الجزيرة.نت - 7/4/2026 10:24:55 AM - GMT (+3 )
منذ اللحظة الأولى في رحم الأم وحتى النفس الأخير، لا يتوقف القلب عن العمل. لا يأخذ إجازة، ولا يطلب استراحة، بل يواصل النبض في صمت، دافعا الدم والحياة إلى كل خلية في الجسم. ومع ذلك، فإننا غالبا لا نلتفت إليه إلا عندما يتعثر.
القلب لا يتحدث بالكلمات، لكنه يملك لغته الخاصة؛ نبضة سريعة قد تنبه إلى قلق أو إجهاد، وخفقان مفاجئ قد يستوقف صاحبه، وألم في الصدر قد يكون أول جرس إنذار حقيقي. والمشكلة أن هذه الرسائل قد تأتي خافتة أو متأخرة أو متخفية خلف أعراض أخرى، فيضيع وقت ثمين كان يمكن أن يغير مسار المرض.
مضخة صغيرة بحسابات دقيقةلا يتجاوز حجم القلب حجم قبضة اليد تقريبا، ويقع في منتصف الصدر مع ميل بسيط نحو الجهة اليسرى، محميا خلف القفص الصدري. ورغم صغر حجمه، فهو عضو بالغ التعقيد، يتكون من أربع حجرات: أذينين يستقبلان الدم، وبطينين يضخان الدم إلى الرئتين وبقية الجسم.
وتفصل بين هذه الحجرات أربعة صمامات تعمل كأبواب أحادية الاتجاه، تسمح بمرور الدم إلى الأمام وتمنع رجوعه إلى الخلف، بما يحافظ على كفاءة الضخ وانتظام الدورة الدموية.
ولا يعتمد القلب في عمله على العضلات وحدها، بل يمتلك جهازا كهربائيا داخليا يبدأ من العقدة الجيبية الأذينية، وهي المولد الطبيعي للنبض، ثم تنتقل الإشارة عبر العقدة الأذينية البطينية وألياف التوصيل، لتضمن انقباض حجرات القلب بتسلسل دقيق ومنتظم.
والمفارقة أن هذه المضخة التي تغذي الجسم كله تحتاج هي نفسها إلى تغذية مستمرة عبر الشرايين التاجية التي تلتف حول عضلة القلب وتمدها بالأكسجين والغذاء. وأي خلل يصيب هذه الشرايين يقف غالبا خلف أخطر أمراض القلب.
رغم دقة تصميم القلب، فإنه ليس منيعا. فالسنوات الطويلة من التعرض لعوامل الخطر قد تحول هذا العضو المنضبط إلى عضو مرهق يعاني في صمت، قبل أن يعلن مرضه فجأة.
إعلان
تبدأ القصة غالبا من تصلب الشرايين، وهي عملية صامتة قد تستمر سنوات بلا أعراض. ففي البداية تتضرر البطانة الداخلية للشريان نتيجة ارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع الكوليسترول الضار، أو التدخين، أو السكري. ومع الوقت، تتكون داخل جدار الشريان ترسبات دهنية تُعرَف باللويحات العصيدية، تكبر تدريجيا وتؤدي إلى تضيق الشريان.
وهناك عوامل لا يمكن التحكم فيها، لكنها تزيد الخطر، مثل التقدم في العمر، والتاريخ العائلي للإصابة المبكرة بأمراض القلب، وبعض الفروق المرتبطة بالجنس. فالنساء قبل سن اليأس يتمتعن غالبا بقدر من الحماية بفعل هرمون الإستروجين، لكن الخطر يتقارب بين الرجال والنساء بعد هذه المرحلة.
لذلك قد يصاب بعض الأشخاص بأمراض القلب رغم نمط حياتهم الصحي، لكن السيطرة على العوامل القابلة للتعديل تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية لتقليل الخطر الإجمالي.
الجلطة القلبية.. ليست انسدادا تدريجيا فقطيظن كثيرون أن الجلطة القلبية تحدث لأن الشريان يضيق تدريجيا حتى يغلق تماما. لكن كثيرا من الجلطات تحدث فجأة نتيجة تمزق لويحة عصيدية غير مستقرة، فتتكون جلطة تسد الشريان بشكل حاد وتمنع الدم عن جزء من عضلة القلب.
لهذا لا تكفي مراقبة الأعراض وحدها، لأن المرض قد يتطور في صمت. وتبقى الوقاية عبر ضبط ضغط الدم، والكوليسترول، والسكر، والإقلاع عن التدخين، وإجراء الفحوصات الدورية عند وجود عوامل الخطر، أفضل وسيلة للكشف المبكر وتقليل احتمال الإصابة.
وجوه متعددة لأمراض القلب
أمراض القلب ليست مرضا واحدا، بل مجموعة واسعة من الحالات. بعضها ينتج عن تصلب الشرايين، وبعضها يرتبط بالصمامات، أو اضطراب النظام الكهربائي، أو ضعف قدرة العضلة على الضخ.
ينتج مرض الشرايين التاجية عن تضيق أو انسداد الشرايين التي تغذي عضلة القلب. وتزيد احتمالات الإصابة به مع التدخين، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسمنة، وقلة النشاط البدني، ووجود تاريخ عائلي للمرض. وقد يبقى صامتا لسنوات، قبل أن يظهر في صورة ذبحة صدرية أو احتشاء عضلة القلب.
- الذبحة والاحتشاء.. إنذار وسباق مع الزمن
غالبا ما يصف المرضى الذبحة الصدرية بأنها ضغط أو ثقل أو انقباض في منتصف الصدر، وقد تمتد إلى الذراع اليسرى أو الفك السفلي أو الظهر. وتظهر عادة أثناء المجهود أو الانفعال، ثم تتحسن مع الراحة أو العلاج المناسب. وهي فرصة مهمة للتدخل المبكر قبل حدوث احتشاء عضلة القلب.
أما الاحتشاء فيحدث عندما ينسد أحد الشرايين التاجية انسدادا كاملا، فتبدأ خلايا عضلة القلب بالموت تدريجيا بسبب نقص الأكسجين. وهنا يصبح الوقت عاملا حاسما، لذلك يردد أطباء القلب عبارة شهيرة "الوقت يعني عضلة قلب".
يبدأ الاحتشاء غالبا بألم أو ضغط شديد في الصدر، قد يمتد إلى الذراع أو الفك، وقد يصاحبه ضيق في التنفس أو تعرق بارد أو غثيان أو دوخة. وعند ظهور هذه العلامات يجب التوجه فورا إلى الطوارئ.
لكن الصورة الكلاسيكية لا تظهر دائما، خاصة لدى النساء. فقد تكون الأعراض أقل وضوحا، مثل الإرهاق الشديد غير المبرر، أو الغثيان، أو ألم الفك أو الظهر من دون ألم صدري واضح، وهو ما قد يؤخر التشخيص والعلاج.
إعلان
ويجب التمييز بين احتشاء عضلة القلب والسكتة القلبية المفاجئة. فالاحتشاء يحدث غالبا بسبب انسداد شريان يمنع الدم عن جزء من العضلة بينما يستمر القلب في النبض، أما السكتة القلبية فتحدث نتيجة خلل كهربائي حاد يوقف القلب عن الانقباض، وهي حالة إسعافية تحتاج إلى إنعاش قلبي رئوي واستخدام جهاز الصدمة الكهربائية إن توفر.
- قصور القلب واضطراب النظم والصمامات
قصور القلب لا يعني أن القلب توقف عن العمل، بل يعني أنه لم يعد قادرا على ضخ الدم بالكفاءة التي يحتاجها الجسم. وقد يحدث بعد احتشاء سابق، أو بسبب ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه، أو أمراض الصمامات، أو اعتلال عضلة القلب، أو بعض الأمراض الوراثية.
وتشمل أعراضه ضيق النفس، خاصة مع المجهود أو عند الاستلقاء، وتورم الساقين والكاحلين، والتعب المستمر، وزيادة الوزن السريعة بسبب احتباس السوائل، والاستيقاظ ليلا بسبب ضيق التنفس المفاجئ.
وشهد علاج قصور القلب في السنوات الأخيرة تطورا واضحا، مع ظهور فئات دوائية حديثة أثبتت فاعليتها في خفض معدلات الوفيات، ومنها مثبطات SGLT2، وهي أدوية تقلل إعادة امتصاص الغلوكوز في الكلى، فيُطرَح جزء منه مع البول، وأظهرت فائدة مهمة في علاج قصور القلب لدى فئات من المرضى.
أما اضطرابات نظم القلب، فقد يشعر بها المريض على شكل خفقان، أو تسارع في النبض، أو تباطؤ شديد، أو دوخة، أو إغماء. ومن أكثرها شيوعا الرجفان الأذيني، وهو اضطراب يزيد احتمال تشكل خثرات داخل الأذين، قد تنتقل إلى الدماغ وتسبب سكتة دماغية إذا لم يُشخَّص المرض ويُعالَج بمضادات التخثر عند المرضى المناسبين.
وتعمل صمامات القلب على توجيه الدم في مساره الصحيح، لكن عندما يحدث تضيق أو ارتجاع في أحدها، يضطرب تدفق الدم، وقد تظهر أعراض مثل ضيق النفس، والتعب، والخفقان، أو الإغماء.
- ضغط الدم والسكري والكوليسترول
يعاني ملايين الأشخاص من ارتفاع ضغط الدم من دون أعراض، ولذلك يُعرَف بـ"القاتل الصامت". فاستمرار الضغط المرتفع يلحق ضررا تدريجيا بالشرايين، ويزيد خطر احتشاء عضلة القلب، والسكتة الدماغية، وقصور القلب، والفشل الكلوي، واعتلال شبكية العين. لذلك يعد قياس الضغط بانتظام، حتى لدى من يشعرون أنهم بصحة جيدة، من أبسط وسائل الوقاية.
ويزيد السكري من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وقد تتطور المشكلة أحيانا من دون أعراض واضحة. لذلك ينصح مرضى السكري بمتابعة عوامل الخطر القلبية بانتظام، ومراجعة طبيب القلب مرة واحدة على الأقل سنويا عند الحاجة للكشف المبكر.
أما الكوليسترول، فهو مادة ضرورية للجسم، لكن ارتفاع الكوليسترول الضار LDL أو انخفاض الكوليسترول النافع HDL يزيد خطر أمراض الشرايين. ولا يُقيَّم الخطر من رقم الكوليسترول وحده، بل من مجموع عوامل مثل العمر، وضغط الدم، والتدخين، والسكري، والتاريخ العائلي. كما أن ارتفاع الدهون الثلاثية قد يرتبط بزيادة خطر أمراض القلب، وغالبا ما يرتفع مع السمنة، والسكري، والإفرط في السكريات والكحول.
- التهاب حلق قد يؤذي القلب
ليست كل أمراض القلب قدرا محتوما. فبعضها يمكن منعه بخطوة بسيطة. ومن ذلك الحمى الروماتيزمية الحادة، التي قد تحدث بعد التهاب اللوزتين الجرثومي غير المعالج لدى الأطفال، وتترك آثارا خطيرة على صمامات القلب.
ولهذا يؤكد الأطباء أهمية عدم إهمال التهاب الحلق عند الأطفال، وضرورة تلقي العلاج المناسب عند ثبوت العدوى الجرثومية. فقد تكون بضعة أيام من العلاج الصحيح استثمارا في صحة القلب مدى الحياة.
يزيد السكري من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين (شترستوك)
عوامل يمكن تغييرهاتتشكل معظم عوامل الخطر القلبية من عادات يومية تتكرر لسنوات. والتدخين في مقدمتها، فهو لا يضر الرئتين فقط، بل يهاجم بطانة الشرايين مباشرة، ويسرع تكوّن اللويحات العصيدية، ويزيد خطر الجلطات. واللافت أن خطر الإصابة يبدأ في الانخفاض منذ الأيام والأسابيع الأولى بعد الإقلاع، مما يجعل القرار مفيدا في أي مرحلة.
إعلان
ولا تكمن خطورة السمنة في الوزن الزائد وحده، بل في نوع الدهون ومكانها. فالدهون الحشوية حول البطن ترتبط بزيادة الالتهاب، ومقاومة الإنسولين، وارتفاع ضغط الدم. أما الخمول البدني، فيزيد الخطر حتى لدى من لا يعانون من زيادة واضحة في الوزن، لأنه يقلل كفاءة القلب والدورة الدموية، ويضعف تنظيم السكر والدهون.
والنشاط البدني المنتظم، ولو كان معتدلا، يساعد على خفض ضغط الدم، وتحسين الكوليسترول، وزيادة حساسية الجسم للإنسولين، وينعكس إيجابا على القلب خلال فترة قصيرة نسبيا.
النوم والتوتر.. قلب وعقل في مسار واحدالنوم الجيد لم يعد رفاهية. فقد أظهرت الأبحاث أن قلة النوم المزمنة أو انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم يرتبطان بزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النظم، واحتشاء عضلة القلب.
كما لم يعد ممكنا الفصل بين الصحة النفسية وصحة القلب. فقد أصدرت جمعية القلب الأمريكية بيانا علميا يؤكد أن التوتر المزمن، والقلق، والاكتئاب، يمكن أن تؤدي إلى تنشيط مستمر لمحور الغدة النخامية والكظرية، وإحداث خلل في الجهاز العصبي اللاإرادي، بما يزيد خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
ويزيد التوتر الخطر بشكل غير مباشر أيضا، حين يدفع بعض الأشخاص إلى التدخين، أو الإفراط في الطعام، أو إهمال النشاط البدني. لكن هذا العامل قابل للتعديل عبر النشاط البدني، والنوم الكافي، والتأمل الذهني، وتمارين التنفس العميق.
هناك علامات لا تحتمل التأجيل:
- ألم أو ضغط شديد في منتصف الصدر يستمر أكثر من عدة دقائق أو يتكرر، وقد يمتد إلى الذراع أو الكتف أو الفك أو الظهر.
- ضيق نفس مفاجئ.
- تعرق بارد مع غثيان أو دوخة.
- فقدان الوعي.
- خفقان شديد مع دوار، أو ظهور مفاجئ لضعف في أحد الأطراف أو اضطراب في الكلام لاحتمال وجود سكتة دماغية.
عند ظهور أي من هذه الأعراض، يجب الاتصال بالطوارئ فورا، وتجنب قيادة السيارة إلى المستشفى قدر الإمكان. وإذا فقد شخص وعيه ولم يعد يتنفس بشكل طبيعي، فإن البدء بالإنعاش القلبي الرئوي CPR، واستخدام جهاز الصدمة الكهربائية الخارجي AED إن توفر، يمكن أن يضاعف فرص النجاة إلى حين وصول فريق الطوارئ.
كيف نحمي القلب؟
القلب رفيق العمر. ينبض في المتوسط أكثر من 3 مليارات مرة خلال نحو 80 عاما، ويضخ حوالي 7000 لتر من الدم يوميا عبر شبكة أوعية تمتد قرابة 100 ألف كيلومتر. يفعل ذلك ليلا ونهارا، دون أن يطلب راحة أو مقابلا.
وحمايته لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى التزام يومي بسيط: الابتعاد تماما عن التدخين، وممارسة النشاط البدني بانتظام بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيا، واختيار غذاء متوسطي يعتمد على الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والأسماك وزيت الزيتون، مع تقليل الملح والسكريات والدهون المصنعة.
كما تساعد المحافظة على وزن صحي ومحيط خصر مناسب في تقليل الدهون الحشوية. ويعد محيط الخصر الأقل من 80 سنتيمترا لدى النساء، والأقل من 94 سنتيمترا لدى الرجال، مؤشرا على انخفاض تراكم هذه الدهون، بينما ترتفع المخاطر الصحية كلما زادت هذه القيم.
وتكتمل الوقاية بضبط ضغط الدم والسكر والكوليسترول، والحصول على نوم كاف لا يقل عن 7 ساعات، وإجراء الفحوصات الدورية، خاصة عند وجود عوامل خطر أو تاريخ عائلي.
إقرأ المزيد


