شركات بلا بشر.. الأرجنتين تفتح الباب لثورة الذكاء الاصطناعي في الإدارة
الجزيرة.نت -

Published On 6/7/2026

|

آخر تحديث: 14:31 (توقيت مكة)

في خطوة غير مسبوقة، طرحت الحكومة الأرجنتينية مشروعا يهدف إلى إنشاء إطار قانوني يسمح بظهور ما أطلقت عليه "الشركات غير البشرية" (Non-Human Corporations)، وهي كيانات يمكن أن تُدار بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي ووكلاء رقميين بدلا من الإدارة البشرية التقليدية.

وإذا أُقر المشروع، فقد تصبح الأرجنتين أول دولة تضع أساسا قانونيا لهذا النوع من الشركات، مع الإبقاء على إشراف ومسؤولية بشرية في نهاية المطاف.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ورغم أن الجدل القانوني والأخلاقي استحوذ على اهتمام وسائل الإعلام، فإن القيمة الحقيقية للمبادرة تكمن في بنيتها التقنية، إذ تعكس الاتجاه العالمي نحو ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، حيث لا يقتصر دور النظام على توليد النصوص أو الإجابة عن الأسئلة، بل يمتد إلى التخطيط، واتخاذ القرار، وتنفيذ المهام، والتفاعل مع الأنظمة الرقمية بصورة شبه مستقلة.

من المساعد الذكي إلى المدير الرقمي

تعتمد الشركات التقليدية على أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) وبرمجيات المحاسبة وإدارة العملاء، لكنها تحتاج دائما إلى موظفين لتحليل البيانات واتخاذ القرارات، أما في النموذج الجديد، فإن وكلاء الذكاء الاصطناعي يصبحون الطبقة التشغيلية الأساسية داخل المؤسسة.

ويستند هذا النموذج إلى دمج عدة تقنيات، أبرزها النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) لفهم المعلومات والتواصل واتخاذ قرارات أولية، والتعلم الآلي لتحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات، وأنظمة الوكلاء المتعددين (Multi-Agent Systems) التي توزع المهام بين عدة وكلاء متخصصين، وواجهات برمجة التطبيقات (APIs) لربط الذكاء الاصطناعي بأنظمة المحاسبة والمخزون والموارد البشرية والبنوك.

وبدلا من وجود مدير واحد، قد تضم الشركة مجموعة من الوكلاء، أحدهم مسؤول عن المشتريات، وآخر عن خدمة العملاء، وثالث عن إدارة المخاطر، بينما يتولى وكيل مركزي تنسيق القرارات بينها.

كيف تتخذ الشركة قراراتها؟

تقنيا، تمر عملية اتخاذ القرار بعدة مراحل متتابعة، وهي:

إعلان

  • جمع البيانات من قواعد البيانات الداخلية، وأنظمة المبيعات، وحركة المخزون، والأسواق المالية، وحتى الأخبار.
  • تحليل البيانات باستخدام نماذج تعلم آلي قادرة على اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالنتائج.
  • اقتراح القرار عبر النماذج اللغوية التي تولد بدائل مختلفة وتقيّم مزايا كل منها.
  • تنفيذ القرار تلقائيا من خلال التكامل مع الأنظمة الرقمية، مثل إصدار أوامر شراء أو تعديل الأسعار أو إعادة توزيع الموارد.
  • مراقبة النتائج والتعلم منها لتحسين القرارات المستقبلية.

ويُعرف هذا الأسلوب باسم "الحلقة المغلقة لاتخاذ القرار" (Closed-loop Decision Making)، حيث يقيّم النظام نتائج كل قرار ويعدل سلوكه باستمرار اعتمادا على البيانات الجديدة.

الشركات غير البشرية تقوم على استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين لإدارة وظائف مثل المالية والموارد البشرية وسلاسل الإمداد (شترستوك)
البنية التقنية المطلوبة

لا يمكن تشغيل شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي دون بنية تحتية قوية تشمل حوسبة سحابية عالية الأداء لاستضافة النماذج وتشغيلها، وقواعد بيانات لحظية لمعالجة البيانات فور ورودها، وبنية بيانات موحدة تربط جميع أقسام الشركة، وأنظمة مراقبة تسمح للبشر بمتابعة أداء الوكلاء والتدخل عند الحاجة.

فيما تشير دراسات حول جاهزية دول أمريكا اللاتينية للذكاء الاصطناعي إلى أن نجاح مثل هذه المبادرات يعتمد بدرجة كبيرة على توافر البنية الرقمية، والطاقة، والاتصالات، والكوادر التقنية، وليس على التشريعات وحدها.

أنظمة الوكلاء المتعددين.. العمود الفقري للشركة الذكية

يُعد مفهوم أنظمة الوكلاء المتعددين (Multi-Agent Systems) من أهم التقنيات التي تجعل فكرة "الشركات غير البشرية" قابلة للتطبيق، فبدلا من الاعتماد على نموذج ذكاء اصطناعي واحد، يتم توزيع المسؤوليات على مجموعة من الوكلاء المتخصصين، بحيث يمتلك كل وكيل دورا محددا وصلاحيات واضحة، ويتواصل مع الوكلاء الآخرين لتنسيق العمل واتخاذ القرارات.

فعلى سبيل المثال، قد يتولى وكيل تحليل السوق مراقبة تغيرات الأسعار وسلوك العملاء، بينما يدير وكيل آخر المخزون وسلسلة التوريد، ويتولى وكيل ثالث إدارة الموارد المالية، في حين يعمل وكيل رابع على خدمة العملاء والتفاعل معهم عبر القنوات الرقمية. ويقوم "وكيل منسق" بجمع مخرجات هؤلاء الوكلاء وتحويلها إلى خطة تشغيلية متكاملة.

حيث تشير أبحاث منشورة على منصة أركسيف (arXiv) إلى أن هذا النموذج يمثل أحد أبرز الاتجاهات في تطوير الذكاء الاصطناعي المؤسسي، لأنه يتيح توزيع المهام وتحسين الكفاءة والمرونة مقارنة بالاعتماد على نموذج واحد متعدد الوظائف.

كما بدأت شركات مثل مايكروسوفت وغوغل كلاود (Google Cloud) وسيلز فورس (Salesforce) في تطوير منصات تتيح بناء وكلاء ذكاء اصطناعي يتعاونون لإنجاز مهام الأعمال داخل المؤسسات، وهو ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة "الوكيل المستقل".

روبوتات تعمل في إحدى الشركات (الجزيرة/مولدة بالذكاء الاصطناعي)
التكامل مع الأنظمة المؤسسية

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إدارة شركة بمعزل عن الأنظمة الرقمية القائمة، لذلك يعتمد نجاح هذا النموذج على التكامل مع البنية التحتية للمؤسسة عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs).

إعلان

فعند اتخاذ قرار بشراء مواد خام، يستطيع وكيل الذكاء الاصطناعي التواصل مباشرة مع نظام تخطيط موارد المؤسسة، ثم مراجعة المخزون، وإرسال أمر الشراء، وتحديث السجلات المالية، وإبلاغ قسم الخدمات اللوجستية، وكل ذلك خلال ثوان دون تدخل بشري مباشر.

ويُعد هذا المستوى من التكامل أحد أهم أسباب اهتمام المؤسسات الكبرى بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، إذ تشير تقارير غارتنر (Gartner) إلى أن المؤسسات تتجه نحو استخدام وكلاء قادرين على تنفيذ العمليات، وليس فقط تقديم التوصيات، مع توقع توسع هذا التوجه خلال السنوات المقبلة.

الأمن السيبراني.. التحدي الأكبر

كلما ازدادت صلاحيات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة، ارتفعت المخاطر الأمنية، فإذا تمكن النظام من الوصول إلى الحسابات البنكية أو بيانات العملاء أو أنظمة الإنتاج، فإن أي اختراق أو خطأ برمجي قد يؤدي إلى خسائر كبيرة.

ولذلك، تعتمد الشركات التي تستخدم هذا النوع من الأنظمة على مجموعة من الضوابط التقنية، منها تطبيق مبدأ أقل الامتيازات (Least Privilege) بحيث يحصل كل وكيل على الحد الأدنى من الصلاحيات اللازمة، واستخدام المصادقة متعددة العوامل وإدارة الهويات الرقمية، وتسجيل جميع القرارات والعمليات في سجلات تدقيق (Audit Logs) قابلة للمراجعة، بالإضافة إلى الإبقاء على الإنسان داخل دائرة القرار (Human-in-the-Loop) عند تنفيذ العمليات الحساسة مثل التحويلات المالية أو توقيع العقود.

وتؤكد الهيئات التنظيمية، بما في ذلك المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) في إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، أن الإشراف البشري، وإدارة المخاطر، وقابلية تفسير القرارات، تمثل عناصر أساسية لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه الأنظمة.

البنية التقنية تعتمد على الحوسبة السحابية ومعالجة البيانات الضخمة لضمان تشغيل مستمر وفي الوقت الفعلي (شترستوك)
هل نحن أمام شركة مستقلة بالكامل؟

رغم الطموحات الكبيرة، يرى معظم الخبراء أن مفهوم "الشركة التي يديرها الذكاء الاصطناعي بالكامل" ما زال بعيد المنال، فحتى مع التطور السريع في النماذج اللغوية والوكلاء الذكيين، لا تزال هذه الأنظمة تواجه تحديات مثل "الهلوسة"، وضعف القدرة على التعامل مع الحالات غير المتوقعة، والحاجة إلى رقابة بشرية في القرارات ذات الأثر القانوني أو المالي.

ولهذا السبب، فإن المبادرة الأرجنتينية لا تمنح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية مستقلة، بل تقترح نموذجا تكون فيه الإدارة التشغيلية مؤتمتة إلى حد كبير، مع استمرار وجود مسؤول بشري يتحمل المساءلة القانونية النهائية، وفق ما أوردته رويترز وفاينانشال تايمز (Financial Times).



إقرأ المزيد