المراوح لن تنقذكم الليلة.. علماء يتحدثون للجزيرة نت عن فخ "القبة الحرارية"
الجزيرة.نت -

حل فصل الصيف رسميا، لكنه بدأ هذا العام بموجة حرارية استثنائية تتمثل فيما يُعرف بـ"القبة الحرارية" التي أصبحت أكثر شيوعا في العديد من مناطق العالم، وهي ظاهرة جوية تجعل درجات الحرارة المرتفعة أصلا أكثر تطرفا واستمرارا عبر مساحات تعادل ثلث أو نصف الولايات المتحدة.

ويعد هذا النمط الجوي من أبرز الظواهر الجوية المؤثرة على نطاق واسع، والمسؤولة عن فترات الصيف شديدة الحرارة والرطوبة التي تعرض ملايين الأشخاص حول العالم لظروف حرارية متطرفة خلال فترة زمنية واحدة.

ومع تصاعد تأثير هذه القباب الحرارية، تبرز أسئلة مهمة حول طبيعتها، وآلية تشكلها، وعلاقتها بتغير المناخ، وتأثيرها في الوقت الراهن، والطرق التي يمكن من خلالها حماية أنفسنا من أخطارها.

داخل المنطقة الواسعة للقبة الحرارية يهبط الهواء تدريجيا نحو الأسفل (غيتي)
ما القبة الحرارية؟

يعرف خبراء المناخ القبة الحرارية بأنها ظاهرة جوية تنشأ عندما تتكون منطقة واسعة ومستقرة من الضغط الجوي المرتفع في المستويات الوسطى والعليا من طبقة التروبوسفير، وهي أدنى طبقات الغلاف الجوي، وتمتد لعدة أميال فوق سطح الأرض، وتتشكل فيها معظم الظواهر الجوية التي تؤثر في حياتنا اليومية.

ويشرح مساعد كبير خبراء الأرصاد الجوية المرئية في شركة التنبؤات الجوية "أكيو ويذر"، جيف كورنيش، هذه الظاهرة قائلا: "عندما ترتفع درجة حرارة الهواء فإنه يتمدد، ما يؤدي في النهاية إلى انتفاخ الغلاف الجوي وتشكله على هيئة ما يمكن تصوره كجبل أو قبة واسعة من الهواء الدافئ".

ويضيف جيف في حديثه للجزيرة نت: "داخل هذه المنطقة الواسعة يهبط الهواء تدريجيا نحو الأسفل، وهو ما يحد من وصول الكتل الهوائية الباردة أو العواصف، ويمنع تشكل السحب وهطول الأمطار التي يمكن أن تخفف من الحرارة".

ويشير إلى أنه "مع استمرار هبوط الهواء، يتعرض للانضغاط نتيجة زيادة وزن الغلاف الجوي فوق الكتلة الهوائية الهابطة، ما يؤدي إلى زيادة الضغط وارتفاع درجة الحرارة في الوقت نفسه".

إعلان

وبعبارة أخرى، يعمل الهواء الدافئ في الطبقات العليا كغطاء محكم يحتجز الحرارة والرطوبة والملوثات وغيرها من المواد بالقرب من سطح الأرض، ويمنع تشتتها لفترات طويلة، ويعزز تراكمها بمرور الوقت تحت منطقة الضغط المرتفع، مما يؤدي إلى استمرار درجات الحرارة المرتفعة لفترات طويلة مع غياب شبه كامل لأي تخفيف للحرارة.

ومع قلة السحب وضعف حركة الرياح، تصل أشعة الشمس إلى الأرض بصورة مباشرة، مما يعزز ارتفاع درجات الحرارة، ويخلق ما يشبه حلقة تغذية راجعة حرارية تزيد من شدة الموجة الحارة، وتشكل بيئة حارة ومستقرة على مساحات قد تمتد لمئات الكيلومترات يصعب فيها تبديد الحرارة.

ورغم أن هذه الأحداث الحرارية القاسية ليست جديدة من الناحية المناخية، فإن مصطلح "القبة الحرارية" -وهو ليس مصطلحا علميا رسميا- أصبح شائع الاستخدام خلال السنوات الأخيرة لوصف هذه الظاهرة التي ترتبط عادة بموجات حر طويلة الأمد قد تستمر لأيام متتالية أو أكثر.

وتوضح عالمة المناخ والباحثة في مركز "وودويل" لأبحاث المناخ، جينيفر فرانسيس، أن "هذا المصطلح يوفر صورة ذهنية سهلة الفهم تساعد الناس على تصور البنية الجوية المسؤولة عن نشوء موجات الحر الشديدة".

وتضيف في حديثها للجزيرة نت أن "القباب الحرارية أصبحت موضع اهتمام متزايد لدى الجمهور، في ظل سعي الناس إلى فهم أسباب ازدياد الظواهر الجوية المتطرفة وتكرارها بوتيرة أكبر من السابق".

آلية تشكل القباب الحرارية

على خلاف موجات الحر التقليدية التي قد تنتج عن مجموعة متنوعة من العوامل الجوية، وتمتد عادة لـ 3 أيام متتالية أو أكثر، تشهد خلالها منطقة ما درجات حرارة أعلى من المعدل الطبيعي، فإن تشكل القبة الحرارية يتطلب ظروفا جوية محددة تؤدي إلى تضخيم تأثير الحرارة بشكل ملحوظ، ما يجعل موجات الحر أكثر حدة واستمرارا.

وغالبا ما تنشأ القبة الحرارية نتيجة تغيرات في أنماط الغلاف الجوي. فعندما تتعرض أنماط الطقس لاضطرابات تؤثر في حركة التيار النفاث -وهو نهر من الرياح القوية والسريعة يتحرك على ارتفاعات عالية في الغلاف الجوي، ويلعب دورا رئيسيا في تشكيل أنماط الطقس- تبدأ مناطق مختلفة بالتعرض لظواهر مناخية متطرفة مثل موجات الحر والفيضانات وموجات البرد والعواصف والجفاف.

وعندما تصبح الانحناءات الشمالية والجنوبية للتيار النفاث واسعة وممتدة أكثر من المعتاد، تتباطأ حركته أو تكاد تتوقف، مما يؤدي إلى تثبيت نظام الضغط المرتفع في مكانه، وهو النظام الذي يشكل الجزء العلوي من القبة الحرارية.

ويوضح جيف أن "القباب الحرارية تتشكل عادة فوق الكتل القارية، بينما تكون أقل شيوعا فوق المحيطات، لأن المياه تمتلك سعة حرارية أعلى من اليابسة، ما يجعلها أكثر قدرة على تخفيف حدة التغيرات الحرارية".

ويرى أن "حالات موجات الحر التي تحدث في غياب قبة حرارية تقتصر غالبا على الحالات الهامشية، عندما تؤدي رياح محلية هابطة ودافئة إلى رفع درجات الحرارة في منطقة معينة إلى الحد الأدنى المطلوب لتصنيف الحدث كموجة حر".

كما يمكن لأنماط المناخ المحيطية، ومنها ظاهرة "النينيا"، أن تهيئ الظروف المناسبة لتشكل القباب الحرارية عندما تؤدي درجات حرارة سطح البحر الأعلى من المعدلات الطبيعية إلى تغيير أنماط تدفق الهواء في الغلاف الجوي.

إعلان

ويمنع نظام الضغط المرتفع الهواء الدافئ من الارتفاع، الأمر الذي يحد من تشكل السحب، ويؤدي إلى طقس مشمس وجاف ومستقر لفترات طويلة. ومع ازدياد كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض، تتراكم كميات أكبر من الحرارة داخل القبة الحرارية، فتزداد شدتها بمرور الوقت.

وبالنسبة للمناطق الواقعة تحت تأثيرها، تميل القباب الحرارية إلى الثبات أو التحرك ببطء شديد، حيث تبقى جاثمة فوق مناطق واسعة لفترات ممتدة. ويتحدد مسارها ومدة بقائها إلى حد كبير بواسطة أنماط دوران الغلاف الجوي، وخاصة التيار النفاث.

تميل القباب الحرارية إلى الثبات أو التحرك ببطء شديد (غيتي)
كيف يعزز تغير المناخ القباب الحرارية؟

في عام 2023، خلص التقرير التجميعي لتغير المناخ، الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أنه "من شبه المؤكد أن الظواهر الحرارية المتطرفة، بما في ذلك موجات الحر، أصبحت أكثر شدة وأطول مدة وأكثر تكرارا في معظم المناطق البرية منذ خمسينيات القرن الماضي".

وتعد القباب الحرارية جزءا من هذه الظواهر الجوية المتطرفة التي ظهرت أو زاد تكرارها خلال السنوات الأخيرة. فمع ارتفاع متوسط حرارة الكوكب تنتقل نطاقات درجات الحرارة في أي منطقة نحو القيم الأعلى، ما يجعل تأثير القبة الحرارية أكثر قوة وحدة.

كما أن جفاف التربة الناتج عن الحرارة والجفاف يقلل من عملية التبخر التبريدي الطبيعية، وهو ما يفاقم ارتفاع درجة حرارة الأرض، الناتج أساسا عن عقود طويلة من الاعتماد على الوقود الأحفوري وإزالة الغابات.

وقد يكون تغير المناخ أيضا سببا في تغيير سلوك التيار النفاث. فوفقا لجينيفر، وهي واحدة من أبرز الخبراء العالميين في دراسة الغلاف الجوي والتغيرات في القطب الشمالي، فإن "تفاقم موجات الحر البحرية وازدياد حرارة المحيطات يجعلان الانحناءات الشمالية الكبيرة في التيار النفاث أكثر احتمالا وأكثر قدرة على الاستمرار لفترات طويلة، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة عدد القباب الحرارية وإطالة أمدها".

بعبارة أخرى، فإن تغير المناخ لا يخلق القباب الحرارية من العدم، لكنه يجعل الظروف المواتية لتشكلها أكثر شيوعا، ويضاعف آثارها عندما تحدث.

ويشرح جيف ذلك بقوله "عندما تكون المنطقة أصلا في حالة جفاف، فإن القبة الحرارية تزيد الوضع سوءا، إذ تؤدي معدلات التبخر المرتفعة إلى سحب المزيد من الرطوبة من التربة وجفاف الغطاء النباتي دون وجود فرص تُذكر لتعويضها عبر الأمطار".

ويضيف: "مع تراكم كميات كبيرة من المواد القابلة للاشتعال، ترتفع مخاطر اندلاع حرائق الغابات، رغم أن الرياح تكون غالبا محدودة تحت القباب الحرارية. لكن الجفاف الشديد وانخفاض الرطوبة، خصوصا في المناخات الجافة، يهيئان ظروفا مواتية لاشتعال الحرائق وانتشارها".

وفي سياق تفاعل القباب الحرارية مع الكوارث البيئية والمناخية، توضح جينيفر أن "الهواء داخل القبة الحرارية يميل إلى الركود وضعف الحركة، ما يسمح بتراكم الملوثات والغبار والجسيمات الدقيقة بالقرب من سطح الأرض، وبالتالي تدهور جودة الهواء".

ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة العالمية، تؤكد الباحثة أن "القباب الحرارية ستصبح أكثر تكرارا وأشد قوة وأطول بقاء في مزيد من مناطق العالم خلال العقود القادمة، ما سيجعلها مصدر قلق أكبر خلال أشهر الصيف، خاصة مع استمرار البشر في إضافة الغازات الدفيئة الحابسة للحرارة إلى الغلاف الجوي، ولا سيما من خلال حرق الوقود الأحفوري".

وتتقاطع هذه الرؤية مع تقديرات جيف الذي يتوقع أن يسهم تغير المناخ الحالي في زيادة احتمالية حدوث موجات الحر والقباب الحرارية، وأن يجعلها أكثر شدة وأطول أمدا بدرجة طفيفة مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه لولا الاحترار المستمر الذي يشهده الكوكب منذ عدة قرون.

إعلان

أخطار تتجاوز درجات الحرارة

لا تقتصر آثار القبة الحرارية على الشعور بعدم الراحة، فالجمع بين درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية يشكل خطرا صحيا حقيقيا. وتعطل هذه الظروف آلية التبريد الأساسية في جسم الإنسان، وهي التعرق.

في الظروف الطبيعية يبرد الجسم عندما يتبخر العرق من سطح الجلد، لكن الرطوبة المرتفعة تقلل معدل تبخر العرق من سطح الجلد، ما يضعف التأثير التبريدي الذي يوفره التبخر، ويمنع الجسم من الحصول على الراحة الحرارية اللازمة، كما يقول جيف.

ويضيف أنه "على النقيض من ذلك، فإن الحرارة الجافة تسمح بتبخر العرق بسهولة أكبر، وهو ما يساعد الجسم على التخلص من الحرارة الزائدة وتحقيق تبريد أكثر فاعلية، ويقلل من احتمالات الإصابة بالمضاعفات الصحية المرتبطة بالحرارة الشديدة، خاصة لدى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، وكذلك العاملين في الأماكن المفتوحة".

ولذلك فإن الحفاظ على السلامة يتطلب اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية الأساسية، أهمها الحفاظ على الترطيب الجيد للجسم، وشرب الماء بانتظام وعدم انتظار الشعور بالعطش، وتجنب ممارسة الأنشطة البدنية المجهدة في الهواء الطلق خلال ساعات الذروة الحرارية، والبحث عن أماكن مكيفة أو مراكز تبريد متخصصة كلما أمكن ذلك، بالإضافة إلى ارتداء ملابس فضفاضة وخفيفة الوزن.

ولا تقتصر مخاطر القباب الحرارية على ساعات النهار، إذ إنها تجعل من الصعب على الجسم استعادة توازنه الحراري الطبيعي خلال الليل بسبب استمرار درجات الحرارة المرتفعة وعدم انخفاضها بالمعدل الطبيعي.

ويوضح جيف أن "الليالي الدافئة لا تمنح الجسم فرصة كافية للتعافي من الإجهاد الحراري الذي تعرض له خلال النهار، ولا سيما في المناطق الحضرية حيث تستمر الخرسانة والأسطح العمرانية في إطلاق الحرارة المخزنة وإشعاعها إلى الأحياء السكنية طوال الليل".

وتشير جينيفر إلى أن "الجسم إذا لم يحصل على فرصة كافية للتبريد ليلا، فإن الإجهاد الحراري يتفاقم بصورة متواصلة، ما يزيد خطر ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى مستويات خطيرة قد تؤدي إلى الإصابة بضربة شمس مهددة للحياة".

وتضيف أنه "لهذا السبب تعد الحرارة الليلية المرتفعة أحد أخطر جوانب موجات الحر الطويلة، ولا سيما بالنسبة لكبار السن والعاملين في الخارج، وكذلك أولئك الذين لا تتوافر لديهم وسائل تبريد مناسبة، إذ لا تكفي المراوح وحدها غالبا لتوفير التبريد المطلوب والحماية من آثار الحرارة المتراكمة".

وفيما يخص التأثيرات الحضرية الأوسع لهذه الظاهرة، يشير جيف إلى أن "البيئات الحضرية تعد الأكثر عرضة للمشكلات والصعوبات المرتبطة بالحرارة، لأن الخرسانة والأسفلت يحتفظان بالحرارة المكتسبة خلال النهار ويطلقانها ببطء أثناء الليل، وهي الظاهرة المعروفة باسم الجزيرة الحرارية الحضرية".

ويضيف: "لهذا السبب تكون درجات الحرارة الليلية في المدن أعلى عادة بعدة درجات مقارنة بالمناطق الضاحية الأكثر خضرة. كما أن قلة الغطاء النباتي تزيد من حدة الحرارة، في حين تساعد الأشجار والمساحات الخضراء على التبريد من خلال إطلاق الرطوبة إلى الهواء".

ويختم بقوله: "لهذا ينبغي على صناع القرار، وخاصة في المناطق الحضرية، وضع خطة مسبقة للتعامل مع الحرارة، تشمل تعديل أنماط العمل في الأماكن المفتوحة، وتوسيع الوصول إلى وسائل التبريد عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة، والتأكد من توافر مراكز تبريد عامة يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، ولا سيما للفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر أثناء موجات الحر الشديدة".



إقرأ المزيد