الجزيرة.نت - 7/6/2026 2:43:20 PM - GMT (+3 )
بعد أكثر من عقدين من الحروب المكلفة والأزمات المالية والتخفيضات الضريبية والإنفاق الاجتماعي المتزايد، وصلت الديون الأمريكية إلى مستوى غير مسبوق، متجاوزة 39 تريليون دولار، في وقت لم تعد فيه الحكومة تقترض بالأموال الرخيصة كما كان الحال في العقد الماضي، بعدما رفعت أسعار الفائدة تكلفة خدمة الدين إلى مستويات قياسية. وتشير البيانات إلى أن مدفوعات الفائدة وحدها تجاوزت تريليون دولار سنويا، لتصبح من أكبر بنود الإنفاق الفدرالي.
ولم يكن هذا المسار وليد أزمة واحدة، بل نتيجة تراكمات امتدت عقودا، بدأت بانتهاء مرحلة الفوائض المالية في مطلع الألفية، ثم تعززت بالحروب، والأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، إلى جانب النمو المستمر في برامج الرعاية الصحية والتقاعد، بينما تراجعت الإيرادات بفعل التخفيضات الضريبية المتكررة.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدولار في ظل تلك التقلبات ظل يستحوذ على نحو 56.9% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في 2025، رغم تراجع حصته تاريخيا، وهو ما يعكس استمرار موقعه المركزي، وسط توقعات بتراجع حصته إلى 52% من الأصول المقومة بالدولار في 10 سنوات، على أن تكون حصة اليورو عند 23%، واليوان الصيني عند 5%، بحسب تقرير للمنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF)، وهو شبكة أبحاث اقتصادية مستقلة تربط بين البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية.
التحول الماليفي مطلع الألفية بدت الولايات المتحدة وكأنها تدخل مسارا ماليا نادرا، بعدما سجلت الموازنة فوائض في أواخر عهد الرئيس بيل كلينتون (شغل المنصب من 1993 إلى 2001)، إلى حد أن بعض النقاشات داخل المؤسسات المالية كانت تتساءل عن أثر تراجع الدين العام على سيولة سوق السندات.
لكن هذا المسار انقلب بعد انهيار فقاعة شركات التكنولوجيا، ثم هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وحربي أفغانستان والعراق، والتخفيضات الضريبية التي فرضها الرئيس السابق جورج بوش الابن، قبل أن تأتي الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتدفع العجز إلى مستويات غير مسبوقة حينها.
إعلان
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الديون الأمريكية ترتفع فقط في أوقات الحرب أو الركود، بل أصبحت جزءا من بنية مالية دائمة، إذ يتجاوز الإنفاق الفدرالي الإيرادات بصورة متكررة، وتضاف الفجوة السنوية إلى الدين القائم.
وتعكس بيانات وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب الإدارة والميزانية هذا التحول بوضوح، إذ ارتفع الدين الفدرالي من نحو 5.6 تريليونات دولار عام 2000 إلى 13.6 تريليون دولار في 2010، ثم إلى 26.9 تريليون دولار في 2020، قبل أن يتجاوز حاليا 39 تريليون دولار، وهو أسرع تراكم للدين في التاريخ الأمريكي الحديث.
وفي ستة عقود فقط، قفز الدين الفدرالي الأمريكي من نحو 321 مليار دولار في الربع الأول من عام 1966 إلى أكثر من 39 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2026، بزيادة تجاوزت 12%، أو ما يعادل أكثر من 121 ضعفا، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.
ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف أن التحول من الفائض إلى العجز المزمن لم يكن نتيجة أزمة عابرة، بل حصيلة تغيرات بنيوية في هيكل الإنفاق والإيرادات.
ويوضح أن الركود الذي أعقب فقاعة "الدوت كوم" فتح الباب أمام تخفيضات ضريبية واسعة لتحفيز النمو، بينما استمر الإنفاق في الصعود، بما أسس لعجز هيكلي لا يرتبط بدورة اقتصادية مؤقتة.
ويشير يوسف في حديث للجزيرة نت، إلى أن الحروب لعبت دورا مركزيا في هذا المسار، إذ مولت الولايات المتحدة حربي العراق وأفغانستان بالاستدانة لا بزيادة الضرائب، وهو ما جعل كلفتهما مؤجلة للأجيال اللاحقة، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية وبرامج الإنقاذ مثل برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة (TARP)، وبعدها جائحة كورونا، لتضيف تريليونات جديدة في فترة قصيرة.
ويضيف أن التخفيضات الضريبية في عهود جورج بوش الابن ودونالد ترمب روج لها باعتبارها قادرة على تحفيز النمو بما يمول كلفتها، غير أن النتيجة العملية كانت اتساع فجوة الإيرادات والإنفاق بدلا من انكماشها.
وبجانب تعاظم تكاليف الحرب جاءت جائحة كورونا لتزيد الأعباء المالية في أكبر اقتصاد في العالم، خاصة مع توقف النشاط الاقتصادي، إذ أقرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة حزم دعم غير مسبوقة شملت شيكات مباشرة للأسر، وتوسيع إعانات البطالة، وبرامج حماية الشركات، إلى جانب تراجع كبير في الإيرادات الضريبية.
ويقول المحلل الاقتصادي محمد ممدوح النويلة للجزيرة نت، إن جائحة كورونا مثلت أكبر قفزة مالية في التاريخ الأمريكي الحديث، إذ أضيفت تريليونات الدولارات في فترة قصيرة للغاية، وارتفع الدين إلى مستويات تجاوزت الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما لم تشهده الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
وتشير البيانات إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي بلغت ذروتها عند نحو 126% عام 2020، بينما ارتفع الدين بنحو 13 تريليون دولار منذ بداية الجائحة، وهي زيادة بما يعادل نحو 45% في أقل من ست سنوات.
ورغم أن الحروب والأزمات مثلت صدمات كبيرة، فإن عددا من الاقتصاديين يرون أن السبب الأكثر استدامة يتمثل في تراجع الإيرادات الحكومية.
إعلان
فقد شهدت الولايات المتحدة ثلاث موجات رئيسية من التخفيضات الضريبية، بدأت في عهد رونالد ريغان، ثم جورج بوش الابن، وأخيرا قانون التخفيضات الضريبية الذي أقره الرئيس دونالد ترمب عام 2017.
ويرى مصطفى يوسف أن هذه التخفيضات قامت على فرضية أن النمو الاقتصادي سيعوض انخفاض الإيرادات، إلا أن النتائج أظهرت اتساع فجوة العجز، لأن الإنفاق الحكومي لم يتراجع بالمقدار نفسه.
ويشير النويلة إلى أن معظم الاقتصاديين يختلفون حول العامل الأكثر تأثيرا في تفاقم الدين، إذ يركز البعض على تضخم الإنفاق الإلزامي، بينما يرى آخرون أن التخفيضات الضريبية المتكررة كانت السبب الرئيسي في تآكل الإيرادات الفدرالية، فيما يعتبر فريق ثالث أن المسألة الحاسمة ليست حجم الدين وحده، بل قدرته على النمو بوتيرة أبطأ من الناتج والفوائد.
لا يقف تراكم الدين عند الحروب والأزمات، فالعامل الأبطأ لكنه الأثقل يتمثل في برامج الرعاية الصحية والتقاعد، وعلى رأسها الضمان الاجتماعي وميديكير.
ومع تقاعد جيل "طفرة المواليد" (المواليد بين عامي 1946 و1964) وارتفاع كلفة الرعاية الصحية، تتوسع النفقات الإلزامية تلقائيا، بينما تضيق المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري.
وتتفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس مع هذه الصورة، إذ يتوقع أن يرتفع الدين العام المحتفظ به لدى الجمهور (DHP) من نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 156% في 2055، مدفوعا بارتفاع الفوائد وتباطؤ النمو وشيخوخة السكان. كما يتوقع أن ترتفع مدفوعات الفائدة إلى 5.4% من الناتج في 2055 مقابل 3.2% في 2025.
ويشير النويلة إلى أن هذا النوع من الإنفاق يختلف عن الحروب أو الأزمات، لأنه لا يتراجع بانتهاء الأزمة، بل يزداد تدريجيا عاما بعد آخر، مما يجعل الدين يتوسع حتى في الفترات التي ينمو فيها الاقتصاد.
الدين يولد دينا
لم تعد الفائدة رقما تابعا للدين، بل أصبحت محركا جديدا للعجز وتعاظم إجمالي الدين. فمع ارتفاع أسعار الفائدة بعد موجة التضخم، بدأت الخزانة الأمريكية تعيد تمويل ديون قديمة بكلفة أعلى، مما يرفع خدمة الدين حتى لو لم تقر برامج إنفاق جديدة، وأدى ذلك إلى تفاقم مدفوعات الفائدة.
ويرى المحلل الاقتصادي محمد ممدوح النويلة أن "تكلفة الفائدة المتصاعدة" أصبحت عاملا ذاتي التغذية، لأن الحكومة تقترض جزئيا لسداد فوائد ديون سابقة.
ويشير إلى أن المشكلة لم تعد في صدمة واحدة، بل في تراكب عجز هيكلي وتخفيضات ضريبية وشيخوخة السكان والحروب والأزمات المالية وجائحة كورونا.
وارتفع متوسط سعر الفائدة على الدين القابل للتداول إلى 3.36% بنهاية عام 2025، مقارنة مع 1.55% فقط قبل خمس سنوات.
وتظهر البيانات أن مدفوعات الفائدة على الدين العام (تكلفة الاقتراض) تجاوزت تريليون دولار سنويا، لتستحوذ على نحو ربع الإيرادات الضريبية الفدرالية، في وقت يواصل فيه الدين العام الارتفاع بوتيرة تقارب 8.03 مليارات دولار يوميا، أي ما يعادل نحو 334.5 مليون دولار في الساعة، أو قرابة 5.6 ملايين دولار في الدقيقة، لتتجاوز مدفوعات الفائدة 1.2 تريليون دولار على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026.
وفي عام 2025، دفعت الحكومة الأمريكية نحو 261.4 مليار دولار فوائد لصناديقها الاستئمانية، بمتوسط يقارب 21.8 مليار دولار شهريا، بينما تضاعفت الفوائد الصافية على الدين بنحو ثلاثة أضعاف في خمس سنوات، ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تستحوذ على 13.85% من إجمالي الإنفاق الفدرالي في السنة المالية 2026، لترتفع إلى 14.11% في 2027 و14.52% في 2028.
ورغم تزايد التحذيرات، لا يوجد إجماع اقتصادي على المستوى الذي يتحول عنده الدين الأمريكي إلى أزمة تمويل حقيقية. لكن نموذج "بن وارتون" للموازنة (Penn Wharton Budget Model) يقدر أن الحد الذي تصبح عنده المالية العامة غير قابلة للاستدامة يقع عند دين يتجاوز 210% من الناتج المحلي الإجمالي.
إعلان
وعند هذه النقطة، يرى النموذج أن الإيرادات الضريبية لن تكون كافية لتمويل فوائد الدين بالمعدلات التي يقبلها المستثمرون، مما يرفع احتمالات التعثر أو اللجوء إلى تضخم مرتفع لتقليص القيمة الحقيقية للدين.
ورغم أن نسبة الدين الأمريكي تجاوزت بنهاية 2025 مستوى 121% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن مكتب الموازنة في الكونغرس يتوقع ارتفاعها إلى نحو 175% بحلول عام 2056.
ويحذر نموذج "بن وارتون" من أن استمرار ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية قد يعجل ببلوغ نقطة الخطر، مقدرا أن الولايات المتحدة قد تواجه هذا السيناريو في غضون 19 إلى 25 عاما بحسب وتيرة النمو، بل إن هناك احتمالا يبلغ 25% للوصول إلى الحد الأقصى للدين في 14 عاما إذا استمرت نفقات الرعاية الصحية في الارتفاع بالمعدلات التاريخية.
هل يهدد الدين مكانة الدولار؟من الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي تضخم الدين إلى تقويض الثقة في العملة والسندات، خصوصا إذا شعر المستثمرون بأن المسار المالي غير قابل للاستدامة. وقد بدأت بعض المؤشرات تثير القلق، مثل تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية مقارنة بمستوياتها التاريخية، وزيادة اهتمام بعض البنوك المركزية بالذهب وتنويع الاحتياطيات.
الدولار لا يستند فقط إلى قوة الاقتصاد الأمريكي، بل إلى شبكة استخدام عالمية واسعة في التجارة والتمويل وتسعير السلع والاحتياطيات
لكن الواقع لا يزال يمنح واشنطن هامشا واسعا. فالدولار لا يستند فقط إلى قوة الاقتصاد الأمريكي، بل إلى شبكة استخدام عالمية واسعة في التجارة والتمويل وتسعير السلع والاحتياطيات. كما أن سوق سندات الخزانة الأمريكية لا تزال الأكبر والأعمق والأكثر سيولة، وتعمل باعتبارها أصلا مرجعيا لتسعير المخاطر حول العالم.
وهو ما يشرحه يوسف، مشيرا إلى أن "الامتياز الباهظ" الذي تتمتع به الولايات المتحدة لم ينته بعد، إذ لا تزال واشنطن -بحسب رأيه- تتمتع بأكبر وأعمق سوق مالية في العالم، بينما لا يوجد حتى الآن بديل قادر على منافسة الدولار من حيث السيولة والثقة والإطار القانوني.
ويضيف أن اليورو لا يزال يفتقر إلى اتحاد مالي كامل، في حين لا يزال اليوان الصيني مقيدا بقيود حركة رؤوس الأموال، وهو ما يمنح واشنطن هامشا أطول لتمويل ديونها مقارنة بأي اقتصاد آخر.
لكن النويلة يرى أن هذه الأفضلية لا تعني غياب المخاطر، فاستمرار تضخم الدين وارتفاع الفوائد، إلى جانب تنامي محاولات بعض الدول تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الدولار، قد يؤدي تدريجيا إلى تآكل هذه الميزة التاريخية، حتى وإن ظل سيناريو فقدان الدولار مكانته بصورة مفاجئة مستبعدا.
ويعود جانب من مكانة العملة الخضراء إلى الإرث الذي أسسه هاملتون قبل أكثر من قرنين، إذ أصبحت سندات الخزانة الأمريكية مع مرور الوقت الأصل الأكثر أمانا وسيولة في العالم، وتحتفظ بها البنوك المركزية والمؤسسات المالية ضمن احتياطياتها، كما تشكل المرجع الأساسي لتسعير الأصول عالميا.
ويضم سوق الخزانة الأمريكية حاليا أكثر من 30 تريليون دولار من الأوراق المالية القائمة، فيما تتجاوز قيمة التداولات اليومية تريليون دولار، وهو ما يجعلها السوق الأعمق والأكثر سيولة عالميا.
يعود جانب من مكانة العملة الخضراء إلى الإرث الذي أسسه هاملتون قبل أكثر من قرنين، إذ أصبحت سندات الخزانة الأمريكية مع مرور الوقت الأصل الأكثر أمانا وسيولة في العالم
إقرأ المزيد


