أعنف انفجار في الكون.. نجم يختفي بالكامل دون أن يترك أثرا
الجزيرة.نت -

Published On 6/7/2026

منذ ستينيات القرن الماضي، تنبأ علماء الفيزياء الفلكية بوجود نوع استثنائي من انفجارات النجوم قادر على محو النجم بالكامل دون أن يترك وراءه ثقبا أسود أو نجما نيوترونيا. وظلت هذه الفكرة لعقود مجرد توقع نظري، بسبب ندرة هذه الانفجارات واستحالة رصدها مباشرة.

لكن دراستين حديثتين أعادتا هذا السيناريو إلى الواجهة؛ الأولى قدمت أقوى دليل غير مباشر على وجود هذا النوع النادر من المستعرات العظمى (Supernova)، والثانية نجحت لأول مرة في تصوير الشكل الحقيقي لانفجار نجم ضخم خلال ساعاته الأولى، لتمنح العلماء رؤية جديدة لآليات موت أكبر نجوم الكون.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ونُشرت الدراسة الأولى في مجلة "نيتشر" (Nature) بقيادة "هوي تونغ"، طالب الدكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش الأسترالية، بمشاركة "مايا فيشباخ" من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو.

أما الدراسة الثانية فنُشرت في "ساينس أدفانسز" (Science Advances) بقيادة "يي يانغ" من جامعة "تسينغهوا" الصينية، بالاعتماد على رصد سريع باستخدام التلسكوب الكبير جدا (Very Large Telescope) التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي.

عندما يكون الانفجار أقوى من أن يترك بقايا

تنتهي حياة معظم النجوم الضخمة بانفجار مستعر أعظم، يترك خلفه عادة نجما نيوترونيا أو ثقبا أسود. لكن النجوم التي تتراوح كتلتها بين 140 و260 ضعف كتلة الشمس قد تسلك طريقا مختلفا تماما.

ويقول هوي تونغ: "رغم كتلها الهائلة، فإن هذه النجوم تعيش بضعة ملايين سنة فقط، أي أقصر بنحو ألف مرة من عمر الشمس، وكأنها ألعاب نارية عملاقة تحترق بسرعة قبل أن تنفجر".

بعض النجوم العملاقة قد تتلاشى بالكامل في انفجار عدم استقرار الأزواج دون أن تترك ثقبا أسود (الجزيرة/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

داخل هذه النجوم تبلغ درجات الحرارة مستويات هائلة تجعل فوتونات الضوء عالية الطاقة تتحول إلى أزواج من الإلكترونات والبوزيترونات، فيضعف الضغط الذي كان يقاوم الجاذبية. وعندها ينهار قلب النجم فجأة، ثم ينفجر انفجارا نوويا حراريا عنيفا يمزق النجم بالكامل، فلا يبقى أي جسم مضغوط بعده.

إعلان

وتعرف هذه الظاهرة باسم المستعر الأعظم الناتج عن عدم استقرار الأزواج.

أين اختفت الثقوب السوداء؟

بحث فريق الدراسة في بيانات 153 زوجا من الثقوب السوداء التي كُشفت عبر موجات الجاذبية، مع استبعاد الثقوب السوداء الناتجة عن اندماجات سابقة.

وأظهرت النتائج غيابا واضحا لثقوب سوداء تتراوح كتلها بين 44 و116 كتلة شمسية، وهي المنطقة التي وصفها الباحثون بأنها "النطاق المحظور".

وترى "مايا فيشباخ" أن أفضل تفسير لهذا الفراغ هو أن النجوم التي يُفترض أن تنتج ثقوبا سوداء ضمن هذا المجال الكتلي، تدمر نفسها بالكامل قبل أن تترك أي بقايا.

وقالت: "في معظم الحالات تنتج النجوم الضخمة ثقوبا سوداء، لكن بعد تجاوز حد معين من الكتلة، تفرض الفيزياء مسارا مختلفا، فلا يبقى أي أثر للنجم".

ورغم أن العلماء رصدوا سابقا انفجارات شديدة اللمعان قد تكون مرشحة لهذا النوع، فإن الدراسة الحالية تمثل أقوى دليل غير مباشر حتى الآن.

أول صورة لشكل الانفجار بعد ساعات من بدايته

وفي إنجاز موازٍ، نجح فريق دولي بقيادة "يي يانغ" في توجيه التلسكوب الكبير جدا نحو المستعر الأعظم "2024 جي جي آي" (SN 2024ggi) بعد 26 ساعة فقط من اكتشافه داخل المجرة "3621" (NGC 3621)، الواقعة على بعد نحو 22 مليون سنة ضوئية.

ويعد هذا الانفجار مثالا تقليديا لموت نجم عملاق أحمر كتلته بين 12 و15 ضعف كتلة الشمس. وقد استخدم العلماء تقنية الاستقطاب الطيفي، التي تكشف شكل الانفجار حتى عندما يبدو النجم مجرد نقطة ضوئية.

وقال ديتريش باده، عالم الفلك في المرصد الأوروبي الجنوبي: "لعدة ساعات فقط أمكننا رؤية شكل النجم والانفجار معا، وهي مرحلة لا يمكن رصدها بعد يوم واحد".

التلسكوب الكبير جدا يكشف لأول مرة الشكل الهندسي الحقيقي لانفجار المستعر الأعظم في ساعاته الأولى (ساينس أدفانسز)

وكشفت القياسات أن المادة المقذوفة خرجت في البداية على هيئة شكل يشبه حبة الزيتون، ثم أصبحت أكثر تسطحا مع استمرار تمدد الانفجار، مع احتفاظه بمحور تناظر واضح.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تستبعد بعض النماذج الحالية لانفجارات النجوم، وتدعم نماذج أخرى تعتمد على وجود محور انفجار رئيسي.

خطوة جديدة لفهم موت النجوم

ويؤكد العلماء أن الجمع بين رصد موجات الجاذبية، والمراقبة المباشرة للمستعرات العظمى، يمنح الفيزياء الفلكية أدوات غير مسبوقة لفهم المراحل الأخيرة من حياة النجوم العملاقة.

وقال فرديناندو باتات، عالم الفلك في المرصد الأوروبي الجنوبي: "لا تعيد هذه النتائج تشكيل فهمنا لانفجارات النجوم فحسب، بل تُظهر أيضا ما يمكن أن يحققه التعاون العلمي السريع والعابر للحدود".

ويأمل الباحثون أن تساعد المراصد المستقبلية في العثور على المزيد من هذه الانفجارات النادرة، واختبار النماذج النظرية التي ظلت لعقود طويلة دون دليل رصدي مباشر.

أخيرا، حين ينفجر نجم، لا يعلن فقط نهاية حياته، بل يكتب فصلا جديدا في قصة الكون. وبعض النجوم تبلغ من العظمة حدا يجعلها تختفي بالكامل، وكأنها تضحي بنفسها لتمنح الكون عناصر جديدة وأسرارا أعمق.



إقرأ المزيد