الناتو في عهد ترمب.. من تحالف دفاعي إلى "صفقة تجارية"
الجزيرة.نت -

Published On 6/7/2026

مع اقتراب انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة، تتزايد المخاوف الأوروبية من أن تكون القضايا الجوهرية المتعلقة بأمن القارة ومستقبل الردع الجماعي قد تراجعت لصالح حسابات مالية وتجارية يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وتجمع منابر بوليتيكو وفايننشال تايمز ووول ستريت جورنال على أن الناتو يمر بمرحلة مفصلية تتهدد تماسكه ومستقبله وتتفق على أن شخصية ترمب وسياساته أصبحت العامل الأكثر تأثيرا في مستقبل التحالف.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ترمب وتعريف الحلف

ويرى موقع بوليتيكو أن ترمب نجح في إعادة تشكيل الناتو بما يتوافق مع رؤيته القائمة على المعاملات التجارية أكثر من الشراكات الإستراتيجية. فالحلف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على أساس الدفاع المشترك والقيم الديمقراطية المشتركة، أصبح -وفق الموقع- أقرب إلى منصة اقتصادية تركز على حجم الإنفاق العسكري وصفقات السلاح.

وبحسب تقرير تحليلي بالموقع، فإن ترمب دفع الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي بصورة غير مسبوقة، كما شجعها على شراء مزيد من الأسلحة الأمريكية. وأصبح نجاح القمم الأطلسية يقاس، في نظر واشنطن، بحجم العقود الدفاعية والاستثمارات الجديدة أكثر مما يقاس بمستوى التنسيق السياسي أو التقدم في مواجهة التهديدات الأمنية.

ويشير التقرير إلى أن مسؤولين أوروبيين باتوا يتعاملون بحذر مع البيت الأبيض مطبخ القرار الأمريكي، محاولين تجنب أي صدام مباشر مع واشنطن، في ظل استمرار اعتماد أوروبا على القدرات العسكرية الأمريكية، رغم تنامي الرغبة الأوروبية في بناء استقلالية دفاعية أكبر.

بين القوة والضعف

وفي افتتاحيتها، تقدم فايننشال تايمز تقييما مزدوجا لوضع الناتو، معتبرة أنه أصبح أقوى من ناحية وأضعف من ناحية أخرى.

فمن جهة أولى، أدى ضغط ترمب المستمر إلى زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي بشكل كبير، إذ ضخت الدول غير الأمريكية عشرات المليارات الإضافية في التسلح ورفع الجاهزية العسكرية. كما استفادت الجيوش الأوروبية من الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية، سواء في مجالات الابتكار العسكري أو التكيف مع الحروب الحديثة.

إعلان

لكن الصحيفة ترى أن هذه المكاسب تقابلها خسارة أكثر خطورة تتمثل في تراجع الثقة الأوروبية بالتزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها إذا تعرضوا لهجوم. فالمشكلة لم تعد تقتصر على مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من الأعباء، بل تتعلق بوجود شكوك متزايدة بشأن استعداد إدارة ترمب للوفاء بالتعهدات الأمنية التقليدية التي شكلت أساس الردع الأطلسي لعقود.

وترى الصحيفة أن الحلف لا يزال قادرا نظريا على التوصل إلى "صفقة كبرى" جديدة تقوم على تحمل أوروبا المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي، مقابل استمرار المظلة النووية الأمريكية، غير أن غياب الثقة في توجهات ترمب يجعل هذا السيناريو محفوفا بالشكوك.

شبح الانسحاب الأمريكي

أما هيئة تحرير "وول ستريت جورنال" فتضع قضية الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا في صدارة التحديات المطروحة أمام القمة.

وتحذر الصحيفة من أن أي انسحاب أو تقليص سريع للقوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا سيبعث برسالة خاطئة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد يشجعه على اختبار تماسك الحلف أو استغلال أي فجوات دفاعية محتملة.

وترفض الصحيفة خطاب ترمب القائل إن الولايات المتحدة لا تجني فوائد من إنفاقها على الناتو، مؤكدة أن الحفاظ على الاستقرار الأوروبي ليس عملا خيريا بل مصلحة أمريكية مباشرة أثبتت أهميتها عبر تجارب القرن العشرين وما شهده من حروب كبرى.

كما تتقاطع الصحيفة مع فايننشال تايمز في التحذير من أن تقليص الالتزام الأمريكي قد يضعف الردع الجماعي ويزيد من احتمالات المغامرات الروسية في شرق أوروبا.

أوروبا بين التبعية والاستقلال

وتجمع المصادر الثلاثة على أن أوروبا تواجه اليوم معضلة معقدة. فمن ناحية، لا تزال القدرات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية تمثل العمود الفقري للدفاع الأوروبي. ومن ناحية أخرى، باتت العواصم الأوروبية تدرك أن استمرار الاعتماد الكامل على واشنطن أصبح خيارا محفوفا بالمخاطر في ظل التقلبات السياسية الأمريكية.

ولهذا السبب تتزايد الدعوات الأوروبية لتسريع الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات بصورة تقلل الاعتماد على الدعم الأمريكي.

أي مستقبل؟

في النهاية، تشير المنابر الثلاثة إلى أن قمة أنقرة قد تتحول إلى مناسبة للاحتفاء بالأرقام الكبيرة المتعلقة بزيادة الإنفاق العسكري وصفقات السلاح، أكثر من كونها منصة لمعالجة الأسئلة المصيرية التي تواجه الحلف.

ويبقى السؤال الأبرز الذي يخيّم على القمة: هل يستطيع الناتو التكيف مع مرحلة أصبحت فيها الولايات المتحدة أقل التزاما بالدفاع عن أوروبا، أم أن الحلف يدخل بالفعل مرحلة جديدة عنوانها تراجع التضامن التقليدي وصعود منطق المصالح والمعاملات؟

المصدر: بوبليكو + بوليتيكو + فايننشال تايمز + وول ستريت جورنال



إقرأ المزيد