طاقة وحدود واستثمار.. مصالح مشتركة تعيد رسم العلاقات السورية العراقية
الجزيرة.نت -

Published On 9/7/2026

|

آخر تحديث: 19:48 (توقيت مكة)

فتحت زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق نهاية الشهر الماضي، الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين الدولتين الجارتين، عبر مصالح سياسية وأمنية، واقتصادية بالدرجة الأولى.

فالزيارة التي التقى فيها الوزير العراقي بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني والطاقة محمد البشير، لم تقتصر على طرح عناوين عامة لأطر العلاقات الجديدة، بل بحثت خطوات محددة، ونتج عنها اتفاق على تشكيل لجنة مشتركة في مجالات الطاقة والزراعة والمياه والنقل والمنافذ الحدودية.

تقارب متسارع

وجاءت الزيارة تتويجا لمسار تقارب متدرج بين دمشق وبغداد خلال الأشهر الماضية. ومن أبرز مؤشراته الأخيرة، الرسالة التي بعث بها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الرئيس أحمد الشرع، وحملها رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري في 10 يونيو/حزيران، متضمنة التأكيد على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.

وعلى الأرض، بدأ الحديث عن عبور مئات صهاريج النفط العراقية يوميا عبر الأراضي السورية، ضمن خطة عراقية لرفع الكميات إلى نحو 50 ألف برميل يوميا، بالتوازي مع إعادة تشغيل معابر اليعربية – ربيعة، والتنـف – الوليد، والبوكمال – القائم، لتعزيز حركة الترانزيت والتجارة بين البلدين.

الجغرافيا والتكامل الاقتصادي

ويمكن لهذا الحراك بين دمشق وبغداد إذا استمر "ضمن إطار مؤسسي وتحول من مجرد لقاءات سياسية إلى اتفاقات تنفيذية"، أن يشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين العراق وسوريا، وفق ما يرى الخبير الاقتصادي العراقي علي دعدوش.

واعتبر المتحدث نفسه في حديث لـ"سوريا الآن"، أن الجغرافيا تفرض نوعا من التكامل الاقتصادي بين البلدين، إذ يمثل العراق منفذا مهما لتدفق السلع والطاقة، فيما تشكل سوريا ممرا إستراتيجيا نحو البحر الأبيض المتوسط والأسواق الإقليمية.

يتفق الأكاديمي الاقتصادي السوري عماد الدين المصبح مع إمكانية أن يشكل الحراك الدبلوماسي الأخير "مدخلا جديا لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية، لأن التحركات الرسمية باتت تربط بوضوح بين الأمن، وفتح المعابر، وتنشيط التجارة، ومسارات الطاقة".

إعلان

وأضاف المصبح لـ"سوريا الآن"، أن هذه العودة لا تُقرأ فقط بوصفها تحسنا ثنائيا في العلاقات، بل باعتبارها "إحياء تدريجيا لفضاء اقتصادي طبيعي يربط العراق ببلاد الشام عبر الحدود البرية واللجان القطاعية المعنية بالتجارة والطاقة والنفط والموارد المائية، ففي عام 2010 كانت أرقام التبادل التجاري بين البلدين تقارب ملياري دولار، ما يعني أن الحديث لا يدور حول علاقة تبدأ من الصفر، بل حول إعادة تنشيط قاعدة اقتصادية سابقة".

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره العراقي في دمشق
(‎وزارة الخارجية السورية)
منافع متبادلة

ويبدو أن مساعي استعادة العلاقات بين دمشق وبغداد تحركها مكاسب متباينة لدى كل طرف، لكنها تلتقي عند مصالح إستراتيجية مشتركة قادرة على تحقيق منافع متبادلة.

يعتقد الدكتور عماد الدين المصبح، أن "مصلحة بغداد تكمن في تنويع منافذها التجارية ومسارات الطاقة، إذ لجأت إلى استخدام الأراضي السورية لتصدير النفط، كما جرى ربط التعاون مع دمشق بمشروع طريق التنمية وبفتح المعابر التي تمنح العراق ممرا إضافيا للتجارة الإقليمية".

في المقابل، ترى سوريا في العراق "سوقا واسعة ومتنفسا اقتصاديا مهما، مع فرصة لاستعادة صادراتها الزراعية والغذائية والصناعية، وجذب رأس المال العراقي، والاستفادة من الإمدادات النفطية والمشتقات لتخفيف اختناقات الطاقة" وفق المصبح.

ويتفق علي دعدوش في نفس السياق، معتبرا أن "مصالح العراق تتمثل بتنويع منافذه التجارية وتقليل الاعتماد على مسارات محددة، فضلا عن تعزيز أمن حدوده الغربية، وتوسيع فرص استثمار شركاته في مشاريع النقل والطاقة وإعادة الإعمار".

أما سوريا فتبحث عن "استعادة جزء من نشاطها الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وزيادة حركة التبادل التجاري، والاستفادة من السوق العراقية التي تعد من أكبر الأسواق المستوردة في المنطقة"، وفق دعدوش.

ويرتبط الطرفان من وجهة نظر المتحدث نفسه، بمصالح إستراتيجية تتعلق بربط شبكات النقل البري، وإحياء طريق بغداد – دمشق، وتطوير التعاون في مجالات الكهرباء والطاقة والمنتجات الزراعية والصناعية، وهي ملفات يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية للطرفين إذا ما أُديرت وفق أسس اقتصادية بحتة.

التحديات الأمنية

تتشارك سوريا والعراق بحدود تمتد لنحو 600 كيلومتر، وفي هذه الجغرافيا تتداخل تحديات متعددة أمام تطور العلاقات الاقتصادية، أبرزها الملف الأمني والتهديدات التي يمكن أن تتعرض لها قوافل التجارة فضلا عن الحاجة إلى بيئة قانونية مستقرة تسمح بتوسيع التعاون الاقتصادي.

الخبير الاقتصادي العراقي علي دعدوش يرى أن "هذا الملف يعاني تحديات جوهرية ينبغي التعامل معها"، بينها تبعات "العقوبات الدولية على سوريا، والتي تحد من قدرة المصارف والشركات العراقية على تنفيذ التعاملات المالية والاستثمارية"، فضلا عن "ضعف البنية التحتية اللوجستية والحدودية" في سوريا بعد سنوات الحرب.

كما أن ارتفاع المخاطر الأمنية والتأمينية ستزيد من كلفة التجارة والاستثمار، وسط غياب منظومة مصرفية فاعلة تربط البلدين وتوفر وسائل دفع وتسوية مالية آمنة، حسب دعدوش، الذي تحدث عن ضرورة توفير ضمانات قانونية وقضائية لحماية المستثمرين ورؤوس الأموال بين البلدين.

إعلان

فيما يعتقد الأكاديمي السوري عماد الدين المصبح، أن "الملف الأمني يتصدر قائمة التحديات، لأن أي توسع اقتصادي فعلي يبقى مشروطاً بتأمين الحدود، ومكافحة التنظيمات المسلحة، وضمان استقرار المعابر والمناطق الشرقية في سوريا".

ويتمثل التحدي الثاني وفق المصبح، في "الانتقال من النوايا السياسية إلى التنفيذ الاقتصادي المستدام، أي الحفاظ على انتظام العبور، وتذليل العقبات التي عطلت التبادل لسنوات طويلة، والتعامل مع اضطراب سلاسل التوريد والأزمات الإقليمية التي دفعت أصلاً إلى البحث عن بدائل جديدة".

التركيبة الداخلية وإيران

لا يقتصر مستقبل العلاقات السورية العراقية على الاعتبارات الاقتصادية والأمنية، بل يتأثر أيضا بتوازنات الداخل العراقي، وفي مقدمتها حجم النفوذ الإيراني، الذي يرى باحثون أنه سيبقى أحد العوامل المؤثرة في توسيع التعاون بين دمشق وبغداد أو الحد منه، تبعًا لمصالح طهران وتطورات المشهد الإقليمي.

وفي هذا السياق، قال الباحث والمحلل السياسي إبراهيم قيسون لـ"سوريا الآن"، إن "رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، رغم خلفيته كرجل أعمال، يرتبط بعلاقات قوية مع إيران"، معتبرا أن مسار العلاقات السورية العراقية سيظل متداخلا مع حسابات طهران، التي قد تدفع باتجاه تعزيز هذا التعاون أو عرقلته وفقًا لما تفرضه مصالحها.

بينما يرى الباحث التركي محمود يشار في تحليل نشر في مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية (INSAMER) أن تصوير الزيدي على أنه "رجل واشنطن في بغداد" مضلل تماما كتصويره مجرد امتداد لإيران.

ويقول الباحث إن الجماعات العراقية المسلحة الموالية لإيران وبسبب "تنفيذها أعمالا لصالح إيران خلال الحرب مع الولايات المتحدة، قوضت السياسة الخارجية لحكومة (رئيس الوزراء السابق محمد شياع) السوداني"، الذي سعى لـ"تحقيق التوازن" مع دول الجوار، عبر إقامة علاقات قائمة على أمن الحدود والمصالح الاقتصادية.



إقرأ المزيد