الجزيرة.نت - 7/6/2026 3:23:56 PM - GMT (+3 )
بينما تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير نماذج أكثر قوة وقدرة، تدور في الخلفية معركة أقل ظهورا، تتنافس فيها اللغات على مكانها داخل بيانات التدريب التي تغذي هذه النماذج.
حيث أصبحت قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم لغة ما أو التفاعل معها مرتبطة بحجم حضورها في مجموعات البيانات التي يتعلم منها. وبينما تستفيد لغات مثل الإنجليزية والصينية والإسبانية من وفرة المحتوى الرقمي، تكافح مئات اللغات الأخرى من أجل الحصول على موطئ قدم داخل هذه البيانات.
وهو خلل يحذر باحثون من أنه لا يؤثر فقط في جودة الترجمة ودقة الإجابات، بل قد يعيد أيضا توزيع النفوذ الرقمي والفرص الاقتصادية، ليمنح بعض المجتمعات أفضلية في الوصول إلى المعرفة والخدمات الرقمية، ويترك أخرى على هامش الاقتصاد التقني العالمي.
(بيكسابي)
تعتمد النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) التي تقف وراء تطبيقات مثل "شات جي بي تي" و"جيميناي" و"كلود" على كميات هائلة من البيانات النصية المجمعة من الإنترنت والكتب والأبحاث ومصادر رقمية أخرى. وتشير دراسات حديثة إلى أن بعض هذه النماذج دُربت على أكثر من 15 تريليون وحدة لغوية (Token)، في واحدة من أكبر عمليات جمع البيانات في تاريخ الحوسبة.
لكن هذا الحجم الهائل لا يعكس التنوع اللغوي في العالم، إذ تستحوذ مجموعة محدودة من اللغات، وفي مقدمتها الإنجليزية، على النصيب الأكبر من المحتوى الرقمي المستخدم في التدريب، بينما لا تحظى مئات اللغات الأخرى إلا بتمثيل محدود للغاية.
ويرى الباحث في معالجة اللغات الطبيعية بجامعة بريتش كولومبيا الكندية، عبد الله المكي، المتخصص في النماذج اللغوية الكبيرة متعددة اللغات والذكاء الاصطناعي للغات منخفضة الموارد، وقائد مشروع "نايل شات" (NileChat) مفتوح المصدر للهجات العربية، أن مجموعات بيانات التدريب تلعب دورا محوريا في تحديد اللغات التي تصبح "مرئية ومفيدة" داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، موضحا أن الشركات المطورة للنماذج تحتاج إلى كميات كافية من البيانات عالية الجودة حتى تتمكن من دعم لغة ما بشكل موثوق.
ويشير إلى أن بيانات التدريب وبيانات التقييم تمثل عاملا حاسما في تحديد اللغات التي تدخل فعليا إلى منظومة الذكاء الاصطناعي.
إعلان
ويقول في حديثه للجزيرة نت إن "اللغات التي تمتلك وفرة من النصوص الرقمية وحضورا قويا على الإنترنت، ومجموعات بيانات متطورة تميل إلى الحصول على دعم أفضل في أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تظل اللغات ذات الموارد الرقمية المحدودة أقل ظهورا وأقل دقة وفائدة داخل هذه الأنظمة".
وتكشف الفجوة الرقمية بين اللغات حجم المشكلة، فوفق تحليل بيانات ورد في مراجعة علمية حديثة حول اللغات منخفضة الموارد، تضم أرشيفات الويب العالمية نحو مليار صفحة باللغة الإنجليزية، في حين لا يتجاوز حضور اللغة الكشميرية 60 صفحة فقط في بيانات "كومون كرول" (Common Crawl) المستخدمة على نطاق واسع في تدريب النماذج اللغوية.
ويعني هذا التفاوت أن قدرة النماذج على فهم اللغات والإجابة بها لا ترتبط بعدد المتحدثين فقط، بل أيضا بحجم حضورها داخل البيانات التي تتعلم منها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
من جهتها، ترى الباحثة المغربية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية، أميمة هوران، أن هذا التفاوت لا ينتج فقط عن ندرة البيانات، بل أيضا عن ضعف التمثيل الرقمي للغات منخفضة الموارد.
وتوضح في حديثها للجزيرة نت أن ضعف التمثيل الرقمي ينعكس على أداء النماذج عند التعامل معها، ولا سيما في اللهجات العربية التي لا تحظى إلا بحضور محدود في بيانات التدريب مقارنة بالعربية الفصحى.
ولا يقتصر هذا الخلل على جودة الترجمة ودقة الإجابات، بل يمتد إلى تحديد اللغات الأكثر قدرة على الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي الحالية، في مقابل لغات قد تواجه خطر التراجع إلى هامش الاقتصاد الرقمي العالمي.
ويمتد أثر محدودية بيانات التدريب إلى إعادة تشكيل فرص المجتمعات في الاستفادة من الاقتصاد الرقمي. فكلما كانت اللغة أقل حضورا في البيانات التي تدرب عليها النماذج، انخفضت جودة خدمات الذكاء الاصطناعي المقدمة لمُتحدثيها.
ويحذر المكي في هذا السياق من أن سباق تطوير الذكاء الاصطناعي قد يعمق الفجوة بين اللغات عالية الموارد واللغات منخفضة الموارد، لأن الأولى تستفيد من وفرة النصوص الرقمية، وأدوات التطوير، ومعايير التقييم، والحوافز التجارية، بينما تفتقر الثانية إلى هذه المقومات، وهو ما قد ينعكس على فرص الوصول إلى المعلومات والتعليم والخدمات العامة والمشاركة في الاقتصاد الرقمي.
وتنسجم هذه الرؤية مع نتائج دراسة حديثة بعنوان "انتشار الذكاء الاصطناعي في البلدان ذات اللغات منخفضة الموارد" (AI Diffusion in Low Resource Language Countries)، التي خلصت إلى أن البلدان التي تعتمد على لغات منخفضة الموارد تسجل معدلات استخدام للذكاء الاصطناعي تقل بنحو 20% مقارنة بما كان متوقعا بعد احتساب العوامل الاقتصادية والديمغرافية، ما يشير إلى أن محدودية الدعم اللغوي تمثل عائقا مستقلا أمام تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
من زاوية أوسع، يرى الأستاذ المشارك في معالجة اللغات الطبيعية بجامعة فين في فيتنام، محمود الحاج، أن هذه الفجوة لم تعد مجرد تحد تقني، بل أصبحت قضية عدالة رقمية. ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن العالم يضم أكثر من 7000 لغة، في حين لا تقدم أنظمة الذكاء الاصطناعي أداء جيدا إلا لعدد محدود منها، ويضيف أن "المشكلة ليست في عدد المتحدثين، بل في نقص الاستثمار في الموارد اللغوية الرقمية عالية الجودة".
ويضيف أن استمرار النماذج اللغوية في تفضيل اللغات ذات الحضور الرقمي القوي يخلق حلقة متكررة، إذ تتحسن هذه اللغات باستمرار، بينما تتراجع اللغات الأخرى تدريجيا. ومع الوقت قد يدفع ذلك بعض المستخدمين إلى الاعتماد على لغات مهيمنة، مثل الإنجليزية، للوصول إلى المعرفة والخدمات الرقمية، وهو ما يقلل إنتاج المحتوى بلغاتهم ويعمق فجوة البيانات مستقبلا.
إعلان
ويؤكد الحاج أن كسر هذه الحلقة ممكن عبر الاستثمار في مجموعات بيانات عالية الجودة، وتطوير تقنيات لغوية متعددة اللغات، وبناء شراكات مع الباحثين والمجتمعات المحلية، حتى تتمكن المجتمعات من التفاعل مع أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلم من ثقافاتها ومواردها الأصلية، لا من ترجمات أو تفسيرات صادرة عن لغات مهيمنة.
كيف يحاول الباحثون سد الفجوة؟ورغم اتساع الفجوة بين اللغات عالية الموارد واللغات منخفضة الموارد، فإن الأوساط البحثية لا تنظر إلى هذه المشكلة باعتبارها قدرا حتميا، بل تعمل على تطوير أساليب جديدة تتيح تدريب النماذج اللغوية حتى في ظل ندرة البيانات.
في هذا السياق، تشير مراجعة علمية حديثة حول النماذج اللغوية للغات منخفضة الموارد إلى أن الباحثين اتجهوا خلال السنوات الأخيرة إلى مجموعة من الحلول التقنية، من أبرزها "النقل عبر اللغات" (Cross-Lingual Transfer) الذي يسمح للنماذج بالاستفادة من المعرفة المكتسبة من اللغات الغنية بالبيانات لتحسين أدائها في اللغات الأقل تمثيلا، إلى جانب تقنيات "الضبط الدقيق" (Fine-tuning) وأساليب "الضبط الموفر للمعلمات" (PEFT) التي تقلل الحاجة إلى إعادة تدريب النموذج بالكامل، مما يجعل تطوير النماذج لهذه اللغات أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
كما تتزايد أهمية البيانات الاصطناعية بشكل ملحوظ، إذ بات الباحثون يستخدمون النماذج اللغوية نفسها لتوليد نصوص وأسئلة وحوارات جديدة تساعد في تعويض النقص الحاد في البيانات الأصلية، وهو توجه بدأ يحقق نتائج واعدة في عدد من اللغات التي كانت تعاني سابقا من غياب شبه كامل للموارد الرقمية.
ويرى المكي أن هذه المقاربات أثبتت قدرتها على تقليص الفجوة تدريجيا، مشيرا إلى أن فريقه في جامعة بريتش كولومبيا طور نموذج "نايل شات" (NileChat) للهجتين العربية المصرية والمغربية بالاعتماد على كمية محدودة من البيانات الحقيقية، مع الاستفادة المكثفة من البيانات المولدة اصطناعيا، وهو ما مكن النموذج من تحقيق أداء رائد عند إطلاقه رغم محدودية الموارد المتاحة لهذه اللهجات.
كما تمتد الجهود أيضا إلى بناء موارد لغوية جديدة. ويوضح المكي أن فريقه يعمل عبر مشاريع مثل "الإسكندرية" (Alexandria) و"بالم" (PALM) و"بيرل" (PEARL) على جمع بيانات تدريب وتقييم مباشرة من المجتمعات المحلية، بهدف توفير موارد أكثر تمثيلا للهجات العربية المختلفة، مؤكدا أن وجود معايير تقييم جيدة لا يقل أهمية عن توفير بيانات التدريب، لأنه يسمح بقياس أداء النماذج واكتشاف نقاط ضعفها وتحسينها بصورة منهجية.
من جهتها، ترى هوران أن معالجة المشكلة لا تتطلب جمع مزيد من البيانات فحسب، بل إعادة النظر في طريقة جمعها، وتقول إن النماذج الحالية تمنح أفضلية هيكلية للغات المهيمنة لأنها تركز على حجم البيانات، بينما ينبغي أن يكون الهدف هو بناء مجموعات منسقة تعكس التنوع اللغوي الحقيقي، من خلال إشراك المجتمعات المحلية والمتحدثين الأصليين في تطوير الموارد اللغوية، بحيث تصبح جودة التمثيل أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد وحدات التدريب.
وتتوسع هذه الجهود عالميا أيضا، حيث أطلقت "مايكروسوفت"، بالتعاون مع شركاء بحثيين ومؤسسات دولية، مبادرات مثل "أحضر لغتك" (Bring Your Own Language-BYOL) التي تعتمد على تنقية البيانات وتوليد بيانات اصطناعية، وضبط النماذج لبناء نماذج مخصصة للغات منخفضة الموارد، إلى جانب مبادرة "لينغوا أفريكا" (LINGUA Africa) التي تمول تطوير مجموعات بيانات ونماذج لغوية للغات الأفريقية بهدف تعزيز حضورها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
في سياق مماثل، قدم باحثون مؤخرا مشروع "أفريلانغ تيوتر" (AFRILANGTUTOR) الذي يعتمد على إنشاء قواميس وبيانات تعليمية لأكثر من عشر لغات أفريقية منخفضة الموارد، ثم استخدام هذه الموارد لتدريب نماذج لغوية قادرة على تقديم تعليم لغوي ومحتوى ثقافي بهذه اللغات.
إعلان
وأظهرت نتائج الدراسة أن النماذج المدربة على هذه البيانات حققت تحسنا ملحوظا مقارنة بالنماذج الأساسية، في مؤشر على أن الاستثمار في البيانات المحلية يمكن أن ينعكس مباشرة على جودة أداء الذكاء الاصطناعي.
لا يقتصر الجدل حول تمثيل اللغات في الذكاء الاصطناعي على تحسين جودة الترجمة أو دقة الإجابات، بل يمتد إلى مستقبل التنوع اللغوي. فالمُراجعة العلمية الحديثة حول نماذج اللغات الكبيرة للغات منخفضة الموارد تحذر من أن استمرار ضعف تمثيل هذه اللغات لا يهدد فقط فرص متحدثيها في الوصول إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل قد يساهم أيضا في اتساع الفجوة الرقمية وإضعاف حضور هذه اللغات في الفضاء الرقمي.
ويحذر الحاج من أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء يحمل التاريخ والثقافة وطرق فهم العالم، ويؤكد أن المجتمعات ينبغي أن تتمكن من التفاعل مع أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلم من موارد أُنتجت بلغاتها الأصلية، لا من ترجمات أو تفسيرات تنقلها عبر لغات أخرى، لأن ذلك قد يؤدي إلى تمثيل ثقافاتها من منظور خارجي بدلا من التعبير عنها بصوتها الحقيقي.
ورغم هذه التحديات، يرى الباحثون أن هذا المسار لا يزال قابلا للتغيير. فإلى جانب المبادرات الأكاديمية، بدأت شركات التكنولوجيا والمؤسسات الدولية في الاستثمار في بناء موارد لغوية جديدة، بما يعزز حضور اللغات منخفضة الموارد داخل الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
إقرأ المزيد


