الجزيرة.نت - 7/5/2026 12:08:50 PM - GMT (+3 )
Published On 5/7/2026
في عالمنا اليومي، تبدو الأشياء واضحة جدا، فإذا ألقيت كرتين صغيرتين نحو حاجز يقسم الطريق إلى مسارين، فمن الطبيعي أن تتوقع أن تذهب إحداهما يمينا والأخرى يسارا، أو أن تختارا الطريق نفسه بالمصادفة.
لكن في العالم الكمي، حيث تعيش الذرات والفوتونات وبقية الجسيمات الصغيرة، لا تسير الأمور بهذه البساطة، فأحيانا لا تتصرف الجسيمات ككرات مستقلة، بل كأنها موجات متداخلة تعرف بوجود بعضها بعضا.
هذا بالضبط ما أعادت تجربة حديثة إظهاره، فقد نجح فريق من الفيزيائيين في رصد ما يعرف باسم تداخل هونغ-أو-ماندل، ليس باستخدام فوتونين فقط كما في التجارب الكلاسيكية، بل باستخدام ما يصل إلى 12 ذرة روبيديوم متطابقة، في تجربة نشرت في دورية "نيتشر فيزكس" (Nature Physics).
لفهم الفكرة، تخيل التجربة السابقة التي تضم بابين للخروج، وجسيمين صغيرين يدخلان إلى جهاز يقسم المسار بينهما. في الفيزياء العادية، يمكن أن يخرج كل جسيم من باب مختلف، أما في حالة تأثير هونغ-أو-ماندل، فإذا كان الجسيمان متطابقين تماما ولا توجد طريقة لتمييز أحدهما عن الآخر، فإن الاحتمال الذي يقول إن كل واحد سيخرج من باب مختلف يختفي تقريبا، والسبب في ذلك أنهما في ميكانيكا الكم لا يعودان كيانين مستقلين بالطريقة التي نتخيلها.
رصد هذا التأثير أول مرة عام 1987 باستخدام فوتونين، والفوتونات هي جسيمات الضوء، ومنذ ذلك الوقت أصبح من التجارب الشهيرة في هذا النطاق، لكن الجديد في الدراسة الأخيرة أن الباحثين نقلوا الفكرة إلى الذرات، ووسعوها من جسيمين إلى عدة جسيمات تتداخل جميعا في الوقت نفسه.
بدأ الفريق بتبريد ذرات الروبيديوم إلى درجات قريبة جدا من الصفر المطلق، وهي ظروف تصبح فيها الذرات هادئة إلى حد يسمح بظهور سلوكها الكمي بوضوح، فعند هذه البرودة، يمكن للذرات أن تدخل في حالة خاصة تسمى تكاثف بوز-أينشتاين (Bose-Einstein Condensate)، وهي حالة تصبح فيها مجموعة من الذرات كأنها موجة كمية واحدة كبيرة، لا مجرد ذرات منفصلة تتحرك عشوائيا.
إعلان
استخدم الباحثون بعد ذلك حالات مغزلية مختلفة للذرات، ونبضات ميكروويف عملت كأنها "مقسم حزمة" شبيه بما يستخدم في تجارب الضوء.
لكن الصعوبة الكبرى لم تكن فقط في جعل الذرات تتداخل، بل في عدها، فلكي يعرف العلماء نجاح التجربة، يجب عليهم معرفة كم ذرة خرجت من كل مسار، لذلك استخدم الباحثون طريقة تعتمد على إضاءة الذرات بحزم ليزر من اتجاهات مختلفة، في تقنية تجعل الذرات تبطؤ وتصدر ضوءا يمكن رصده.
عندما أُجريت التجربة على أعداد من الذرات تصل إلى 12 ذرة، ظهرت علامات واضحة على أن ما يحدث ليس مجرد صدفة، فقد لاحظ الفريق أن الذرات لا تتوزع عشوائيا بين المخرجين، بل تظهر أنماط محددة تشير إلى أن عددا كبيرا من الذرات يميل إلى التجمع في مخرج واحد بدلا من الانقسام بالتساوي، وهذا ما يتوقعه التأثير الكمي.
تطبيقات واسعةقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد استعراض غريب من غرائب ميكانيكا الكم، لكنه أعمق من ذلك، فهذه الحالات الكمية يمكن أن تساعد مستقبلا في تطبيقات عملية، قد تمتد إلى ما يسمى مقاييس التداخل الذرية (Atomic Interferometry)، وهي أدوات تستخدم الذرات لقياس تغيرات دقيقة جدا في الجاذبية أو الحركة أو الزمن أو المجالات الفيزيائية.
وكلما زادت القدرة على التحكم في الذرات وعدّها وتشابكها، أصبح من الممكن بناء حساسات أدق، قد تفيد في الملاحة، والجيوديسيا (Geodesy)، ورصد تغيرات الجاذبية، وربما في اختبارات أساسية لميكانيكا الكم نفسها.
إقرأ المزيد


