دروس غيبون.. ما الذي تعلمته أمريكا من سقوط الإمبراطورية الرومانية؟
الجزيرة.نت -

Published On 14/7/2026

قام المؤرخ الأمريكي تشارلز كينغ بقراءة فكرية في كتاب المؤرخ البريطاني إدوارد غيبون الشهير "تاريخ انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، محاولا استكشاف ما يمكن أن يقوله هذا العمل التاريخي عن وضع الولايات المتحدة اليوم.

ويرى الكاتب -في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز – أن أهمية غيبون لا تكمن فقط في سرده لسقوط روما، بل في الأسئلة الكبرى التي طرحها حول مصير الحضارات، وأسباب تراجعها، وكيف يمكن للأمم أن تحافظ على أفضل ما لديها قبل أن تتحول إنجازاتها إلى مجرد ذكريات من الماضي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وأشار المؤرخ إلى أن المجلد الأول من كتاب غيبون صدر عام 1776، في الفترة نفسها التي أعلنت فيها الولايات المتحدة استقلالها، وهو ما منح العمل لاحقا أهمية خاصة لدى المفكرين والقادة الأمريكيين الذين رأوا في تجربة روما مرآة للتفكير في مستقبل جمهوريتهم الوليدة.

واستشهد الكاتب بالمؤرخ هنري آدامز الذي رأى أن استبدال كلمة "روما" بكلمة "أمريكا" يجعل أسئلة غيبون ذات صلة مباشرة بالحاضر السياسي الأمريكي.

أين تقع أمريكا من روما بعد 250 عاما من تأسيسها (رويترز)
خداع الذات

وكانت إحدى أهم أفكار غيبون تقول إن سقوط الحضارات لا يحدث فجأة، بل يبدأ غالبا عندما تفقد المجتمعات قدرتها على رؤية التحولات التي تحدث داخلها، وبالتالي فإن المشكلة الكبرى -حسب تفسير الكاتب لأفكار غيبون- هي خداع الذات، حين تتمسك الشعوب بالعادات والقوانين والمؤسسات القديمة بعد تغير الظروف التي أنشأتها، فتجد نفسها غير قادرة على التكيف عندما تصبح الأزمات واضحة.

ويؤكد المقال أن غيبون لم يعتبر التاريخ سلسلة من القواعد الجاهزة ولا الدروس النهائية، بل وسيلة لتطوير القدرة على التفكير النقدي وتغيير المواقف عند ظهور أدلة جديدة، مما يعني أن قراءة الماضي لا تهدف إلى إثبات صحة أفكارنا الحالية، وإنما إلى اختبارها ومراجعتها، لأن التاريخ غالبا ما يخالف توقعات البشر ويكشف تعقيد الواقع.

إعلان

ويرى الكاتب أن كتاب غيبون أصبح ساحة لتفسيرات سياسية مختلفة، فاعتبره البعض دفاعا عن التسامح، رأى فيه آخرون تحذيرا من الاستبداد أو الهجرة أو تراجع القيم التقليدية، لكن الرسالة الأساسية للكتاب -حسب المقال- هي رفض استخدام التاريخ كأداة لتأكيد المواقف المسبقة، والدعوة إلى التعامل معه باعتباره مجالا لفهم التغير الإنساني وليس مجرد مخزن للأمثلة التي تخدم كل طرف سياسي.

وتوقف الكاتب عند شخصية غيبون نفسه، مشيرا إلى أن صاحب أحد أعظم كتب التاريخ لم يكن رجل سلطة ولا شخصية واثقة كما قد يتخيل البعض، بل كان شخصا عانى من المرض وضعف الثقة بالنفس وبعض الإعاقات الجسدية.

ومع ذلك، فقد تمكن من إنتاج عمل استثنائي بفضل دقته العلمية وقوة أسلوبه واعتماده على البحث والمصادر، ليصبح من أكثر المؤرخين تأثيرا في الفكر الغربي.

فرصة لفهم الأخطاء

كما يوضح المقال أن كتاب غيبون كان ذا تأثير كبير على مؤسسي الولايات المتحدة الأوائل، فقد استفاد منه الرئيس الرابع جيمس ماديسون أثناء إعداد الأوراق الفيدرالية ، واهتم به الرئيس السادس جون كوينسي آدامز، كما امتلك الكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال توماس جيفرسون نسخة منه ضمن مكتبته الشخصية.

ويعتبر الكاتب أن هذا الاهتمام يعكس إدراك الجيل الأمريكي المؤسس لأهمية دراسة تجارب الإمبراطوريات السابقة لفهم مخاطر السلطة والانقسام السياسي.

وفي إسقاطه على العصر الحالي، حذر المقال من الميل إلى رؤية الحاضر إما باعتباره عصرا ذهبيا لا مثيل له أو مرحلة انهيار غير مسبوقة، معتبرا أن كلا الموقفين يؤدي إلى سوء تقدير الواقع، في حين أن التاريخ -وفق رؤية غيبون- يمنح الإنسان التواضع الضروري لفهم أن كل نظام سياسي وحضاري يمر بمراحل من التحول، وأن الاستمرار يتطلب القدرة على التعلم والتكيف.

ويخلص المقال إلى أن الرسالة الأهم في إرث غيبون ليست أن أمريكا ستكرر بالضرورة تجربة روما، بل إن جميع الحضارات تواجه التحدي نفسه، وهو كيف تنقل قيمها وإنجازاتها إلى الأجيال القادمة مع الاعتراف بأن تلك الأجيال ستغيرها حتما.

وذلك لأن التاريخ لا يقدم ضمانات للمستقبل، لكنه يمنح البشر فرصة لفهم أخطائهم، وتجنب الغرور، وبناء مستقبل أكثر وعيا وتعقلا.



إقرأ المزيد