إسرائيل ترثي "درعها الحديدي".. ماذا كشف موت غراهام عن خوفها في واشنطن؟
الجزيرة.نت -

في رثاء السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، لا تودع الصحافة الإسرائيلية رجلًا من رجال واشنطن فحسب، بل تطوي صفحة من زمن كانت فيه إسرائيل أكثر اطمئنانًا إلى نفوذها داخل العاصمة الأمريكية.

فالرجل الذي وصفته مقالات إسرائيلية بأنه "درع إسرائيل الحديدي" و"جدار محصن" في مجلس الشيوخ، لم يُقرأ موته هناك كخسارة شخصية أو حزبية فقط، بل كفراغ في لحظة تتحدث فيها الصحف نفسها عن صعود تيارات أكثر فتورًا أو عداءً لإسرائيل داخل الحزبين الأمريكيين.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

مات غراهام، الحليف القريب من دونالد ترمب وصاحب الخط المتشدد في السياسة الخارجية، عن 71 عاما.

لكن الصحافة الإسرائيلية لم تر في رحيله نهاية مسيرة سياسية عادية، بل رحيل رجل قدّم الدفاع عن إسرائيل كأنه مهمة عمر، ولو لم يكن في ذلك، بحسب "يسرائيل هيوم"، عائد سياسي كبير.

ليندسي غراهام خلال مؤتمر صحفي في تل أبيب عام 2025، ضمن زيارة وفد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي لإسرائيل (غيتي)
رثاء متخم

في "يسرائيل هيوم"، استهل أرئيل كهانا مقاله بتلميح غير مسنود إلى احتمال تسميم غراهام، قبل أن يقر بأن أي مصدر موثوق لم يطرح هذا الاحتمال أصلًا.

ومن هذه الافتتاحية المشحونة، انتقل الكاتب إلى القول إن موت غراهام "خبر سار لأشرار العالم".

ويقول كهانا إن غراهام كرّس حياته العامة لمحاربة "القوى التي تنشر الشر والعنف في العالم"، خصوصًا إيران وروسيا.

وبحسب الكاتب، يعد غراهام ضمن أعضاء كثيرين في مجلس الشيوخ يدعمون إسرائيل، لكنه وحده الذي جعل من ذلك الدعم "رسالة حياة".

وتبلغ اللغة ذروتها حين يصفه بأنه "أشرس صقر" ضد إيران في المجلس، و"النسر" الذي وفرت جناحاه لإسرائيل حماية أوسع من أي زميل آخر له.

وفي السنوات التي تراجع فيها مؤيدون تقليديون لإسرائيل تحت ضغط تيارات في اليمين واليسار الأمريكي، تقول الصحيفة إن غراهام ظل واقفًا "كجدار محصن".

صديق بلا بديل

لم يكن هذا الولاء، كما تقدمه الصحافة الإسرائيلية، من طرف واحد. فتنقل "يسرائيل هيوم" عن غراهام، في آخر مقابلة معها قبل أقل من عام، قوله إن الولايات المتحدة "ليس لها صديق أفضل في العالم من إسرائيل".

إعلان

وأضاف، بحسب الصحيفة، أن إسرائيل "جزيرة ديمقراطية" في محيط من المشكلات، وأن عمل الموساد والشاباك والجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات والجيش الأمريكي، يجعل الولايات المتحدة "أكثر أمنًا".

هذه العبارات تكشف موقع غراهام في المخيال السياسي الإسرائيلي: لم يكن مجرد مشرّع يصوت لصالح المساعدات، بل قناة تعيد صوغ الرواية الإسرائيلية بلغة الأمن القومي الأمريكي، وتقدم العلاقة مع تل أبيب لا كعبء على واشنطن، بل كاستثمار في أمنها.

سيرة الصقر

في "يديعوت أحرونوت"، عاد كوبي باردا إلى نشأة غراهام في بلدة سنتر بولاية ساوث كارولاينا، حيث كبر في أسرة عاملة كانت تدير مطعمًا وحانة وقاعة بلياردو.

ووفق المقال، فقد غراهام والديه وهو في نحو الحادية والعشرين، خلال فترة زمنية قصيرة، ثم تولى رعاية شقيقته الصغرى وتبناها قانونيًا قبل أن يواصل دراسة القانون.

ويقول باردا إن تلك التجربة القاسية رافقته إلى الخدمة العسكرية، حيث عمل ضابطًا قانونيًا في سلاح الجو الأمريكي، ثم خدم في الحرس الوطني والاحتياط، وأدى مهمات قصيرة في العراق وأفغانستان كمحامٍ عسكري خلال عطلات الكونغرس، قبل أن يتقاعد برتبة عقيد عام 2015.

ومع ذلك، تقول الصحيفة إن غراهام أظهر براغماتية، وتحول لاحقًا إلى أحد أقرب حلفاء ترمب في مجلس الشيوخ، مستخدمًا قربه من الرئيس للدفع بسياسة خارجية متشددة ومؤيدة لإسرائيل.

نتنياهو وغراهام والسفير الأمريكي ديفيد فريدمان خلال زيارة إلى الجولان السوري المحتل عام 2019 (أسوشيتد برس)
زمن يتبدد

أما "تايمز أوف إسرائيل" فقد رأت في غراهام نموذجًا لعصر آخذ في الانقضاء، كان فيه دعم إسرائيل والتدخل الأمريكي الخارجي القوي علامتين على توافق عابر للحزبين.

وتقول الصحيفة إنه هندس أحد آخر مشاهد التضامن الحزبي الأمريكي مع إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين جمع وفدًا مشتركًا من الجمهوريين والديمقراطيين إلى تل أبيب.

وتنقل الصحيفة عن غراهام يومها قوله: "عشرة في المئة من مجلس الشيوخ الأمريكي موجودون الآن في إسرائيل… خمسة جمهوريين وخمسة ديمقراطيين. لو كانت لدينا طائرة أكبر، لجلبنا مجلس الشيوخ كله".

لكن الصحيفة تضيف أنه، بعد نحو ثلاثة أعوام، لم يعد أحد قادرًا على جمع مشهد مماثل.

ومن هنا، ترى أن موت غراهام يعني أن مجلس الشيوخ والحزب الجمهوري فقدا أحد أكثر الأصوات المؤيدة لإسرائيل ثباتًا، في وقت تتحدث فيه عن تصاعد المشاعر المناهضة لإسرائيل داخلهما.

غراهام يتحدث في تل أبيب بعد اجتماعات في لبنان وإسرائيل، في أغسطس 2025 (غيتي)
غزة وإيران

تقول "تايمز أوف إسرائيل" إن غراهام، خلال أكثر من ثلاثة عقود في الكونغرس، دعم بقوة المساعدات الأمريكية لإسرائيل، وتبنى خطًا متشددًا ضد إيران، والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارا في إسرائيل والولايات المتحدة.

وتشير الصحيفة إلى دعمه للعمليات العسكرية الإسرائيلية ردًا على هجمات حماس، بما في ذلك حرب غزة عام 2014 وما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وتنقل أنه دعا في 8 أكتوبر/تشرين الأول إلى أن تهزم إسرائيل حماس "بكل الوسائل اللازمة"، ثم أثار لاحقًا انتقادات حين دعا، في سياق حديثه عن غزة، إلى "تسوية المكان بالأرض".

إعلان

وفي "يسرائيل هيوم"، يكتب كهانا أن قرب غراهام من نتنياهو لا يعني أنه وافق على كل سياساته.

فبحسبه، كان غراهام يرى في أحاديثه الخاصة أن سياسات نتنياهو تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت خاطئة، بل ظل مقتنعًا حتى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول بأن على إسرائيل العمل من أجل إقامة دولة فلسطينية.

لكنه، كما يقول الكاتب، اختار أن يبقي هذه الخلافات بعيدا عن الميكروفونات حتى لا تضر بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو بالعلاقة بينهما.

جو ليبرمان وجون ماكين وليندسي غراهام يضعون إكليلا في نصب ياد فاشيم بالقدس عام 2008 (رويترز)
حليف اليهود الجمهوريين

وتقول "تايمز أوف إسرائيل" إن غراهام أصبح في السنوات الأخيرة مصدر طمأنينة لليهود الجمهوريين القلقين من "صعود معاداة السامية واليمين المتطرف" داخل حزبهم.

وتنقل عنه في مؤتمر الائتلاف اليهودي الجمهوري قوله: "أنا في جناح الحزب الجمهوري الذي يقول إن هتلر شرير"، قبل أن يتوعد الجمهوريين المناهضين لإسرائيل بالهزيمة السياسية.

أما "جيروزاليم بوست"، فذهبت أبعد في الرثاء، إذ كتب آري هارو، رئيس ديوان نتنياهو السابق، أن إسرائيل "أكثر أمانًا" بفضل صداقة غراهام ووضوحه الأخلاقي واستعداده للثبات في اللحظات الحاسمة.

واستعاد الكاتب لقاء عام 2014 في مكتب نتنياهو، حين كان ملف إيران في قلب النقاش، وقال إن غراهام وقف يومها إلى جانب إسرائيل معلنًا: "سنتبع نصحكم ومشورتكم" بشأن إيران.

وفي خاتمة المقال، نقل هارو عن غراهام قوله: "أنا معكم بكل سبيل… سأكون مع إسرائيل حتى يوم موتنا. إنها أفضل حليف يمكن أن نرجوه".



إقرأ المزيد