داخل هيئة الإذاعة التركية.. معركة الإعلام ليلة المحاولة الانقلابية
الجزيرة.نت -

Published On 15/7/2026

|

آخر تحديث: 18:02 (توقيت مكة)

أنقرة –  تستحضر تركيا، في الخامس عشر من يوليو/تموز من كل عام، واحدة من أكثر الليالي تأثيرا في تاريخها الحديث، حين واجهت محاولة انقلاب عسكري فاشلة عام 2016، لتتحول المناسبة إلى "يوم الديمقراطية والوحدة الوطنية"، الذي تحييه الدولة عبر فعاليات رسمية وشعبية داخل البلاد وخارجها، تخليدا لذكرى الضحايا الذين قضوا دفاعا عن المؤسسات الدستورية، واستذكارا لساعات أعادت رسم المشهد السياسي والأمني في البلاد.

وفي الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية، تكتسب زيارة هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) معنى يتجاوز التعرف إلى مؤسسة إعلامية عريقة؛ فهي عودة إلى أحد أهم مسارح تلك الليلة، حيث تحولت أستوديوهات البث وغرف الأخبار إلى هدف مباشر للانقلابيين، الذين أدركوا أن السيطرة على شاشة الدولة تعني امتلاك الرواية الأولى، وإقناع الداخل والخارج بأن السلطة باتت في أيديهم.

غورمز لفت إلى أن ما جرى في ليلة المحاولة الانقلابية كان محاولة لإسكات صوت الدولة وتقويض النظام الديمقراطي (الجزيرة)

وخلال لقائه وفد الصحفيين والإعلاميين الدوليين المشاركين في برنامج "15 يوليو للإعلام الدولي"، أكد أحمد غورمز، نائب المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية، أن ما جرى في تلك الليلة لم يكن مجرد استهداف لمؤسسة إعلامية، بل محاولة لإسكات صوت الدولة وتقويض النظام الديمقراطي.

ولفت إلى أن الصحفيين والعاملين في المؤسسة وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع السلاح، لكنهم تمسكوا برسالتهم المهنية، مضيفا أن الإعلام أدى دورا محوريا إلى جانب الشارع التركي والقيادة السياسية في إفشال المحاولة الانقلابية والحفاظ على مؤسسات الدولة.

جانب من جولة وفد الصحفيين خلال زيارتهم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (الجزيرة)

داخل المقر الرئيسي للهيئة في العاصمة أنقرة، يستعيد المسؤولون تفاصيل الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية، ويقودون الزائرين إلى رواية ما حدث في تلك الليلة، حين اقتحم عسكريون المبنى وأجبروا إحدى المذيعات على قراءة بيان أعلن استيلاءهم على السلطة، قبل أن ينقطع البث لدقائق، في مشهد بقي محفورا في الذاكرة التركية باعتباره اللحظة التي حاول فيها الانقلابيون اختطاف صوت الدولة.

إعلان

ويؤكد المسؤولون أن السيطرة على المبنى لم تدم طويلا، إذ تمت استعادة السيطرة على الهيئة، لتتحول عودة الشاشة الرسمية إلى واحدة من أولى الإشارات العملية على تعثر الانقلاب وانهيار خطته الإعلامية.

مواجهة الكلمة والسلاح

لكن رواية تلك الليلة، كما يرويها مسؤولو الهيئة، لا تتوقف عند البيان الانقلابي، بل تمتد إلى ما يصفونه بـ"المواجهة بين الصحفي والبندقية". فالعاملون في المؤسسة، من مذيعين ومحررين ومخرجين وفنيين، وجدوا أنفسهم أمام اختبار غير مسبوق؛ مواصلة أداء رسالتهم المهنية وسط اقتحام مسلح، وتهديد مباشر، وانقطاع في البث، ومحاولات لإسكات وسائل الإعلام الرسمية.

ويرى المسؤولون أن الانقلابيين لم يستهدفوا مبنى المؤسسة لذاته، بل استهدفوا الإعلام بوصفه أحد مفاصل الدولة.

فإلى جانب اقتحام الهيئة، تعرضت منشآت البث الفضائي في غول باشي لهجمات عسكرية، في محاولة لقطع الإرسال وإحكام السيطرة على تدفق المعلومات، غير أن تلك المحاولات لم تنجح في عزل المشهد الإعلامي وتمرير رواية الانقلاب.

مكالمة أردوغان عبر "فيس تايم" ليلة المحاولة الانقلابية (مواقع التواصل)
"فيس تايم" أردوغان

وفي الوقت الذي حاول فيه الانقلابيون فرض روايتهم عبر شاشة التلفزيون الرسمي، كانت قنوات تلفزيونية أخرى تواصل تغطية التطورات لحظة بلحظة، قبل أن يشكل الاتصال المباشر للرئيس رجب طيب أردوغان عبر تطبيق "فيس تايم" مع إحدى القنوات التلفزيونية نقطة تحول فارقة، إذ دعا المواطنين إلى النزول إلى الشوارع والساحات رفضا للمحاولة الانقلابية، لتبدأ بعدها موجة من الحشود الشعبية التي غيّرت مسار الأحداث خلال ساعات.

أردوغان في لقاء لاحق مع الصحفية التركية هاندي فيرات التي اشتهرت بمهاتفته "فيس تايم" ليلة المحاولة الانقلابية (غيتي)

 وبعد 10 سنوات، لم تعد "أحداث 15 يوليو" مجرد مادة في الأرشيف الإخباري داخل المؤسسة، بل أصبحت جزءا من هويتها. فمن خلال الأفلام الوثائقية، والبرامج الخاصة، والإنتاجات السنوية، تواصل الهيئة توثيق تلك الليلة للأجيال الجديدة، بالتوازي مع توسع حضورها الدولي عبر قنواتها ومنصاتها الرقمية التي تبث بعشرات اللغات.

هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية تضم شبكة واسعة من القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية (الجزيرة)

وفي أروقة الهيئة، تبدو آثار تلك الليلة حاضرة في ذاكرة العاملين أكثر من الجدران نفسها. فبالنسبة لهم، لم يكن استهداف مؤسستهم محاولة لإسكات محطة تلفزيونية فحسب، بل كان محاولة لإسكات الدولة بأكملها.

وبينما كان الانقلابيون يرفعون السلاح لإجبار المذيعة على قراءة بيانهم، كان صحفيون وفنيون يتمسكون برسالتهم، في مشهد اختصر، كما يصفه المسؤولون، معركة امتدت ساعات بين الكلمة والبندقية، وانتهت ببقاء بث الشاشات على الهواء، وسقوط الانقلاب.



إقرأ المزيد