أطول بمليار مرة من المسافة للشمس.. اكتشاف "إنترنت حي" يربط جوانب الأرض
الجزيرة.نت -

يلعب الجهاز الدوري في جسم الإنسان دورا رئيسا في نقل الدم إلى كل أعضاء الجسم، وكذلك تقوم شبكات فطريات "الميكورايزا" بنفس الدور بالنسبة للأرض، إذ تنقل الماء والعناصر الغذائية بين النباتات، وتقوم بتخزين الكربون داخل التربة.

وبسبب هذا الدور، تعيش هذه الفطريات في علاقة تكافلية مع جذور النباتات، فالنبات يعطي الفطر الكربون الذي يصنعه من التمثيل الضوئي، والفطر يعطيه الماء والعناصر الغذائية مثل الفوسفور والنيتروجين.

وتأخذ هذه الفطريات شكل خيوط دقيقة جدا تسمى "هيفات"، وهي تشبه شبكة من الأسلاك أو الخيوط الرفيعة جدا الممتدة داخل التربة، لذلك فإن البعض يميل إلى تسميتها بـ"الإنترنت الحي" مستلهمين الوظيفة التي تقوم بها شبكة المعلومات الدولية.

فكما أن الإنترنت يتكون من كابلات تربط أجهزة كثيرة، تتكون هذه الشبكات الفطرية من خيوط (هيفات) تربط جذور نباتات متعددة، ومثلما ينقل الإنترنت البيانات، تنقل هذه الشبكات الماء والفوسفور والنيتروجين والكربون بين التربة والنباتات.

صورة مقربة لعملية استخراج عينة من التربة (الفريق البحثي)
شبكة بطول 110 كوادريليون كيلومتر

وفي السابق، كان هناك تقدير تقريبي يشير إلى وجود نحو 450 كوادريليون كيلومتر  (الكوادريليون يعادل مليون مليار) من الخيوط الفطرية ، لكن دراسة جديدة نشرتها دورية ساينس (Science) المرموقة لفريق بحثي دولي يقوده باحثون من مشروع حماية الشبكات تحت الأرض، تمكن من التحديد الدقيق لطول هذه الشبكة  وحجمها.

وتأسس المشروع عام 2021، ويهدف إلى رسم خرائط وحماية الشبكات الفطرية الخفية التي تعيش تحت التربة، خاصة فطريات "الميكورايزا"، التي ترتبط بجذور النباتات.

ويقول الدكتور جاستن ستيوارت، عالم البيئة الكمي بالمشروع، والأستاذ في قسم علم البيئة والتطور في جامعة فريجي في أمستردام، والباحث المراسل بالدراسة، للجزيرة نت: "قدرت دراستنا طول الشبكة بـ 110 كوادريليون كيلومتر، أي أنها تقريبا تفوق المسافة إلى الشمس مليار مرة".

إعلان

ومع هذا الطول، فإن هذه الشبكة خفيفة الوزن جدا، إذ قدر الباحثون وزنها حول العالم ، بأنه يعادل فقط نحو خمسة أضعاف كتلة جميع البشر على الأرض، كما يوضح جاستن.

ويضيف: "هذا يعني أنها بنية تحتية هائلة مبنية من كمية ضئيلة جدا من المادة (ملعقة صغيرة واحدة من التربة، قد يوجد حتى 10 أمتار من هذه الشبكات)، وكونها طويلة ورفيعة هو ما يسمح لها بالتغلغل عميقا في التربة وترسيب الكربون هناك، رغم أن هناك الكثير مما يجب اكتشافه حول المصير النهائي لهذا الكربون".

ويشرح: "تخيل الأمر كشبكة الطرق في دولة ما، المهم ليس وزن الطريق، بل طوله واتصالاته، فلو أنك تعلم أن مئة مليون سيارة تتحرك يوميا حول العالم، لكنك لا تعرف أي شبكة طرق تحملها، هذا كان وضعنا، كنا نعرف أن الكربون ينتقل من النباتات إلى التربة، لكننا لم نكن قد رسمنا البنية الفطرية التي تجعل ذلك ممكنا".

وللوصول إلى هذه النتائج جمع العلماء أكثر من 16 ألفا عينة تربة من أنحاء العالم، واستخدموا الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمناطق التي لم تُفحص، وصوروا أكثر من 300 ألف خيط فطري حي داخل المختبر باستخدام الروبوتات والتصوير عالي الدقة.

شبكات فطرية مصورة باستخدام مجهر (الفريق البحثي)
الأراضي الزراعية مقابل الغابات والمراعي

وقدر جاستن ورفاقه أن الأراضي الزراعية تحتوي على نصف كمية الشبكات الفطرية تقريبا مقارنة بالأراضي الطبيعية مثل الغابات والمراعي، لكنه يعترف أن تحليلاتهم حول هذه المقارنة ما زالت عامة جدا بحيث لا تسمح بتحديد الممارسات الزراعية المسؤولة بدقة عن تقليل كثافة الفطريات.

ويقول: "نحتاج إلى مزيد من الأبحاث، ونأمل أن تحفز نتائجنا هذا النقاش حتى نعرف أي الممارسات تعزز نمو الشبكات الفطرية بدلا من استنزافها".

ويضيف أن "ما يقلقنا هو أن انخفاض الشبكات الفطرية يعني كمية أقل من الكربون تدخل التربة، ومغذيات أقل تصل إلى النباتات التي تعتمد عليها".

ويحذر جاستن من أن الأسمدة الكيميائية يمكن أن تحد من نمو هذه الشبكات الفطرية، لأنه عندما تكون المغذيات متاحة بحرية في التربة، يصبح لدى النبات سبب أقل لمبادلة الكربون مقابل الفوسفور الذي توفره الفطريات، وهذا يعني أن العلاقة الحميمة لتبادل الكربون مقابل المغذيات تبدأ في الانهيار.

ويشدد على أنه "لا يزال هناك الكثير من العمل لفهم كيف يمكن للزراعة أن تعتمد على هذا التكافل النباتي-الفطري بدلا من أن تعمل ضده، فإذا استطعنا دعم هذه الشبكات بدلا من قمعها، فقد نتمكن من تحسين إنتاج الغذاء مع تقليل اعتمادنا على المدخلات الكيميائية".

قدرت الدراسة طول الشبكة بـ 110 كوادريليون كيلومتر (الفريق البحثي)
دور مهمل في المناخ

وعن دور شبكة الفطريات في المناخ، تقول الدكتورة توبي كيرز، المديرة التنفيذية لمشروع حماية الشبكات تحت الأرض، وأستاذة علم الأحياء التطوري في جامعة فريجي في أمستردام: "هذا الدور كان مهملا وغير مدروس بشكل كاف، لكن هذا بدأ يتغير الآن".

وتوضح في تصريحات للجزيرة نت، أن النباتات تمنح 13 مليارا طن من ثاني أكسيد الكربون لفطريات "الميكورايزا" سنويا، وتتحمل فطريات الميكورايزا الشجيرية وحدها نحو 4 مليارات طن من هذا الإجمالي.

إعلان

وكما ينقل الجهاز الدوري الموارد داخل الجسم، تربط هذه الشبكات المجهرية النباتات بالتربة، مكوّنة بنية تحتية أساسية للحياة البرية، لكن لأنها مخفية تحت الأرض، فقد تم تجاهلها لفترة طويلة.

وتضيف: "لذلك، فإن الهدف النهائي من هذا البحث هو مساعدة العلماء وصناع القرار على فهم أماكن ازدهار هذه الأنظمة الفطرية وأماكن تعرضها للخطر، وسنعرض هذه البيانات على الحكومات خلال مؤتمر مكافحة التصحر في منغوليا أغسطس/آب المقبل، حتى يتم دمج الفطريات بشكل أفضل في سياسات المناخ والحفاظ على البيئة".



إقرأ المزيد