كيف يغير الذكاء الاصطناعي بصمة الكربون لشركات التقنية؟
الجزيرة.نت -

Published On 7/7/2026

|

آخر تحديث: 14:47 (توقيت مكة)

لطالما ارتبطت ثورة الذكاء الاصطناعي بفكرة تحسين حياة البشر، ورفع كفاءة الأعمال، والمساعدة في مواجهة تحديات عالمية مثل تغير المناخ، لكن خلف هذا التطور التقني المتسارع، يظهر تحد بيئي متزايد يتمثل في ارتفاع استهلاك الطاقة وزيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل النماذج الذكية العملاقة.

فمع توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت مراكز البيانات والشرائح الإلكترونية جزءا رئيسا من معادلة الانبعاثات العالمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ارتفاع الانبعاثات مع توسع الذكاء الاصطناعي

كشفت تقارير الاستدامة الحديثة لشركتي غوغل وأمازون عن زيادة ملحوظة في انبعاثاتهما الكربونية، بالتزامن مع توسع استثماراتهما في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

ووفق تقرير الاستدامة الصادر عن غوغل لعام 2024، ارتفعت انبعاثات الشركة الإجمالية بنسبة 13% تقريبا خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى نحو 14.3 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وأرجعت الشركة جزءا كبيرا من الزيادة إلى ارتفاع استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، إضافة إلى الانبعاثات المرتبطة بسلسلة التوريد.

نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء بسبب عمليات التدريب والتشغيل المستمرة (أسوشيتد برس)

أما أمازون، فقد أعلنت في تقرير الاستدامة لعام 2023 أن إجمالي انبعاثاتها بلغ نحو 68.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع زيادة مرتبطة بشكل أساسي بتوسع عملياتها اللوجستية والبنية التحتية للحوسبة السحابية عبر ذراعها أمازون ويب سيرفيسيز (Amazon Web Services).

مراكز البيانات.. محرك الذكاء الاصطناعي ومصدر الطاقة الأكبر

تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة مثل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) على آلاف وحدات المعالجة الرسومية (GPUs) التي تعمل لفترات طويلة خلال مراحل التدريب والتشغيل. هذه العمليات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء، كما تتطلب أنظمة تبريد متقدمة لمنع ارتفاع حرارة المعدات.

إعلان

تشير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن مراكز البيانات استهلكت نحو 460 تيراواطًا/ساعة من الكهرباء عالميا في عام 2022، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم مع استمرار نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية خلال السنوات المقبلة.

ولا يقتصر التأثير البيئي لمراكز البيانات على الكهرباء فقط، إذ تعتمد العديد منها على كميات كبيرة من المياه لأنظمة التبريد، وهو ما يثير مخاوف إضافية في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية.

الانبعاثات غير المباشرة.. المشكلة الأكبر

رغم أن شركات التقنية تستثمر مليارات الدولارات في الطاقة المتجددة، فإن الجزء الأكبر من بصمتها الكربونية يأتي مما يُعرف بانبعاثات النطاق الثالث (Scope 3)، وهي الانبعاثات الناتجة عن أنشطة لا تسيطر عليها الشركة مباشرة.

تشمل هذه الانبعاثات تصنيع الخوادم، وإنتاج الشرائح الإلكترونية، وبناء مراكز البيانات، ونقل المعدات، واستخدام المنتجات من قبل العملاء.

في حالة شركات الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة الرقائق عنصرا أساسيا في ارتفاع الانبعاثات، فإنتاج وحدات المعالجة الرسومية المتقدمة يحتاج إلى عمليات تصنيع معقدة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، إضافة إلى استخدام مواد كيميائية ذات تأثير قوي على الاحتباس الحراري.

ووفق جمعية صناعة أشباه الموصلات (Semiconductor Industry Association)، تُعد صناعة أشباه الموصلات من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث تحتاج المصانع المتقدمة إلى تشغيل مستمر وأنظمة بيئية دقيقة للحفاظ على جودة الإنتاج.

سباق الذكاء الاصطناعي يعيد الاعتماد على الوقود الأحفوري

رغم تعهد شركات التكنولوجيا بالاعتماد على الطاقة النظيفة، فإن الزيادة السريعة في الطلب على الكهرباء دفعت بعض الشركات إلى إعادة النظر في استخدام مصادر طاقة تقليدية لضمان استقرار الشبكات.

وتشير التقارير التقنية إلى أن شركات كبرى بدأت تبحث عن حلول مثل الطاقة النووية أو محطات الغاز الطبيعي لتوفير طاقة مستقرة لمراكز البيانات، خصوصا مع ارتفاع احتياجات الذكاء الاصطناعي.

هذا التوجه يخلق تحديا أمام أهداف الحياد الكربوني، لأن توفير طاقة كافية لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يتعارض مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

رغم استثمارات شركات التكنولوجيا في الطاقة المتجددة، فإن النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي يجعل تحقيق أهداف الحياد الكربوني أكثر صعوبة (الأوروبية)
هل يمكن جعل الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة؟

رغم التحديات، يرى خبراء التقنية والطاقة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أكثر كفاءة بيئيا عبر مجموعة من الحلول، منها:

  • تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أصغر وأكثر كفاءة بدلا من الاعتماد دائما على النماذج العملاقة.
  • تصميم شرائح إلكترونية منخفضة استهلاك الطاقة.
  • تحسين كفاءة مراكز البيانات باستخدام أنظمة تبريد متطورة.
  • زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء.
  • استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لتحسين شبكات الطاقة وتقليل الهدر.

وتؤكد شركات مثل غوغل أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مجالات بيئية عديدة، مثل تحسين توقعات الطقس، وإدارة شبكات الكهرباء، وتقليل استهلاك الطاقة في المباني.

مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمناخ

يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أكبر التحولات التقنية في التاريخ الحديث، لكنه يأتي مع تكلفة بيئية متزايدة، فبينما تساعد هذه التقنية في تطوير حلول لمشكلات المناخ، فإن البنية التحتية اللازمة لتشغيلها ترفع الطلب على الطاقة وتزيد الانبعاثات.

إعلان

التحدي الحقيقي أمام شركات التكنولوجيا الكبرى لن يكون فقط تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر ذكاء، بل بناء نظام تقني قادر على النمو دون زيادة الضغط على البيئة، فالنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بقدرات الآلات، بل أيضا بقدرة الصناعة على تحقيق توازن بين الابتكار والاستدامة.



إقرأ المزيد