تقرير أميركي: هجمات الجيش السوداني في دارفور ترقى لجرائم حرب
سكاي نيوز عربية -

ويوثق التقرير الذي أصدره "ذا ريكونينغ بروجيكت"، وهو مشروع حقوقي أميركي مختص بتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، 17 هجوما جويا، من بينها هجمات بطائرات مسيّرة في دارفور بين أكتوبر 2024 وأبريل 2026، أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين، وتدمير أسواق ومستشفيات ومراكز صحية ومناطق سكنية ومناسبات اجتماعية ومواقع للنازحين.

ويستند التقرير إلى شهادات 31 شاهدا مباشرا، إضافة إلى مراجعة تقارير طبية وإعلامية وحقوقية، وصور ومنشورات على وسائل التواصل، وبيانات تحديد المواقع الجغرافية، في محاولة لإعادة بناء مسار الهجمات وتحديد طبيعتها وآثارها على المجتمعات المحلية.

قصف الأسواق

يركز التقرير بصورة خاصة على قصف الأسواق، معتبرا أنها ليست مجرد مواقع تجارية، بل مراكز حياة يومية يحصل فيها السكان على الغذاء والدواء والمواصلات ومصادر الرزق.

ومن أبرز الوقائع التي يوثقها التقرير قصف شارع السينما في نيالا بجنوب دارفور في 3 فبراير 2025، حيث أفاد شهود بأن طائرة بيضاء يعتقد أنها تابعة للجيش السوداني أسقطت قنابل على مناطق مكتظة بالمدنيين، بينها محيط مستشفى نور العيون وشارع السينما.

وأسفر القصف عن مقتل ما لا يقل عن 22 مدنيا، من بينهم نساء وأطفال وكبار سن، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين وتدمير محال ومركبات.

كما يوثق التقرير قصف سوق طرة شمال الفاشر في 24 مارس 2025، في آخر أيام شهر رمضان، حين كان السوق مكتظا بالمتسوقين استعدادا لعيد الفطر.

وبحسب التقرير، أسفر الهجوم المنسوب إلى الجيش السوداني عن مقتل نحو 450 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، فضلا عن إصابة أكثر من 223 آخرين.

وفي الكومة بشمال دارفور، يقول التقرير إن البلدة تعرضت لعشرات الضربات الجوية، مشيرا إلى أن السكان يعيشون حالة رعب مستمرة من تحليق الطائرات.

ونقل التقرير عن أحد المستجيبين الأوائل قوله إن "90 بالمئة من ضحايا القصف الجوي في الكومة من المدنيين".

استهداف المرافق المدنية

لا يقتصر نمط الهجمات، بحسب التقرير، على الأسواق. فقد وثق التقرير ضربات طالت منشآت صحية، بينها مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور في 20 مارس 2026، حيث أسفر القصف عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أطفال وكوادر طبية، وتدمير أقسام الطوارئ والولادة والأطفال.

ويشير التقرير إلى أن تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر آثار ضربات دقيقة داخل مجمع المستشفى، مرجحا استخدام مسيّرات بعيدة المدى وذخائر موجهة.

كما تحدث عن نمط "الضربة المزدوجة"، حيث تعقب الضربة الأولى ضربة ثانية تستهدف غالبا المسعفين والمواطنين الذين يهرعون لإنقاذ الضحايا.

كما تناول التقرير هجمات على تجمعات اجتماعية، من بينها قصف مناسبة في كتيلا بجنوب دارفور في ديسمبر 2025، حيث قتل أكثر من 100 مدني، بينهم نساء وأطفال، بحسب شهادات أوردها التقرير.

وفي كتم بشمال دارفور، أدى قصف حفل زفاف في أبريل 2026 إلى مقتل ما بين 40 و56 شخصا، بينهم أطفال ونساء وشباب.

هجمات ممنهجة

يرى التقرير أن حجم الوقائع وتكرارها وتوقيت الضربات ومواقعها تجعل من الصعب اعتبار ما حدث مجرد "أضرار جانبية".

فالهجمات وقعت في أسواق مزدحمة، ومناطق سكنية، ومرافق طبية، ومراكز تجمع مدني، وفي أوقات يكون فيها المدنيون حاضرين بكثافة.

ويؤكد التقرير أن استخدام قنابل غير موجهة من طائرات مثل "الأنتونوف" في مناطق مكتظة بالسكان يمثل، على الأرجح، هجمات عشوائية تخالف القانون الدولي الإنساني.

أما في حالات استخدام المسيّرات، فيرى التقرير أن دقة الاستهداف تثير أسئلة أكثر خطورة حول تعمد ضرب مواقع مدنية أو تجاهل واضح لاحتمالات سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

ويشير التقرير إلى أن الجيش السوداني دأب، في غالبية الحالات، على نفي استهداف المدنيين أو الامتناع عن التعليق، بينما تفيد شهادات ميدانية بأن الضحايا كانوا في معظمهم من المدنيين، وأن المواقع المستهدفة لم تكن أهدافا عسكرية مشروعة.

كارثة إنسانية

يخلص التقرير إلى أن آثار القصف لا تقف عند عدد الضحايا، بل تمتد إلى تدمير شبكات الحياة في دارفور، فقد أدى قصف الأسواق إلى تدمير مصادر رزق آلاف الأسر، وحرق البضائع والمركبات والماشية، وتعطيل حركة الإمداد في مناطق تعاني أصلا من الحصار والجوع وانهيار الخدمات.

كما أدى استهداف المستشفيات والمراكز الصحية إلى حرمان مجتمعات كاملة من العلاج، في وقت تتزايد فيه الإصابات والنزوح وانعدام الأدوية.

أما نفسيا، فقد خلفت الهجمات شعورا دائما بالخوف لدى السكان، الذين باتوا يتوقعون الموت مع كل صوت طائرة أو مسيّرة.

ونقل التقرير عن شهود وصفهم لمشاهد الأشلاء والجثث المتفحمة والبحث عن الأقارب وسط الدخان والدمار، في شهادات تعكس عمق الصدمة الجماعية التي يعيشها سكان دارفور.

دعوات للمحاسبة

يدعو التقرير الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الوقف الفوري للهجمات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين والأعيان المدنية، والالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، وفتح المجال أمام تحقيقات دولية مستقلة.

كما يطالب المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الضربات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين في دارفور، وملاحقة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات.

ويدعو التقرير مجلس الأمن الدولي إلى تفعيل نظام حظر السلاح المفروض على دارفور، والتحقيق في مصادر الأسلحة والطائرات المسيّرة المستخدمة في استهداف المدنيين، وفرض عقوبات جديدة على الأطراف والجهات الضالعة في الانتهاكات.

ويشدد التقرير على ضرورة دعم منظمات المجتمع المدني التي توثق الانتهاكات، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتقديم الرعاية الطبية والنفسية للناجين وأسر الضحايا، وإعادة تأهيل المرافق الصحية المدمرة.

الإفلات من العقاب

يقدم التقرير صورة قاتمة لإقليم يعيش تحت وطأة حرب جوية مفتوحة، حيث تحولت الطائرات والمسيّرات إلى أداة رعب يومي ضد السكان.

وبحسب استنتاجاته، فإن ما يجري في دارفور ليس سلسلة حوادث معزولة، بل نمط متكرر من استهداف المدنيين أو الاستخفاف الكامل بحياتهم.

وبينما يستمر الجيش السوداني في نفي استهداف المدنيين، تضع شهادات الضحايا والصور والوقائع الميدانية المجتمع الدولي أمام اختبار جديد: إما فتح تحقيقات مستقلة بشأن هذه الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها، أو ترك دارفور رهينة للإفلات من العقاب.



إقرأ المزيد