الجزيرة.نت - 7/7/2026 3:35:45 PM - GMT (+3 )
في عالم تتطور فيه التكنولوجيا بسرعة فائقة، يبحث العلماء باستمرار عن مواد جديدة يمكنها تجاوز القيود التي تفرضها الإلكترونيات التقليدية المستخدمة اليوم في حواسيبنا وهواتفنا الذكية.
تعتمد أجهزتنا الحالية بشكل أساسي على التحكم في حركة الشحنة الكهربائية للإلكترونات لتبادل المعلومات وتخزينها، ولكن تقترب الطرق التقليدية تدريجيا من حدودها القصوى من حيث سرعة المعالجة، إذ بلغت مستويات كبيرة من الحرارة الناتجة عن التشغيل واستهلاك الطاقة.
وفي خطوة علمية بارزة تضع حجر الأساس لمستقبل حوسبة عالية الكفاءة، كشفت دراسة حديثة نشرت في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز (Physical Review Letters)"، عن إمكانات غير مسبوقة لمواد ذرية رقيقة للغاية. قاد هذا البحث فريق دولي أثبت أن الهندسة الكيميائية الدقيقة لهذه المواد تضاعف قدراتها بشكل يفوق التوقعات.
تركز الدراسة الجديدة على عائلة من المواد الذرية الحديثة تعرف تقنيا باسم "ثنائي كالكوجينيدات المعادن الانتقالية ".
ويقول أحمد قاسم، الباحث في قسم الكيمياء بجامعة فرجينيا كومنولث الأمريكية وغير مشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "هي مواد بلورية يمكن اختزالها إلى صفائح بسماكة ذرة واحدة فقط"، ما يجعلها أرق بآلاف المرات من شعرة الإنسان. تمتلك هذه المواد ثنائية الأبعاد خصائص تجعلها مثالية لمجال تقني صاعد يسمى إلكترونيات الوديان ".
في هذا المجال لا يعتمد العلماء على حركة الشحنة الكهربائية التي قد تتسبب في ارتفاع حرارة الأجهزة، بل يستغلون مستويات طاقة محددة داخل ذرات المادة تعمل بمثابة مخازن لحفظ معلومات الإلكترون.
يمكن استخدام هذه الوديان لتخزين البيانات، مما يفتح الباب لمعالجة المعلومات بسرعات هائلة مع تقليل الهدر الحراري بشكل كبير. لكن كان التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التحكم الدقيق في هذه الوديان باستخدام المجالات المغناطيسية.
إعلان
يقول أحمد: "وجد الباحثون أنه من خلال مزج مادتين متشابهتين بنسب دقيقة، يمكنهم إنتاج مادة جديدة تظهر سلوكا مختلفا تماما في المجال المغناطيسي، يتجاوز بكثير استجابة أي من المادتين على حدة".
لفهم ما اكتشفه العلماء، يجب أن نتعرف على مفهوم فيزيائي يسمى "الإكسيتون ". عندما يضرب الضوء هذه المادة ثنائية الأبعاد فإنه يمنح طاقة لأحد الإلكترونات ويجعله يغادر مكانه تاركا وراءه فجوة موجبة الشحنة. ينجذب هذا الإلكترون السالب إلى الفجوة الموجبة ويبدآن في التحرك معا كزوجين في حلبة رقص مجهرية، وهذا الزوج هو الإكسيتون.
يعلق أحمد: "الإكسيتونات في ثنائي الكالكوجينيدات مثيرة للاهتمام بشكل خاص نظرا لاستقرارها الملحوظ وانبعاثها الضوئي الفعال. هذه الخاصية تجعلها مرشحة واعدة لتطوير مصابيح "ليد " والخلايا الشمسية والأجهزة الكمومية المستقبلية".
يقاس تفاعل هؤلاء الراقصين مع أي مجال مغناطيسي خارجي بمؤشر يعرف باسم "عامل جي"، وهو ببساطة مقياس لقوة استجابة المادة للمغناطيس. في المواد النقية العادية من هذه العائلة، مثل سيلينيد الموليبدينوم أو سيلينيد التنغستن، تتساوى قوة هذه الاستجابة مع الرقم 4 مع إشارة سالبة تدل على اتجاه التفاعل.
قرر الباحثون عدم الاكتفاء بالمواد النقية وقاموا بخلط المادتين بنسب دقيقة لصنع 5 سبائك هجينة لمقارنة مدى تغير هذه الخصائص. يقول أحمد: "احتوت تركيبات السبائك الخمس التي تم فحصها على ما يقارب 23%، 46%، 49%، 68%، و85% من الموليبدينوم والبقية تنغستن. ثم غُلفت كل طبقة أحادية بين طبقات رقيقة من مادة واقية وخاملة كهربائيا، تشبه غلاف الفقاعات على المستوى النانوي".
عندما سلط العلماء مجالات مغناطيسية قوية على هذه السبائك المخلوطة، لاحظوا أن السبيكة التي تحتوي على تركيز بين 20-25% من الموليبدينوم، قفزت فيها القوة المطلقة لعامل جي بشكل ملحوظ من 4 إلى 10.
هذا التغير يعني أن القوة الفعلية لحساسية المادة للمجال المغناطيسي تضاعفت مرتين ونصف مقارنة بالمواد الأصلية، مما منح العلماء قدرة تحكم مغناطيسية هائلة لتوجيه مسارات نقل البيانات.
لتفسير سبب هذا التغير الكبير، استخدم فريق البحث حسابات نظرية حاسوبية لمحاكاة سلوك الإلكترونات. وقد أظهرت النماذج أن الخلط الكيميائي للذرات أدى إلى اندماج مستويات الطاقة، وكأن شخصيات الذرات المختلفة قد امتزجت وكونت شخصية كمومية جديدة أقوى بكثير من أجزائها الفردية.
يشرح أحمد: "يمكن تشبيه هذا السلوك بمزج اللونين الأحمر والأزرق، فبدلا من الحصول على تدرج لوني سلس عبر اللون البنفسجي، ينتهي بنا المطاف إلى لون بنفسجي داكن لافت للنظر، أكثر كثافة بكثير من أي من اللونين الأصليين عند نسبة المزج الصحيحة".
تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف مجرد تحسين الهواتف أو الحواسيب التقليدية لتصل إلى جوهر تطوير الحوسبة الكمومية. ففي حواسيب الكم يعتمد العلماء على وحدات بيانات تسمى الكيوبتات التي تتطلب تحكما مغناطيسيا فائق الدقة.
إعلان
الاستجابة المغناطيسية العالية لهذه السبائك تجعلها منصة مثالية للتحكم في هذه الكيوبتات بفعالية أكبر، مما يساهم في استقرار العمليات الحسابية الكمومية.
إقرأ المزيد


