الجزيرة.نت - 7/15/2026 5:23:56 PM - GMT (+3 )
يرصد فيلم “لعبة المعايير المزدوجة” كيف واجهت قطر حملة إعلامية وسياسية غير مسبوقة بعد فوزها بمونديال عام 2022، ويقارن بين الاتهامات الموجهة إليها وما يكشفه من ازدواجية في التعامل مع قضايا مماثلة.
شكّل إعلان فوز قطر باستضافة كأس العالم 2022 نقطة تحول في تاريخ البطولة، بعدما فتح الباب أمام واحدة من أوسع الحملات الإعلامية والسياسية التي رافقت حدثا رياضيا، ويعود فيلم "لعبة المعايير المزدوجة" الذي بثته منصة الجزيرة 360 لتفكيك تلك الحملة والبحث في خلفياتها ومساراتها.
يعيد الفيلم (يمكن مشاهدته كاملا عبر هذا الرابط) المشاهد إلى ديسمبر/كانون الأول 2010، مستحضرا شهادات شخصيات كانت حاضرة لحظة إعلان النتيجة، وفي مقدمتها جوزيف سيب بلاتر، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) السابق، وحسن الذوادي، العضو المنتدب للجنة العليا للمشاريع والإرث، لرواية ما جرى داخل قاعة التصويت، وكيف تحولت لحظة الفوز سريعا إلى بداية معركة إعلامية طويلة.
يتذكر الذوادي، الذي قاد بنجاح ملف استضافة دولة قطر لبطولة كأس العالم فيفا قطر 2022، كيف كانت المنافسة قد انحصرت بين بلاده والولايات المتحدة، وكيف كان مقتنعا بأن دولة تخوض التجربة للمرة الأولى لن تتمكن من الانتصار، لكن المفاجأة جاءت مع خروج البطاقة من الظرف، لتبدأ بعدها حملة متواصلة لم تتوقف تقريبا حتى صافرة افتتاح البطولة.
يستعرض الفيلم كيف انتقلت التساؤلات بسرعة إلى اتهامات مباشرة، إذ امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تشكك في شرعية الفوز، وتتساءل عن قدرة دولة صغيرة على استضافة أكبر حدث كروي، بينما أخذت اتهامات الرشوة والفساد والطقس وحقوق الإنسان تتصدر المشهد الإعلامي العالمي.
ويرى عدد من الباحثين الذين يستضيفهم الفيلم أن ما جرى تجاوز النقاش الرياضي الطبيعي، ليعكس صعوبة تقبل انتقال حدث عالمي بهذا الحجم إلى الشرق الأوسط، فبالنسبة إليهم، لم يكن الاعتراض موجها إلى تفاصيل الملف القطري فقط، بل إلى فكرة انتقال إحدى أهم أدوات القوة الناعمة خارج الدائرة التقليدية للدول الغربية.
ولشرح حجم الرهانات، يعود الفيلم إلى آلية اختيار الدولة المضيفة، موضحا أن التصويت كان يجري بصورة سرية داخل اللجنة التنفيذية للفيفا، وسط تحالفات ومقايضات معقدة بين ملفات الاستضافة المختلفة، وهي بيئة يصفها ضيوف الفيلم بأنها كانت معروفة منذ سنوات طويلة داخل الاتحاد الدولي.
اتهامات تحت المجهروفي هذا السياق، يميز الفيلم بين الفساد الذي يقول إنه كان متجذرا داخل الفيفا، وبين الاتهامات التي وُجهت تحديدا إلى قطر، فمدير الاتصال السابق في الاتحاد الدولي غويدو توغنوني يؤكد أن ثقافة شراء الأصوات لم تبدأ مع الملف القطري، بل كانت جزءا من تاريخ المؤسسة منذ عقود.
وتدعم هذه الفكرة شهادات صحفيين استقصائيين وخبراء يستعرضون ملفات استضافة سابقة، بينها ألمانيا 2006 وجنوب أفريقيا 2010، حيث لاحقت اتهامات مشابهة عمليات التصويت، ويخلص الفيلم إلى أن الحديث المكثف عن فساد الفيفا لم يتحول إلى قضية عالمية إلا عندما ارتبط بمنح نسخة 2022 لقطر.
كما يتوقف عند التحقيق الذي قاده المحامي الأمريكي مايكل غارسيا في ملفات استضافة نسختي 2018 و2022، موضحا أنه شمل جميع الملفات المتنافسة، بينما انتهى – بحسب رواية الفيلم – إلى عدم العثور على أدلة تثبت ارتكاب قطر مخالفات في عملية الترشح.
ويعزز الفيلم هذه الرواية بالإشارة إلى تراجع الشاهدة فيدرا الماجد عن أقوالها السابقة المتعلقة بدفع رشاوى، في وقت يرى فيه الذوادي أن كثافة الاتهامات لم تكن انعكاسا لحجم الأدلة، بقدر ما كانت نتيجة رفض كثيرين تصديق أن دولة عربية استطاعت الفوز بالاستضافة.
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل قضية تغيير موعد البطولة من الصيف إلى الشتاء، ويبين الفيلم أن عقود الفيفا كانت تمنح الاتحاد الدولي حق تعديل المواعيد إذا اقتضت الظروف ذلك، وأن هذا البند كان معروفا مسبقا، إلا أن القرار تحول إلى مادة إضافية للهجوم على الدولة المستضيفة.
كما يناقش الانتقادات المتعلقة بالمناخ، مستعرضا حلول التبريد التي طورتها قطر داخل الملاعب، إلى جانب مشاريع البنية التحتية التي شملت المترو والمطار والطرق والفنادق، باعتبارها جزءا من خطة تنموية أوسع، وليست منشآت مؤقتة مرتبطة بالبطولة وحدها.
ازدواجية حقوق الإنسانويخصص الفيلم مساحة واسعة لملف العمالة الوافدة، مقدما مقاربة متعددة الزوايا، فمن جهة, يعرض شهادات منظمة العفو الدولية التي تحدثت عن انتهاكات شملت ساعات العمل الطويلة ونظام الكفالة، مؤكدا وجود مشكلات استدعت إصلاحات واسعة.
في المقابل، يبرز الفيلم شهادة الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب أمبيت يوسن، الذي تحدث عن توقيع مذكرة تفاهم مع قطر وإطلاق إصلاحات شملت آليات رقابة مستقلة، وإلغاء كثير من قيود نظام الكفالة، وتحسين إجراءات السلامة وتمثيل العمال.
ويرى الفيلم أن هذه الإصلاحات لم تحظ بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي حظيت به الاتهامات الأولى، وهو ما يتكرر أيضا في قضية الرقم الشهير المتعلق بوفاة 6500 عامل، إذ يوضح ضيوفه أن الرقم يمثل إجمالي وفيات وافدين من جنسيات مختلفة خلال سنوات، وليس عدد الوفيات المرتبطة مباشرة ببناء منشآت المونديال.
ولتعزيز فرضية ازدواجية المعايير، ينتقل الفيلم إلى أولمبياد باريس، حيث يستعرض شهادات عن انتهاكات طالت عمالا مهاجرين في مواقع البناء، بينها العمل غير النظامي والأجور المتدنية وحوادث الوفاة، مع الإشارة إلى أن هذه الوقائع لم تستدعِ المستوى نفسه من التغطية الإعلامية أو الضغوط السياسية.
ومع اقتراب صافرة البداية، بقيت الحملات الإعلامية مستمرة حول قضايا الكحول والمثلية وحقوق الإنسان، غير أن البطولة نفسها انطلقت وسط نجاح تنظيمي لافت، لتتحول، وفق شهادات ضيوف الفيلم، إلى حدث أعاد تشكيل كثير من الانطباعات التي سبقت انطلاقها.
ويختتم الفيلم بمشهد رفع ليونيل ميسي كأس العالم مرتديا البشت العربي، باعتباره لحظة رمزية تتجاوز الاحتفال الرياضي، لتلخص فكرة العمل بأكملها: أن مونديال قطر لم يكن مجرد بطولة ناجحة، بل محطة كشفت كيف يمكن للسياسة والإعلام والمصالح أن تعيد صياغة السردية ذاتها بمعايير مختلفة، تبعا لهوية الدولة التي تقف في مركز الحدث.
Published On 15/7/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


