الجزيرة.نت - 7/4/2026 2:03:44 AM - GMT (+3 )
كانت الولايات المتحدة في بداية نشأتها مع إعلان استقلال الولايات الثلاث عشرة لها في فيلادلفيا سنة 1776، مختبرا لأفكار أوروبا، ومجالا لتنزيل فلسفة الأنوار، والحقوق الطبيعية، والفصل بين السلطات، ثم ما لبث العالم- منذ نهاية الحرب العالمية الأولى- أن غدا مختبرا لها، ومجالا لتطبيق رؤاها.
سرى القول إن القرن العشرين هو قرن أمريكي؛ لأن الولايات المتحدة هي التي وضعت معالمه، وأرست توجهاته، منذ انغماسها في الحرب العالمية الأولى، وحسمها النزاع، ثم الشروع في وضع معالم نظام جديد، ذلك الذي تضمنته النقاط الأربع عشرة للرئيس ويلسون سنة 1919، إلى الوثيقة الأطلسية 1941، التي كانت إنجيل حركات التحرر، فإنشاء الأمم المتحدة، مرورا باندحار الاتحاد السوفياتي.
حتى إن القرن الواحد والعشرين بدأ أمريكيا، من خلال رؤى ومفاهيم طبعت العالم، وخرجت من رحم الولايات المتحدة، مثل نهاية التاريخ، وصراع الحضارات، والقوة الناعمة، أو تقنيات غيرت العالم، كلها من صنع أمريكي، كالإنترنت، والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي.
يقترن بالولايات المتحدة، ما أسماه الفرنسي دوتوكفيل بـ"فرادتها- exceptionnalism"، ويعتبر الأمريكيون إلى اليوم أن هذه "الفرادة" هي مدار هوية الولايات المتحدة.
يمكن تاريخيا، أن نجد سابقة تقترب من الملحمة الأمريكية، وهي روما، أو الإمبراطورية الرومانية، ولكن مدى الولايات المتحدة وتأثيرها يتجاوز بكثير مدى روما، لكن تبقى القرابة قائمة معها، وتشترك معها فيما كان يسميه الرومان بالسؤدد والهيبة "Imperium et Aura"، مما بعثه الأمريكيون عقب سقوط جدار برلين.
كان بديهيا أن يتأثر العالم العربي بالولايات المتحدة، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حين غدت القوة العالمية الأولى، وكان يُنظر إليها بكونها صديقة الشعوب، وأسهمت في استقلال وانعتاق كثير من دول العالم العربي التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار.
ظلت أمريكا تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها مشكلة لاجئين. بيد أن هذه الصورة أخذت تهتز مع انتفاضة أطفال الحجارة منذ 1988، في غزة أولا، ثم في الضفة، وهو ما أثّر على الرأي العام الأمريكي، وأسهم في تغيير الرؤية النمطية
السلم الأمريكي
إعلان
عقب الحرب العالمية الأولى، توجه وفد مصري بزعامة سعد زغلول، إلى فرنسا لحضور مؤتمر "فرساي" كي يعبر عن مطالب الشعب المصري في التحرر بناء على ما تضمنته النقاط الأربع عشرة بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وما إن وطئت أقدام الوفد المصري مارسيليا حتى بلغه بيان أمريكي، يدعم الحماية البريطانية على مصر. لم يكن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، من منظور ويلسون يعني إلا الأوروبيين.
لكن الاهتمام بالولايات المتحدة واهتمام دول العالم العربي بها، أخذ يتشكل في خضم الحرب العالمية الثانية، بعد الإعلان عن الوثيقة الأطلسية سنة 1941، وما تضمنته من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وحل ما سمي بالسلم الأمريكي "Pax Americana" محل ما كان ينعت بالزمن البريطاني "The British Moment"، الواضع لنواميس الشرق الأوسط وضوابطه.
أهم لحظة تعبر عن انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، هو اللقاء الذي جمع ما بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وملك السعودية عبدالعزيز آل سعود على ظهر البارجة "كوينسي" في 14 فبراير/شباط 1945، أو ما يسمى بحلف "كوينسي"، وبمقتضاه تم الاتفاق على عقد شراكات أمنية، واقتصادية بما يصب في صالح الطرفين، وظل هذا الحلف النواة لما أضحى يعرف بعقيدة ترومان 1949، الناظمة للعلاقات الأمريكية، في الشرق الأوسط، مع إدراج حماية إسرائيل.
كان ينظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها صديقة الشعوب، من خلال اصطفافها إلى جانب حركات التحرير، في بلاد المغرب، أو في تقديم المساعدات للشعوب الفقيرة، أو في موقفها الصارم ضد اعتداء كل من فرنسا وبريطانيا، إلى جانب إسرائيل ضد مصر، أو ما يعرف بالعدوان الثلاثي سنة 1956.
لكن السياسة الأمريكية حيال العالم العربي، تأثرت بسياق الحرب الباردة، والنزاع العربي الإسرائيلي. كان العالم العربي نفسه موضع تقاطب، وكانت صورة الولايات المتحدة، أخذت تهتز في وجدان الشعوب العربية، بعد حرب 67، بسبب اصطفافها التام إلى جانب إسرائيل.
وتحول الشعار "أمريكا صديقة الشعوب"، إلى "أمريكا عدوة الشعوب، يكفينا، يكفينا من الحروب" مما كانت تصدح بها حناجر الطلبة والعمال، في كافة عواصم العالم العربي. رعت الولايات المتحدة اللقاءات الأولية ما بين المصريين والإسرائيليين، في أعقاب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، والتي أفضت إلى اتفاق كامب ديفيد سنة 1978، وتعتبر اللبنة الثانية الأهم، إلى جانب حلف "كونيسي" في الشرق الأوسط.
ظلت أمريكا تنظر إلى القضية الفلسطينية بصفتها مشكلة لاجئين. بيد أن هذه الصورة أخذت تهتز مع انتفاضة أطفال الحجارة منذ 1988، في غزة أولا، ثم في قطاع غزة، وهو ما أثّر على الرأي العام الأمريكي، وأسهم في تغيير الرؤية النمطية التي كانت سائدة لدى أصحاب القرار في واشنطن، والمشرعين منهم.
كان خطاب الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة في يونيو/حزيران 2009، من المبادرات الجريئة، على مستوى الخطاب، لرؤية مغايرة حيال الإسلام والعالم العربي، من أصحاب القرار في واشنطن، ولكن الخطاب ذاك ظل في مستوى النوايا
النظام العالمي الجديد
إعلان
كانت اللحظة التي تؤشر على نهاية الحرب الباردة في العالم العربي، تراجيدية، أتت بعد اجتياح العراق للكويت، سنة 1990. قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا لإخراج العراق، وكان من تداعيات حرب الخليج، إطلاق ما سمي بالنظام العالمي الجديد. كانت واشنطن تحت اختبار الكيل بمكيالين.
ولذلك عمدت إلى احتضان مؤتمر مدريد في أكتوبر/تشرين الأول 1991، مباشرة بعد حرب الخليج، لحل قضايا الشرق الأوسط. ولم يعرف الملف اختراقا إلا بعد اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة "التحرير"، واحتضان "اتفاق" أوسلو في واشنطن 13 سبتمبر/أيلول 1991، وفق قواعد ناظمة، أولها أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، هو جوهر النزاع في الشرق الأوسط، ومعادلة الأرض مقابل السلام، والولايات المتحدة بصفتها وسيطا نزيها.
لم تستطع الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات المبرمة، وتنصلت عمليا، في سياق ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، من الملف الفلسطيني، لتنغمر في الحرب على الإرهاب، وتستعين ببعض الدول العربية، أمنيا، واستخباراتيا، بل في صياغة مخيال وبناء وتشكيل تصورات فكرية وذهنية.
كان خطاب الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة في يونيو/حزيران 2009، من المبادرات الجريئة، على مستوى الخطاب، لرؤية مغايرة حيال الإسلام والعالم العربي، من أصحاب القرار في واشنطن، ولكن الخطاب ذاك ظل في مستوى النوايا. عبرت الإدارة الأمريكية، عن تأييدها لتموجات الربيع العربي، في أول تشكلاته في تونس أولا (2010)، ثم مصر (2011)، ولكنها منذ مقتل السفير الأمريكي في بنغازي بليبيا في سبتمبر/أيلول 2011، رفعت يدها عن الحركية التي انتظمت وتعاقبت في العالم العربي.
وفي 2016، عبر الرئيس الأمريكي أوباما، في حوار لـ"أنتلانتك"، عن تحول اهتمام الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، لفائدة منطقة الباسفيك. وهو الحوار الذي قوبل باستهجان كبير من أصحاب القرار في العالم العربي.
لم تستطع الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات المبرمة، وتنصلت عمليا، في سياق ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، من الملف الفلسطيني، لتنغمر في الحرب على الإرهاب
العالم العربي في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى
بدأت معالم سياسية أمريكية جديدة، مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، في أغسطس/آب 2021، وإبرام حلف "أوكوس- AUKUS"، مع كل من بريطانيا وأستراليا (سبتمبر/أيلول 2021)، في أفق احتواء الصين، وتفعيل الاتفاق الرباعي مع كل من الهند، واليابان، وأستراليا المعروف بـ"كواد- QUAD".
تعرضت السياسة الأمريكية في عهد بايدن لاهتزازين كبيرين، كان لهما تداعيات عميقة على الشرق الأوسط، أولا الحرب الروسية الأوكرانية، وما نجم عنها من ارتفاع الطلب على البترول والغاز، جراء العقوبات المفروضة على روسيا، والاختبار الثاني، من طبيعة مغايرة، هو تداعيات الحرب على غزة، والاصطفاف التام للولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، عسكريا، واستخباراتيا، ودبلوماسيا، وهو ما عمق مأساة الغزيين، وثلم صورة الولايات المتحدة.
في ظل التوجه الجديد الذي تسلكه الولايات المتحدة مع ترمب، وتنأى عن الإرث "الويلسوني"، تبدو واشنطن، من غير إطار ناظم، عدا مرجعية اتفاق أبراهام الذي رعته في أغسطس/آب 2020.
بيد أن هذا الإطار اهتز بعد الحرب على غزة، والفظائع التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية ضد المدنيين العزل والمنشآت. لم تسهم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في توضيح الرؤية، بل زادت في خلط الأوراق.
خاضت الولايات المتحدة الحرب على إيران، من دون الأخذ بخيارات دول الخليج لتجنب مواجهة من شأنها أن تزيد الأمور تعقيدا. تبين تهافت "التحالفات الأمنية الأمريكية" التي لم تُثن إيران عن استهداف دول المنطقة، بما فيها المنشآت الحيوية.
إعلان
بدا أن الاتفاقيات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، هي عبء أكثر من أن تكون أصولا. لم تتستر الولايات المتحدة من الصدع بأن الأمن خدمة مدفوعة الأداء، وهو ما من شأنه أن ينسف المقاربة الإستراتيجية، ويحول عنها حلفاء الأمس.
ومن المؤكد أن العلاقات الأمريكية العربية، وبخاصة في الخليج والشرق الأوسط، مع تداعيات محتملة على بلاد المغرب، تدخل مرحلة جديدة، في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية، ومن شأنها أن تعيد النظر في الرأسمال المعنوي والريع الإستراتيجي الذي حظيت به الولايات المتحدة في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


