ماذا يعني تصدر المغرب التصنيع الأفريقي؟
الجزيرة.نت -

سياسي مغربي شغل وزارة التجهيز والطاقة ووزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة.

Published On 12/7/2026

|

آخر تحديث: 02:10 (توقيت مكة)

شارِكْ

أضحى التحول الصناعي في أفريقيا من أبرز مؤشرات التطور الاقتصادي، ومحددا رئيسيا لتشكيل خريطة القوى الاقتصادية في القارة.

وفي هذا السياق، يسلط "مؤشر التصنيع في أفريقيا" الصادر عن البنك الأفريقي للتنمية الضوء على دينامية جديدة تعيد رسم خارطة النفوذ الصناعي الأفريقي؛ حيث يبرز المغرب كفاعل صاعد تمكن، خلال العقود الأخيرة، من بناء قاعدة صناعية متقدمة ومندمجة، مما أهله لتصدر التصنيف القاري في الأداء الصناعي للمرة الأولى، مسجلا نحو 0.8415 نقطة في مؤشر التصنيع الأفريقي 2025 الذي يغطي الفترة بين 2010 و2024.

ولا يخفى أن هذا التقدم، على الرغم من أهميته البالغة، يستوجب العمل الدؤوب لتعزيز الجاذبية الاستثمارية بغية ترسيخ السيادة الصناعية؛ إذ لم تعد القوة الصناعية تقاس اليوم بحجم الاستثمارات المستقطبة فحسب، بل بمدى القدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتوطين القيمة المضافة، والتحكم في جزء منها، فضلا عن التوزيع العادل لثمار النمو على المستويين الاجتماعي والمجالي.

أولا: سياق الريادة الصناعية المغربية تجسد هذا التقدم الملحوظ كثمرة لرؤية إستراتيجية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، تجددت في كنفها المخططات، لتنقل الاقتصاد الوطني من ارتهانه الشديد للقطاع الفلاحي وتقلبات التساقطات الماطرة، إلى اقتصاد صناعي متنوع ومندمج بقوة في سلاسل القيمة العالمية.

وفي سياق التصنيف القاري، احتلت جنوب أفريقيا المرتبة الثانية، تلتها مصر ثالثا مستفيدة من تنوع نسيجها الإنتاجي، ثم تونس رابعا بفضل تطورها الملحوظ في الصناعات الإلكترونية والميكانيكية الدقيقة، لتأتي الجزائر في المرتبة الخامسة استنادا إلى قطاع البتروكيماويات.

ويبرز هذا الترتيب حضورا وازنا لدول شمال أفريقيا، التي تستحوذ مجتمعة على أكثر من نصف الأداء الصناعي للقارة. ومضت باقي المراتب لتشمل كلا من موريشيوس، ونيجيريا، وكينيا، وغانا، وساحل العاج، مما يؤكد اتساع رقعة التصنيع داخل أفريقيا بوتيرة متنامية. وتأسيسا على ذلك، يستعرض هذا المقال أبرز خلاصات التقرير التي يجدر أخذها بعين الاعتبار، لا سيما تلك المتعلقة بالتحديات التي تجابه النموذج الصناعي الوطني.

تطرح الصناعات الحديثة، نظرا لطبيعتها التكنولوجية، تحديا يكمن في قدرتها المحدودة نسبيا على خلق فرص شغل واسعة، مما يفرض ضرورة دعم الصناعات المشغلة بكثافة، وتحسين مدى ملاءمة التكوينات المتاحة مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل

ثانيا: عوامل الريادة الصناعية للمملكة يستند هذا الأداء المتميز إلى منظومة من العوامل المتكاملة التي أرست دعائم التحول الصناعي المغربي، وتتجلى أبرزها في:

إعلان

  • الاستقرار والاستمرارية المؤسساتية: حظي المغرب باستقرار سياسي ومؤسساتي متين، مدعوما برؤية اقتصادية بعيدة المدى تتجاوز التعاقب الحكومي، مما منح المستثمرين، المحليين والأجانب، رؤية واضحة تضمن استمرارية السياسات العمومية واستقرار الإطارين القانوني والضريبي.
  • التحفيزات المتعددة والمتجددة: وتتضمن توفير أوعية عقارية بأسعار مناسبة إجمالا، وتقديم دعم مالي لتغطية نسبة من حجم الاستثمار، إلى جانب إقرار إعفاءات ضريبية، ومساندة توظيف الموارد البشرية، وتشجيع المبادرات التصديرية.
  • البنية التحتية واللوجيستيكية: ضخت المملكة استثمارات كبرى لتأهيل البنية التحتية، من موانئ ومطارات وطرق سيارة وشبكات للكهرباء والماء. ويتصدر هذا المشهد ميناء طنجة المتوسط، الذي أضحى منصة لوجيستية محورية في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما أسهم بفاعلية في تقليص تكاليف النقل وتعزيز ربط النسيج الصناعي الوطني بالأسواق العالمية.
  • المنظومات الصناعية المندمجة: انتهج المغرب مقاربة تروم إرساء منظومات صناعية مندمجة، تجمع بين الشركات العالمية، والمقاولات الوطنية، والموردين المحليين، فضلا عن شركات الخدمات المساندة، وهو ما عزز من تماسك النسيج الصناعي والرفع من قدرته التنافسية.
  • تنوع القاعدة الصناعية: تبلور هذا التنوع عبر تطوير منظومات صناعية متعددة ذات محتوى تكنولوجي متباين؛ لتشمل صناعة السيارات ومكوناتها، وصناعة الطيران، والصناعات الميكانيكية الدقيقة، والمعادن، والنسيج، والجلد، والصناعات الغذائية التحويلية.

ويمتد هذا التنوع ليشمل قطاعات مرتبطة بالطاقة والانتقال الطاقي، كبطاريات السيارات الكهربائية، والهيدروجين والأمونيا الخضراء؛ إلى جانب الصناعات الدوائية والبيوتكنولوجية، والصناعات الكيماوية المتعلقة بالفوسفات والأسمدة.

  • الرأسمال البشري: شهدت منظومة التعليم العالي والتكوين المهني تطورا ملموسا من خلال مؤسسات متخصصة في القطاعين العام والخاص، مما أثمر عن توفير كفاءات شابة ومؤهلة قادرة على تلبية متطلبات الاستثمار الصناعي.

ثالثا: تحديات الحفاظ على الصدارة يواجه المغرب، رغم هذا التقدم المحرز، جملة من التحديات التي أوردها التقرير، والتي تستدعي معالجة مستمرة ومقاربة استباقية لضمان استدامة الريادة الصناعية، ونذكر منها على وجه الخصوص:

  • تعزيز السيادة الصناعية: لا تزال بعض القطاعات تعتمد بشكل ملحوظ على استيراد مدخلات الإنتاج الأساسية، مما يحتم تنويع مصادر التزود، وعقد شراكات إستراتيجية، ودعم البحث العلمي لتوطين التكنولوجيا الحديثة.
  • البحث العلمي والابتكار: يعد هذا المجال رافعة مركزية للانتقال نحو اقتصاد صناعي أكثر تطورا؛ وذلك عبر توثيق الروابط بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الصناعي، وتحفيز الابتكار التطبيقي، والرفع من حجم الاستثمارات الموجهة للبحث والتطوير.
  • العدالة المجالية: لا يزال الإقبال على الاستثمار الصناعي يتركز، في المقام الأول، ضمن محور الدار البيضاء-القنيطرة، وقطب طنجة-تطوان، وبشكل تدريجي في أكادير، مما يستوجب صياغة مقاربة تحفيزية ناجعة لاستقطاب الاستثمارات نحو باقي جهات المملكة؛ ضمانا لتحقيق توازن مجالي أشمل.
  • تنشيط الاستثمار الخاص الوطني: يطغى الاستثمار الأجنبي على المشهد الصناعي، في حين لا تزال مساهمة القطاع الخاص الوطني ضعيفة ضمن القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
  • الحكامة الاقتصادية: يتطلب الأمر تبسيط المساطر الإدارية، وتسريع وتيرة الرقمنة، وتجويد الخدمات المقدمة من طرف مراكز الاستثمار، فضلا عن إرساء قواعد الشفافية في تدبير العقار الصناعي وتوزيع التحفيزات ومنح التراخيص.
  • رهان التشغيل: تطرح الصناعات الحديثة، نظرا لطبيعتها التكنولوجية، تحديا يكمن في قدرتها المحدودة نسبيا على خلق فرص شغل واسعة، مما يفرض ضرورة دعم الصناعات المشغلة بكثافة، وتحسين مدى ملاءمة التكوينات المتاحة مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

إعلان

يعكس تصدر المغرب المشهد الصناعي الأفريقي مسارا تنمويا طموحا يرتكز على الاستقرار، وتكثيف الاستثمارات، والانفتاح الواعي على سلاسل القيمة العالمية.

بيد أن استدامة هذا الموقع الريادي تبقى رهينة بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تعميق مسار التحول نحو السيادة الصناعية؛ وذلك من خلال إرساء منظومة صناعية متكاملة ومؤهلة لإنتاج القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة الإنتاج لتشمل المستويات كافة من الصغير إلى الكبير، مع الحرص على التوزيع المتوازن لثمار النمو.

كما يستلزم الأمر تعزيز ثقافة الابتكار وتقوية النسيج الإنتاجي الوطني، في ظل التزام راسخ بحكامة اقتصادية شفافة؛ حكامة قادرة على جذب المستثمر، سواء كان وطنيا أو دوليا، وتيسير سبل استثماره وبث الطمأنينة في مساره، ليتحول في النهاية إلى سفير مؤثر يروج لجاذبية الوجهة المغربية ومكانتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد