الجزيرة.نت - 7/6/2026 1:53:08 PM - GMT (+3 )
تتقدم أزمة النقص البشري في إسرائيل من مستوى الأرقام العسكرية إلى مستوى التهديد البنيوي، فالمشكلة لا تتعلق بجيش يحتاج آلاف الجنود فحسب، بل بمشروع استيطاني يطلب مئات آلاف السكان الجدد لتحويل الضفة الغربية إلى نقطة ارتكاز ديمغرافية وأمنية دائمة.
وبين هذا وذاك، تتكشف معضلة دولة توسع جبهاتها وحدود طموحها، لكنها لا تملك ما يكفي من البشر لحمل هذا العبء.
في النصوص العبرية الحديثة، يبرز هذا التهديد بوضوح عبر مسارين متوازيين: الأول عسكري تكتيكي، والثاني سياسي استيطاني.
جيش ناقصعلى المسار العسكري، عرض العميد شاي طيب، رئيس شعبة التخطيط وإدارة القوى البشرية في الجيش، معطيات مقلقة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وبحسب تقرير نشره شاحر إيلان في صحيفة "كالكاليست" يوم 20 مايو/أيار 2026، يعاني الجيش نقصا يبلغ 12 ألف جندي، بينهم ما بين 6 آلاف و7500 جندي قتالي، وقد يرتفع العجز إلى 17 ألفا في عام 2027 إذا تقلصت مدة الخدمة إلى 30 شهرا.
الأخطر أن العميد طيب ترجم الرقم إلى معنى عملياتي، إذ قال إن تقليص الخدمة "سيسبب انهيار منظومة الاحتياط ويدفع الجيش النظامي إلى الحافة"، وقد يؤدي إلى فقدان 4 أو 5 كتائب نظامية.
وأشار إلى معنى عملياتي خطير، إذ توقع أن يسبب تقليص الخدمة انهيارا لمنظومة الاحتياط ويدفع الجيش النظامي إلى الحافة، مما قد يؤدي إلى فقدان 4 أو 5 كتائب نظامية. هذه الأرقام تحول النقص من فجوة إدارية إلى تهديد مباشر لقدرة إسرائيل على توزيع قواتها عبر الجبهات المتعددة في غزة ولبنان وسوريا.
احتياط مستنزف
على الطرف الآخر، يبرز المسار الاستيطاني كإجابة يمينية على سؤال الأمن، ففي تقرير لصحيفة يسرائيل هيوم مطلع عام 2026، كشف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن "خطة المليون مستوطن" الهادفة لربط منطقة "غوش دان" بشمال الضفة خلال 45 دقيقة عبر خطة طرق تبلغ تكلفتها 7 مليارات شيكل (نحو 1.86 مليار دولار)، مؤكداً أن حكومته تسعى لخلق "حزام أمني غير قابل للعكس"، يضع هذا التصريح المستوطن المدني في قلب معادلة الردع والسيطرة.
إعلان
وأضاف سموتريتش: "من يريد جلب مليون مستوطن يحتاج طرقا سريعة"، كاشفاً عن رصد 7 مليارات شيكل لخطة طرق خمسية.
وتظهر خطة سموتريتش للطرق كأداة جذب ديمغرافي وسياسي. فقد ربط سموتريتش الاستيطان بالأمن حين قال: "من دون يهودا والسامرة القوية، كفار سابا ستكون كفار عزة ونتانيا ستكون بئيري"، مضيفاً أن حكومته تصنع "حزاماً أمنياً غير قابل للعكس".
وبهذا يضع تصريح سموتريتش المستوطن في مكانه المرسوم له من قبل عام 1948 من ساكن مدني إلى عنصر في معادلة الردع والسيطرة.
احتياط مستنزف
وتتضح هشاشة القوة البشرية العسكرية أكثر في ملف الاحتياط، ففي تقرير نشرته نيتسان شابيرا في القناة 12 (Channel 12)، يوم 17 مايو/أيار 2026، بعنوان "في الجيش يحذرون: من دون تشريع في ملف التجنيد ستتعطل المنظومة"، عرضت القناة معطيات عن "تآكل عميق" في صفوف القوات النظامية والاحتياط نتيجة القتال في 7 ساحات، إضافة إلى آلاف المصابين الذين خرجوا من الجاهزية البشرية.
وبحسب التقرير نفسه، كان التخطيط الأصلي لعام 2026 أن يخدم جندي الاحتياط نحو 55 يوما، لكن الواقع قد يدفعه إلى 80 أو 100 يوم، مقارنة بـ21 يوما كل 3 سنوات قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
كتلة بعيدة
وفي المقابل، تكشف أرقام مجلس مستوطنات الضفة الغربية "يشع" أن هدف "المليون مستوطن" بعيد عن الواقع الديمغرافي.
ففي تقريره السكاني المنشور في يناير/كانون الثاني 2026 عن سكان مستوطنات الضفة الغربية وغور الأردن، وهو مصدر استيطاني داخلي مهم، بلغ عدد الإسرائيليين هناك 540 ألفا و327 شخصا في نحو 150 مستوطنة. وسجل عام 2025 زيادة بلغت 10623 شخصا فقط، بنسبة نمو 2.01%.
هذه الأرقام تفتح الفجوة بين الخطاب والواقع، فسموتريتش يحتاج إلى نحو 460 ألف مستوطن إضافي للوصول إلى رقم المليون، بينما الزيادة السنوية الأخيرة لا تتجاوز 10.6 آلاف. وحتى لو تسارعت مشاريع الطرق والبناء، فإن تحويل الضفة إلى كتلة بشرية إسرائيلية ضخمة يحتاج سنوات طويلة، ومجتمعاً مستعداً للانتقال، وجيشاً قادراً على حماية هذا الانتشار.
حارس المستوطن
هنا يلتقي النقصان، فكل بؤرة أو مزرعة استيطانية أو مستوطنة جديدة تحتاج حماية، وكل حماية تحتاج جنوداً.
ونقل تقرير لإليشع بن كيمون (Elisha Ben Kimon)، نشره واي نت (Ynet)، تحذيراً لرئيس الأركان إيال زامير داخل الكابينت من أن الجيش "سينهار" إذا لم تُحل أزمة تجنيد الحريديم، وتمديد الخدمة، وقانون الاحتياط، وقال زامير، بحسب التقرير، إن قوات الاحتياط "لن تصمد"، وإنه يرفع "10 أعلام حمراء".
الأهم أن التقرير ربط بين شرعنة البؤر والمزارع الاستيطانية في الضفة وبين أزمة القوة البشرية. فقد ذكر، نقلاً عن نقاش الكابينت، أن الجيش نقل كتيبة إضافية إلى الضفة لمواجهة العنف القومي اليهودي، وأن قيادة المنطقة الوسطى قد تحتاج إلى كتيبة أخرى.
إعلان
كما حذر زامير من أن شرعنة عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية لا تنسجم مع حاجات الجيش، لأن حجم القوات المطلوبة "يتزايد ويكبر".
ضمّ البشر
ولم يتراجع سموتريتش أمام هذا التناقض، بل دفعه خطوة أخرى، ففي تقرير نشرته شيريت أفيتان كوهين وداني زكين في يسرائيل هيوم، يوم 11 مايو/أيار 2026، عقب نقاش العقوبات الأوروبية على مستوطنين ومنظمات يمينية، قال سموتريتش إنه وضع على طاولة رئيس الوزراء خطة لنقل مناطق إستراتيجية في الضفة من A وB إلى C، ودعا إلى اجتماع للكابينت لإقرارها، ثم قال إن "يهودا والسامرة هي حزام الأمن لإسرائيل".
ويمنح التقرير نفسه صورة أوسع عن العقل الاستيطاني الراهن، إذ نقل عن دانييلا فايس، من حركة "نحالا" (Nachala) الاستيطانية، أن البناء سيستمر في الضفة، وأن الطريق "الصهيونية" الصحيحة تمتد إلى إقامة مستوطنات في كل مكان، بما في ذلك غزة ولبنان.
وبهذا يصبح نقص المستوطنين جزءاً من أزمة أكبر ضمن مشروع سياسي يريد توسيع الجغرافيا البشرية اليهودية، لكنه يصطدم بسؤال القدرة على توفير السكان والحراس والميزانيات.
تهديد بنيوي
وتكشف المصادر العبرية أن النقص البشري لدى إسرائيل تحول إلى تهديد لأنه يضرب ركيزتين معاً: الجيش الذي يدير الحرب، والاستيطان الذي يقدمه اليمين بوصفه أداة أمن.
فالجيش يفتقد آلاف الجنود، والاحتياط يقترب من حدود الإنهاك، والحريديم يبقون عقدة التجنيد، بينما لا يملك مشروع "المليون مستوطن" كتلة بشرية قريبة تكفي لتحويل الضفة إلى سد ديمغرافي سريع.
الخلاصة أن إسرائيل لا تعاني نقصاً في السلاح فقط، بل في الإنسان القادر على حمل مشروعها الأمني والسياسي. وحين تحتاج الدولة إلى جنود لا يتوافرون، ومستوطنين لا يأتون بالسرعة المطلوبة، يتحول البشر أنفسهم إلى نقطة الضعف الأبرز في معادلة الأمن الإسرائيلية.
إقرأ المزيد


