لماذا يمزج المغاربة الحلو بالمالح في أطباقهم؟ يوم كان السكر سلعة ثمينة
الجزيرة.نت -

Published On 15/7/2026

|

آخر تحديث: 17:34 (توقيت مكة)

ليست كل الأطباق مجرد وصفات، فبعضها يحتفظ بذاكرة شعوب بأكملها. وفي المغرب، لا يثير اجتماع السكر مع اللحم أو البرقوق مع الطاجين أي استغراب، رغم أنه يبدو غير مألوف في كثير من المطابخ. فما الذي جعل هذا المزج يصمد عبر قرون؟ وكيف تحول من أسلوب في الطهي إلى إحدى السمات المميزة للمطبخ المغربي؟

لا يفسر باحثو تاريخ الغذاء هذا التقليد بأنه مجرد تفضيل للمذاق، بل يرونه نتاج ذاكرة حضارية تشكلت عبر قرون من التجارة والهجرات والتبادل الثقافي، حتى غدا المزج بين الحلو والمالح أحد أبرز ملامح الهوية الغذائية للمغرب.

لا يفسر باحثو تاريخ الغذاء هذا التقليد بأنه مجرد تفضيل للمذاق، بل يرونه نتاج ذاكرة حضارية (بيكسلز)

مذاق يسافر عبر الزمن

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

في دراسته "تاريخ الغذاء في المغرب.. مراجعة ببليوغرافية"، يوضح المؤرخ المغربي محمد حبيدة أن فهم المطبخ المغربي لا ينفصل عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ويستعرض أبرز الدراسات التي تناولت تطور الغذاء، ومنها أبحاث عالم الاجتماع الأمريكي برنارد روزنبرغ، التي توضح كيف أسهمت التجارة والهجرات والتحولات الاقتصادية في تشكيل المائدة المغربية.

وتشير هذه الدراسات إلى أن كثيرا من ملامح المطبخ المغربي تبلورت خلال العصور الوسطى، حين كان المغرب محطة رئيسية على طرق التجارة التي ربطت إفريقيا جنوب الصحراء بالبحر المتوسط.

مخطوط يوثق الحلو والمالح

من بين أبرز الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، دراسة الباحث المغربي محمد أوباحلي عن مخطوط "زردة"، الذي يوثق وصفات كانت تُحضَّر في المغرب منذ قرون، ومن بينها التفاية، وهي خليط من البصل المطهو حتى يكتسب مذاقًا حلوًا، يضاف إليه الزبيب والسكر أو العسل والقرفة، ويُقدَّم إلى جانب أطباق اللحم والدجاج.

ويرى أوباحلي أن هذه الوصفات تكشف أن المزج بين الحلو والمالح لم يكن استثناء في المطبخ المغربي، بل كان جزءًا أصيلًا من تقاليد الطهي منذ قرون، واستمر حتى أصبح اليوم إحدى أبرز السمات التي تميزه.

سلو أو السفوف من توابت المائدة المغربية (الجزيرة)
أثر الأندلس

لا يفسر الباحثون هذا المزج بالتجارة وحدها، بل يربطونه أيضا بحركات الهجرة والتبادل الثقافي.

إعلان

فبعد سقوط مدن الأندلس، انتقل آلاف الأندلسيين إلى المغرب حاملين معهم تقاليد مطبخية تعتمد على اللوز وماء الزهر والفواكه المجففة والسكر.

ومع مرور الزمن، لم ينسخ المغاربة تلك الوصفات، بل أعادوا تشكيلها بما يتناسب مع منتجاتهم المحلية، لتولد أطباق أصبحت اليوم جزءا من الشخصية المغربية، مثل البسطيلة والطاجين بالبرقوق.

وتشير كتب تاريخ المطبخ المتوسطي إلى أن المزج بين الحلو والمالح كان معروفا في عدد من مطابخ العصور الوسطى، لكنه تراجع تدريجيا في كثير من البلدان مع تغير الأذواق.

المغرب قبل أوروبا

وقالت أستاذة علم الاجتماع في جامعة القاضي عياض بمراكش، نعيمة المدني، للجزيرة نت إن العادات الغذائية تعتبر وسيلة من وسائل التعبير عن الهوية، لذلك تملك الوصفات الغذائية التي تحمل هذه الخاصية ميكانيزم مقاومة التحول والاندثار بشكل يفسر استمرارية اعتماد بعضها منذ قرون.

وتابعت المدني: "لأن الملكية بالمغرب تعتبر عنصرا هاما في تشكيل الهوية المغربية، نجد أن المجتمع المغربي اعتمد الأطباق التقليدية، كتلك التي تمزج بين الحلو والمالح كأطباق احتفالية، تعبيرا عن الولاء والتشبث بالثوابت المشتركة، وذلك لأنها أطباق مغربية صرفة عرفت بها موائد السلاطين المغاربة منذ قرون، وقدمت في نطاق التقاليد والطقوس الغذائية السلطانية".

وقد جاء في العديد من المصادر، التي استندت إليها أستاذة الاجتماع، أن المزج بين الحلو والمالح في الطبخ تقنية اعتمدت بالمغرب منذ القرن الحادي عشر الميلادي في الطقوس الغذائية السلطانية، لتصبح عادات غذائية احتفالية لدى المغاربة، وذلك قبل شيوع استخدامها بأوروبا مع بداية القرن الثامن عشر الميلادي. وهي كذلك متعلقة بتراث غذائي مغربي عريق يرتبط بتصبير الأغذية وحفظ الطعام بواسطة العسل والسكر إلى جانب الملح والخل والليمون، لتحقيق الأمن الغذائي.

وتشكل أطباق "المروزية" (لحم مطبوخ مع الزبيب والسكر يطبخ في عيد الأضحى)، و"التفاحية" (لحم بالتفاح أو السفرجل المعسل)، و"البسطيلة"، وغيرها، أطباقا سلطانية في الأصل، تمزج بين الحلو والمالح منذ قرون، وتشكل طقسا غذائيا أساسيا في الأعياد والمناسبات لدى جميع المغاربة.

الأطباق تقليدية ليست مجرد وصفات بل صفحات من تاريخ المغرب، يقرأها المغاربة كل يوم على موائدهم (بيكسلز)
السكر.. أكثر من مجرد مذاق

في الماضي، لم يكن السكر سلعة يومية كما هو اليوم، بل كان من المنتجات النفيسة التي تعكس اليسر والرخاء. لذلك ارتبط حضوره في الولائم والأطباق الاحتفالية بالمكانة الاجتماعية والكرم.

فلم تكن الأسرة تكتفي بتقديم اللحم، بل تضيف إليه السكر واللوز والزبيب والقرفة، وهي مكونات مرتفعة القيمة آنذاك، لتعلن قدرتها على إكرام الضيف والاحتفاء بالمناسبة.

ولهذا ارتبطت أطباق مثل البسطيلة والطاجين بالبرقوق بالأعراس والولائم والأعياد أكثر من ارتباطها بالمائدة اليومية.

الطعام لغة اجتماعية

يرى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود فيشلر، في كتابه "الإنسان الآكل"، أن الإنسان لا يأكل لإشباع الجوع فحسب، بل لأن الطعام يحمل معاني ثقافية ورمزية، حتى يصبح المطبخ جزءًا من هوية المجتمع.

إعلان

أما عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية ماري دوغلاس، ففي دراستها الشهيرة "فك شيفرة الوجبة"، تنظر إلى الوجبة باعتبارها نظامًا من الرموز الاجتماعية، وترى أن معناها لا يكمن في مكوناتها وحدها، بل أيضًا في طريقة تنظيمها، والمناسبة التي تُقدَّم فيها، والعلاقات الاجتماعية التي تعكسها.

الطعام يحمل معاني ثقافية ورمزية، حتى إن المطبخ يصبح جزءا من هوية المجتمع (الجزيرة)
أكثر من طبق

قد تبدو حفنة السكر الناعم فوق البسطيلة مجرد لمسة تزيينية قبل التقديم، لكنها في الحقيقة تختزل رحلة طويلة من القوافل التجارية، والهجرات الأندلسية، والمطابخ السلطانية، والرموز الاجتماعية التي رأت في الطعام وسيلة للتعبير عن الكرم والاحتفال.

ولهذا، فإن البسطيلة والطاجين بالبرقوق والكسكس بالتفاية ليست مجرد أطباق تقليدية، بل صفحات من تاريخ المغرب، يقرأها المغاربة كل يوم على موائدهم، حتى وإن لم يدركوا أن وراء كل لقمة حكاية تمتد لقرون.



إقرأ المزيد