الجزيرة.نت - 7/13/2026 7:31:51 PM - GMT (+3 )
في عام 1967، وفي ذروة الحرب الباردة بين القطبين العالميين الكبيرين، وقعت دول العالم معاهدة الفضاء الخارجي، التي حظرت وضع أسلحة نووية في المدار أو في الفضاء.
لكن المعاهدة لم تنص على كيفية التأكد من أن دولة ما لا تخفي سلاحا نوويا داخل قمر صناعي، وهو ما من شأنه أن يدمر عددا كبيرا من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، ويحدث اضطرابا واسعا في البيئة الإشعاعية حول الأرض، إذا انفجر.
في دراسة نشرت يوم 8 يوليو/تموز في مجلة "نيتشر"، اقترح باحث طريقة غير تقليدية للتحقق من امتثال الأقمار الصناعية لمعاهدة الفضاء الخارجي.
الفكرة لا تعتمد على إرسال أشعة قوية من الأرض، ولا على تفكيك القمر الصناعي المشتبه فيه، بل على استخدام شيء موجود أصلا في الفضاء، هو البروتونات عالية الطاقة المحبوسة في "أحزمة فان آلن" الإشعاعية حول الأرض. والبروتون هو جسيم موجب الشحنة داخل نواة الذرة، أما النيوترون فجسيم متعادل الشحنة.
تحيط أحزمة فان آلن بالأرض وتحتجز جسيمات مشحونة، بينها بروتونات ذات طاقات عالية؛ وعندما تصطدم هذه البروتونات بمواد ثقيلة مثل اليورانيوم، يمكن أن تنتج نيوترونات عبر عملية تعرف باسم "التشظي".
تعمل البروتونات هنا كرصاصات طبيعية دقيقة تضرب المواد الثقيلة، فتخرج منها إشارات يمكن رصدها، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، أريغ دناغوليان، أستاذ العلوم النووية والهندسة المشارك، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وبما أن القنابل النووية الحرارية تحتوي عادة على مواد ثقيلة، خصوصا في الغلاف الإشعاعي للسلاح، فإن وجود عدد غير عادي من النيوترونات حول قمر صناعي ما قد يصبح علامة على احتمال وجود جهاز نووي بداخله. لا يعني ذلك أن الإشارة وحدها تثبت وجود سلاح، لكنها قد تمنح المفتشين مؤشرا قويا يستحق الفحص.
إعلان
يقترح الباحث إرسال قمر تفتيش صغير مزود بكاشف نيوترونات اتجاهي. ويتكون الكاشف المقترح من طبقتين من البكسلات تفصل بينهما مسافة 10 سنتيمترات، ويستخدم وميضا بلاستيكيا من نوع "إيه جيه 276″، مع طبقات ماسية تعمل كدرع نشط لاستبعاد البروتونات والإلكترونات التي قد تربك القياس.
يوضح أريغ في تصريحات للجزيرة نت، أنه من خلال قياس اتجاه النيوترونات وطاقتها وزمن وصولها، يستطيع النظام التمييز بين نيوترونات قادمة من القمر الصناعي المشتبه فيه، ونيوترونات الخلفية القادمة من الغلاف الجوي أو الناتجة من الجهاز نفسه. أي أن الفكرة لا تقوم فقط على عد النيوترونات، بل على معرفة من أين جاءت، وما إذا كان مصدرها متسقا مع جسم يحتوي على مواد نووية ثقيلة.
قمر صغير وسرب محتمل
وفق حسابات الدراسة، يستطيع قمر تفتيش واحد كشف سلاح نووي حراري مفترض من مسافة 4 كيلومترات خلال نحو أسبوع، باحتمال كشف يتجاوز 99%. وإذا استخدم سرب من عشرة أقمار صغيرة، فقد تنخفض مدة الرصد إلى نحو 15 ساعة. أما إذا اقترب السرب إلى مسافة كيلومتر واحد فقط، فقد يكفي مرور واحد تقريبا للحصول على إشارة قوية.
هذه الأرقام تجعل الفكرة جذابة من الناحية التقنية، لأنها تقترح وسيلة تفتيش لا تحتاج إلى الاقتراب الملامس من القمر المشتبه فيه، ولا إلى تعطيله أو فتحه. كما أنها تستخدم بيئة الفضاء نفسها بوصفها مصدرا طبيعيا للجسيمات التي تكشف المواد الثقيلة.
لكن الباحث يشدد على أن الدراسة ليست تصميما نهائيا لجهاز جاهز للإطلاق؛ فهي دراسة مفاهيمية تعتمد على نماذج مونت كارلو، ومحاكاة حاسوبية، ونماذج تقريبية لإنتاج النيوترونات. كما تفترض في تحليلها الأساسي أن السلاح غير محمي بدرع خاص، بينما قد تؤثر مواد التدريع في الإشارة وتحتاج إلى دراسات أعمق.
من جانب آخر، يقف عائق كبير أمام تحقيق تلك الفكرة، وهو موافقة جميع الدول على مثل هذه التكنولوجيا، وهذا أمر سياسي بحت، يتضمن جدلا كبيرا.
كما أن هناك أيضا تحديات هندسية كبيرة يشير إليها الباحث، فالبيئة الإشعاعية على ارتفاعات تقارب 2000 كيلومتر قاسية على الأجهزة الإلكترونية، ومعدلات اصطدام الجسيمات عالية، كما أن الفراغ والتغيرات الحرارية الشديدة قد تؤثر في الحساسات ومواد الكاشف. لذلك، فإن تحويل الفكرة إلى مهمة فضائية حقيقية يحتاج إلى اختبارات هندسية وتجريبية واسعة.
لكن هذه الطريقة المقترحة لا تستطيع وحدها – وفق الباحث – أن تحدد كل تفاصيل الجسم الموجود داخل القمر الصناعي. فمواد ثقيلة أخرى مثل الرصاص أو التنغستن قد تنتج نيوترونات أيضا، وإن كانت الأقمار الصناعية التقليدية المصنوعة غالبا من الألومنيوم والمواد الخفيفة لا تعطي الإشارة نفسها. لذلك يصف الباحث التقنية بوصفها مؤشرا قويا محتملا، لا حكما سياسيا أو قانونيا نهائيا.
صرح الباحث بعدم وجود تضارب مصالح يخص الدراسة، لكنه أشار إلى أنها مولت جزئيا من جائزة تابعة للإدارة الوطنية للأمن النووي الأمريكية، ومنحة من مؤسسة كارنيغي.
إقرأ المزيد


