الجزيرة.نت - 7/14/2026 5:29:49 PM - GMT (+3 )
Published On 14/7/2026
منذ أن أعلن مرصدا "ليغو" و"فيرغو" عام 2015 أول اكتشاف لموجات الجاذبية، دخل علم الفلك مرحلة جديدة أتاحت للعلماء "الاستماع" إلى الكون، وليس الاكتفاء برصده بالضوء. فقد أصبحت اصطدامات الثقوب السوداء تُسجل على هيئة اهتزازات دقيقة في نسيج الزمكان، تحمل معلومات عن أكثر البيئات تطرفا في الكون.
واليوم، وبعد 10 سنوات من هذا الإنجاز التاريخي، تشير دراسة جديدة نشرتها مجلة "نيتشر" إلى احتمال اكتشاف نوع جديد من موجات الجاذبية قد يكشف للمرة الأولى ما يحدث بالقرب من أفق حدث الثقب الأسود، وهو الحد الفاصل الذي لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منه.
اعتمدت الدراسة على تحليل أقوى إشارات موجات الجاذبية التي جرى تسجيلها حتى الآن، والمعروفة باسم "جي دبليو 250114" (GW250114) الناتجة عن اندماج ثقبين أسودين ضخمين.
وحتى اليوم، كانت جميع الإشارات التي يرصدها العلماء تأتي بعد اكتمال اندماج الثقبين الأسودين، فعندما يبدأ الثقب الأسود الجديد بالاستقرار تدريجيا تتشكل موجات تعرف بأنها اهتزازات ناتجة عن استقرار الزمكان.
أما الدراسة الجديدة فتقترح وجود نوع مختلف تماما من الإشارات، أُطلق عليه اسم الموجات المباشرة، ويُعتقد أنها تنشأ في منطقة أقرب كثيرا إلى أفق الحدث نفسه.
ويُعد هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن هذه المنطقة تمثل الحدود النهائية التي تنهار بعدها المادة والضوء داخل الثقب الأسود، وكانت تُعد حتى الآن شبه مستحيلة الدراسة بصورة مباشرة.
من أين جاءت هذه الإشارة؟قاد الدراسة فريق بحثي شارك فيه الفيزيائي "سيزهينغ ما" أحد مطوري النظرية الخاصة بالموجات المباشرة، الذي أوضح أن توقيت الاكتشاف كان مثاليا، قائلا: "أحيانا يضع العلماء تنبؤا نظريا ويضطرون إلى انتظار سنوات طويلة حتى يُختبر، لكن لأن هذه الإشارة كانت قوية للغاية، أصبح بالإمكان اختبار توقعاتنا مباشرة".
إعلان
ويرى الباحثون أن اندماج الثقوب السوداء يُعد من أعنف الظواهر الكونية، إذ تؤدي الجاذبية الهائلة إلى اضطراب شديد في الزمكان، يشبه تحريك ملعقة داخل فنجان قهوة. وفي مثل هذه الظروف قد تتمكن بعض الإشارات التي تتولد قرب أفق الحدث من الإفلات قبل أن تبتلعها الجاذبية بالكامل.
توضح الدراسة أن تميز الإشارة "جي دبليو" لا يعود فقط إلى قوة الاندماج، بل أيضا إلى التطور الكبير الذي شهدته أجهزة رصد موجات الجاذبية خلال العقد الماضي.
وتقول الفيزيائية "كاترينا شاتزييوانّو" من معهد كاليفورنيا للتقنية: "الأمر يشبه سماع الصوت نفسه لكن باستخدام ميكروفون تقل فيه الضوضاء، وأشبه بحبل شد؛ فكلما اقتربت من أفق الحدث أصبح الحصول على المعلومات أكثر صعوبة".
ويشبه العلماء موجات الجاذبية بصوت جرس ضخم؛ فعندما يصطدم ثقبان أسودان يبدو الأمر كما لو أن جرسا كونيا قد ضُرب بقوة، بينما تمثل الإشارات التي تلي الاصطدام الرنين المتلاشي لذلك الجرس. أما الموجات المباشرة فقد تكشف الطريقة التي ضُرب بها الجرس منذ البداية، وليس مجرد صداه الأخير.
بين الحماس العلمي والحذرورغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن الطريق ما يزال طويلا قبل إعلان اكتشاف مؤكد. يقول الفيزيائي "إيمانويل بيرتي" من جامعة جونز هوبكنز: "إذا أمكن رصد هذه الموجات فعلا، فسوف نحصل على قياس مباشر لخصائص أفق الحدث، لكن السؤال هو: هل نستطيع حقا رؤيتها؟".
ولا يزال بعض العلماء يشككون في قدرة هذه الموجات على الإفلات من الجاذبية الهائلة المحيطة بالثقب الأسود، أو في قدرة الأجهزة الحالية على تمييزها عن الضوضاء الرصدية.
في المقابل، يرى "فيتور كاردوسو" مدير مركز الجاذبية في معهد "نيلز بور" وأستاذ في المعهد العالي التقني في لشبونة: "أي دليل رصدي جديد يتعلق بالثقوب السوداء يُعد إنجازا واختراقا علميا".
كما يؤكد "سابولتش ماركا" من جامعة كولومبيا أن هذه الدراسة ستدفع فرقا بحثية عديدة حول العالم إلى إعادة تحليل بيانات موجات الجاذبية السابقة بحثا عن إشارات مماثلة، مضيفا: "كلما ازدادت عمليات الرصد ازدادت ثقتنا بالنتائج".
خطوة جديدة نحو فهم أكثر أسرار الكون غموضاتمثل هذه الدراسة محطة مهمة في علم موجات الجاذبية، لأنها قد تمنح العلماء لأول مرة وسيلة مباشرة لدراسة المنطقة المحيطة بأفق حدث الثقب الأسود، وهي منطقة طالما بقيت خارج متناول الرصد المباشر.
وإذا تأكد وجود الموجات المباشرة في عمليات رصد مستقبلية، فقد تفتح الباب أمام اختبارات غير مسبوقة لنظرية النسبية العامة، وتكشف تفاصيل جديدة عن طبيعة الزمكان والجاذبية في أقسى الظروف الكونية.
ويؤكد هذا الإنجاز أن التقدم العلمي لا يتحقق إلا بتراكم الملاحظات، وتطوير التقنيات، واختبار الأفكار الجريئة. فكل إشارة جديدة تصلنا من أعماق الكون لا توسع حدود معرفتنا فحسب، بل تذكرنا أيضا بأن الاستكشاف والبحث العلمي يظلان الطريق الأهم لفهم الكون ومكان الإنسان فيه.
إعلان
إقرأ المزيد


