كيف يمكن منع الحروب في عالم يتفكك؟
الجزيرة.نت -

صدرت عن مجموعة الأزمات الدولية دراسة بعنوان "أسباب السلام في عصر القوة الصلبة: إدارة الأزمات في زمن القوة العسكرية"، وذلك حول التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي مع تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وعودة القوة العسكرية إلى صدارة العلاقات الدولية، والبحث عن أدوات جديدة لمنع الحروب وإدارة الأزمات في عالم يتجه نحو مزيد من الصراعات.

ترى الدراسة أن النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، واستند إلى ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، يمر بمرحلة تراجع غير مسبوقة، حتى بات قريبًا من الانهيار.

فالثقة في المؤسسات الدولية تآكلت، وأصبحت الدول تعتمد بصورة متزايدة على تعزيز قدراتها العسكرية لضمان أمنها، بينما تراجعت القيود التي كانت تكبح استخدام القوة، وارتفع عدد النزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم.

وتؤكد الدراسة أن هذا الواقع لا يعني استحالة منع الحروب، لكنه يفرض التخلي عن الافتراضات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والبحث عن أدوات أكثر واقعية لإدارة الأزمات. فالمطلوب، بحسب الدراسة، ليس الدفاع عن النظام القديم كما هو، ولا التسليم بانهياره الكامل، وإنما بناء مقاربة جديدة تستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى الحالية، وتحديد الجهات القادرة على الوساطة وصنع السلام، والوسائل التي ما زالت تمتلك تأثيرًا في عالم تحكمه القوة العسكرية أكثر من أي وقت مضى.

وترى الدراسة أن أحد أخطر التحولات يتمثل في أن القوى الكبرى نفسها، التي كانت مسؤولة عن حماية قواعد النظام الدولي، أصبحت من أكثر الدول تجاوزًا لها. وتستشهد بالحرب الروسية على أوكرانيا، والتدخلات الأمريكية في فنزويلا وإيران، والسياسات الصينية في البحار المحيطة بها، إضافة إلى الحروب الأهلية الممتدة في السودان وميانمار وغيرها، باعتبارها مؤشرات على تراجع احترام قواعد استخدام القوة، وتزايد الاعتماد على الردع العسكري بوصفه اللغة الأساسية للعلاقات الدولية.

إعلان

ومع ذلك، ترفض الدراسة النظرة التشاؤمية المطلقة، مؤكدة أن التاريخ يثبت أن الحروب قد تقع تلقائيًا، أما السلام فلا يتحقق إلا بوجود أسباب تصنعه وتحافظ عليه. ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى البحث عن "أسباب السلام" في البيئة الدولية الجديدة، سواء من خلال تعزيز الدبلوماسية بين الخصوم، أو توسيع دور القوى المتوسطة في الوساطة، أو إصلاح المؤسسات الدولية، أو تطوير آليات قانونية وسياسية تحد من احتمالات الانزلاق إلى الحروب.

أولًا: تراجع النظام الدولي القديم وعودة منطق القوة

تستعرض الدراسة نشأة النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، موضحًا أنه قام على مبدأين رئيسيين: تقييد استخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية، وتوسيع الحماية القانونية للمدنيين أثناء النزاعات. وقد عزز انتهاء الحرب الباردة هذا النظام، مع تصاعد دور الأمم المتحدة، وانتشار عمليات حفظ السلام، وازدهار مؤسسات العدالة الدولية، والاعتقاد بإمكانية بناء نظام عالمي أكثر تعاونًا واستقرارًا.

غير أن الدراسة ترى أن هذا النظام حمل منذ البداية نقاط ضعف بنيوية، أبرزها خضوعه لتوازنات القوى الكبرى، وازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، وعجز المؤسسات الدولية عن فرض قراراتها على الدول الأكثر نفوذًا. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الاختلالات تتسع، خاصة مع تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وعودة منطق الصراع بين القوى الكبرى.

وتشير الدراسة إلى أن التدخلات العسكرية الغربية في كوسوفو والعراق، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، وأخيرًا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، كشفت جميعها عن تراجع الالتزام العملي بالقواعد التي قام عليها النظام الدولي.

كما أن مجلس الأمن أصبح عاجزًا عن التعامل مع معظم الأزمات الكبرى بسبب تضارب مصالح الدول دائمة العضوية، بينما فقدت كثير من المنظمات الإقليمية والدولية قدرتها على إدارة النزاعات كما كانت تفعل خلال العقود السابقة.

وتؤكد الدراسة أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس كثرة الحروب فحسب، وإنما تحول استخدام القوة إلى وسيلة طبيعية لتحقيق الأهداف السياسية، وهو ما يعيد العالم تدريجيًا إلى بيئة دولية تحكمها موازين القوة أكثر من قواعد القانون، ويجعل السلام أكثر صعوبة، لكنه لا يجعله مستحيلًا.

جنود أوكران وبلغاريين ضد الحرب (الفرنسية)
ثانيًا: سباق التسلح… عندما يصبح الأمن سببًا لزيادة الحروب

ترى الدراسة أن العالم يشهد اليوم عودة واضحة إلى منطق التنافس العسكري بوصفه الوسيلة الأساسية لتحقيق الأمن. فبعد عقود من الاعتقاد بأن العولمة والتكامل الاقتصادي سيقللان من احتمالات الصراع، عادت الدول إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير ترساناتها العسكرية، وتوسيع تحالفاتها الأمنية، انطلاقًا من قناعة بأن امتلاك القوة أصبح الضمانة الأولى للبقاء في بيئة دولية تزداد اضطرابًا.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الظاهرة تعكس ما يعرف في الدراسات الإستراتيجية بـ"معضلة الأمن"، إذ يؤدي سعي دولة إلى تعزيز أمنها إلى شعور الدول الأخرى بالتهديد، فترد بدورها بتعزيز قدراتها العسكرية، فتدخل جميع الأطراف في حلقة متواصلة من سباق التسلح، رغم أن أحدًا منها لا يكون راغبًا بالضرورة في اندلاع الحرب. وتؤكد الدراسة أن هذا النمط بات واضحًا في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط، حيث تتزايد النفقات العسكرية بوتيرة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.

إعلان

وترى الدراسة أن المشكلة لا تكمن في امتلاك القوة العسكرية بحد ذاته، وإنما في غياب قنوات سياسية ودبلوماسية فعالة لإدارة التنافس بين القوى الكبرى، الأمر الذي يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي حادث محدود قابلًا للتحول إلى مواجهة واسعة، خصوصًا مع التطور الهائل في الأسلحة الدقيقة والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي العسكري. لذلك تدعو الدراسة إلى عدم الاكتفاء بسياسات الردع، وإنما العمل بالتوازي على إنشاء آليات اتصال دائمة تمنع سوء الفهم وتحد من مخاطر التصعيد غير المقصود.

ثالثًا: كيف يمكن للدبلوماسية أن تعمل في عالم منقسم؟

تناقش الدراسة مستقبل الدبلوماسية في ظل التحولات الراهنة، مؤكدة أن تراجع الثقة بين القوى الكبرى لا يعني نهاية العمل الدبلوماسي، بل يزيد الحاجة إليه. وترى أن الوساطة لم تعد حكرًا على الأمم المتحدة أو القوى الغربية، وإنما برزت أدوار متنامية لقوى متوسطة ودول إقليمية استطاعت، في عدد من الأزمات، فتح قنوات للحوار بين أطراف يصعب تواصلها مباشرة.

وتؤكد الدراسة أن نجاح الوساطة لا يتطلب بالضرورة توافقًا سياسيًا كاملًا بين المتخاصمين، وإنما يعتمد على إيجاد مصالح مشتركة تحول دون استمرار الحرب، أو تقلل من كلفتها، أو توفر مخرجًا يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. ولهذا تشدد على أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال حتى في ذروة الصراعات، لأن انقطاع الحوار يجعل احتمالات التصعيد أكثر خطورة، ويقلل فرص الوصول إلى تسويات لاحقة.

كما تلفت الدراسة إلى أن المنظمات الإقليمية، رغم ما تعانيه من ضعف، تستطيع أداء أدوار مهمة في احتواء الأزمات إذا امتلكت الإرادة السياسية والدعم الدولي، بينما تظل الأمم المتحدة، رغم أزماتها، الإطار الأكثر شرعية لإدارة النزاعات، وإن كانت بحاجة إلى إصلاحات تعزز قدرتها على مواكبة التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

رابعًا: القوى المتوسطة… الفاعل الجديد في إدارة الأزمات

ترى الدراسة أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي فتحت المجال أمام صعود دور القوى المتوسطة، بعد أن أصبح التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا يعوق قدرة القوى الكبرى على قيادة جهود التسوية.

وتشير إلى أن دولًا لا تمتلك وزنًا عسكريًا يوازي القوى العظمى، لكنها تتمتع بعلاقات متوازنة مع أطراف متخاصمة، باتت أكثر قدرة على لعب أدوار الوساطة وفتح قنوات الحوار، مستفيدة من موقعها السياسي وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

وتؤكد الدراسة أن نجاح هذه القوى لا يرتبط بحجمها، بل بقدرتها على اكتساب ثقة الأطراف المتنازعة، والمحافظة على قدر من الحياد، وتقديم ضمانات مقبولة لتنفيذ الاتفاقات. وتستشهد بعدد من الوساطات التي قادتها دول متوسطة خلال السنوات الأخيرة، موضحة أن بعضها نجح في وقف التصعيد أو إطلاق مسارات تفاوضية، حتى في نزاعات بدت في بدايتها عصية على الحل.

وترى الدراسة أن أهمية هذه القوى ستزداد خلال السنوات المقبلة، لأن البيئة الدولية أصبحت أكثر تعددية، ولم تعد تتيح لقوة واحدة فرض حلولها على الجميع، الأمر الذي يجعل الوساطة الجماعية والتفاهمات الإقليمية أدوات أكثر واقعية لإدارة الأزمات من الاعتماد على تدخلات القوى الكبرى وحدها.

تبادل أسرى في الحرب الأوكرانية الروسية
خامسًا: ما الذي يحتاجه العالم لتجنب الحروب؟

تطرح الدراسة مجموعة من المبادئ التي تراها ضرورية للحفاظ على السلم الدولي في المرحلة المقبلة، مؤكدة أن العودة إلى النظام الدولي السابق لم تعد ممكنة، لكن ذلك لا يعني التخلي عن فكرة النظام الدولي نفسها، وإنما يقتضي إعادة بنائها بما يتلاءم مع موازين القوى الجديدة.

وتشدد الدراسة على ضرورة الإبقاء على قنوات الاتصال بين الخصوم، وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى قطيعة كاملة، لأن الحوار يظل الوسيلة الوحيدة القادرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صدامات عسكرية واسعة. كما تدعو إلى تعزيز آليات الإنذار المبكر، وتطوير أدوات الوساطة، والحد من الخطاب التصعيدي الذي يدفع الرأي العام نحو تأييد المواجهات العسكرية.

إعلان

وترى الدراسة أن القانون الدولي، رغم ما يواجهه من تحديات، لا يزال يمثل مرجعًا لا غنى عنه، لكن فاعليته تتوقف على استعداد الدول الكبرى لاحترام قواعده وعدم توظيفه بصورة انتقائية. كما تؤكد أن إصلاح الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن، سيظل ضرورة ملحة إذا أراد المجتمع الدولي الحفاظ على حد أدنى من القدرة على إدارة النزاعات المستقبلية.

الخاتمة

تخلص الدراسة إلى أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة المطلقة للقواعد التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بينما تعود القوة العسكرية لتلعب دورًا محوريًا في العلاقات الدولية. غير أن هذا التحول لا يعني أن الحروب أصبحت قدرًا محتومًا، بل يؤكد أن السلام يحتاج اليوم إلى أدوات أكثر واقعية، تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتعتمد على بناء التوازنات، والحفاظ على قنوات الحوار، وإشراك القوى المتوسطة، وإصلاح المؤسسات الدولية، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات أو انتظار عودة نظام دولي لم يعد قائمًا.

وتؤكد الدراسة أن منع الحروب في القرن الحادي والعشرين لن يتحقق عبر القوة وحدها أو القانون وحده، وإنما عبر إدارة ذكية للتنافس الدولي، تقوم على إدراك المصالح المتبادلة، والحد من مخاطر سوء التقدير، وتعزيز ثقافة التسويات، حتى في عالم أصبح أكثر انقسامًا وأشد اعتمادًا على موازين القوة.



إقرأ المزيد