسمه الذي لا يزال يحمله حتى اليوم أي سوق الغزل.

كان يُباع في بعض هذه الدكاكين الصوف الخام، بينما كانت أخرى تبيعه بعد تنظيفه وتجفيفه وصباغته، فيما كانت "المعلمات" يتولين غزله وتحويله إلى منسوجات يدوية كالزرابي والحنبل والحايك، لتعود هذه المنتجات بعد ذلك إلى السوق للعرض والبيع.

في هذه الفترة -يقول النعانعي- عرف السوق حركة تجارية يومية نشطة، وكان يتم تخصيص أيام الاثنين والأربعاء والسبت بعد صلاة الفجر للنساء لبيع الصوف قبل أن يبدأ توافد الرجال على دكاكينهم".

وفي مطلع القرن العشرين، تحول جزء من السوق إلى فضاء لما يعرف بـ"الدلالة" أي البيع بالمزاد، وذلك بفضل تبرع سيدة من الأسرة الصبيحية العريقة بالمدينة بأرض داخل السوق خصصت للنساء السلاويات الأرامل والمطلقات ومن لا معيل لهن، فكن يجتمعن يوميا بعد صلاة العصر لبيع ما نسجته أيديهن أو ما استغنين عنه من متاع، في مزاد فريد تُعطى فيه الأولوية للمرأة بيعا وشراء.

مصطفى النعانعي (يسار) في جولة مع السياح بمدينة سلا العتيقة (الجزيرة)
نحو بعث جديد

مع مرور الوقت، تحولت الدكاكين إلى بيع الملابس المستعملة، وانحسرت عمليات البيع بالمزاد وتراجعت باقي الأنشطة التجارية، قبل أن ينبعث من رماده بفضل مبادرة ملكية استهدفت تأهيل وترميم المدينة العتيقة بسلا على مرحلتين.

يقول الباحث النعانعي إن المرحلة الأولى بين عامي 2013 و2014 شملت إصلاحات أولية طالت الأحياء المجاورة للسوق، فيما كانت المرحلة الثانية ما بين 2019 و2023 أكثر شمولاً، بعد أن تم تخصيص 900 مليون درهم (نحو 91 مليون دولار) من أجل ترميم وتأهيل الموروث التاريخي للمدينة العتيقة ومن بينها سوق الغزل الذي استعاد بهاءه المعماري.

إعلان

وضمن مشروع إعادة التهيئة للسوق، تم استبدال الأرضية القديمة المتهالكة بأحجار مرصوفة تتلاءم مع الطابع الأثري للمدن العتيقة المغربية وتم تشجير جنبات الساحة، فضلا عن تجديد الشبكات تحت الأرضية وتركيب نظام إنارة عمومية حديث يعتمد على فوانيس ذات طابع تقليدي وهو ما ساعد على احتضان الأمسيات الثقافية والفنية في أجواء ساحرة.

وخضعت واجهات الدكاكين والمنازل لعمليات ترميم باستخدام مواد تقليدية للحفاظ على الهوية البصرية الأصيلة للمكان، وتزامنت تهيئة الساحة مع مشاريع ترميم كبرى مست المعالم المحيطة بها مما خلق تكاملا سياحيا وثقافيا في المكان.

رغم احتفاظه بالاسم المرتبط بماضيه مع تجارة الصوف، تحول سوق الغزل بفضل أعمال التهيئة والترميم من فضاء اقتصادي مغلق إلى فضاء اجتماعي وثقافي منفتح تنشط فيه جمعيات متخصصة في صون التراث المادي واللامادي للمدينة.

ويكرس أبناء سلا جهودهم لإعادة الاعتبار لإرثهم عبر تنظيم مهرجانات وبرامج ثقافية وفنية بارزة في سوق الغزل مثل مهرجان مقامات ومهرجان أطفال السلام وأيام التراث وليالي الملحون في رمضان، كما تنظم جولات سياحية للراغبين في التعرف على تاريخ وتراث المدينة من المغاربة والأجانب.

ومع كل التحولات والتقلبات التي مر بها عبر قرون، فإن سوق الغزل الذي استعاد رونقه اليوم يقدم دعوة مفتوحة لكل الراغبين في الغوص في تاريخ مدينة سلا العريقة والتعرف عن كثب على حكاياتها وأسرارها التي تنتظر من يرويها للعالم.



إقرأ المزيد