الجزيرة.نت - 7/3/2026 11:00:25 AM - GMT (+3 )
بين توثيق آلام الحرب ومصارعة الظروف المعيشية الخانقة يواجه الفنان التشكيلي في اليمن اليوم معركة شرسة للبقاء، إذ يتجلى بوضوح ذلك الشرخ الكبير والتباين الصارخ بين واقع الفن ما قبل النزاع وما آلت إليه الأوضاع الراهنة.
وفي ظل هذه الدوامة، يبذل المبدع اليمني جهودا مضنية للاستمرار وسط عوائق هائلة تتقدمها الظروف المعيشية القاسية التي باتت تحاصر الجميع، وهي المعاناة ذاتها التي تجبر الكثير من الفنانين على التخلي عن نتاجهم الفكري والروحي وبيعه بمبالغ زهيدة لا تسد رمق العيش، ليتحول الإبداع في نهاية المطاف من مساحة للجمال البصري إلى صرخة وجع صامتة ومحاولة مريرة للبقاء على قيد الحياة.
وفي زاوية صغيرة من "حي الإخوة" المطل على المناطق الشرقية لمدينة تعز، تجلس الشابة (ناعمة الشيباني) ترسم لوحاتها بريشتها المتواضعة وألوانها الجميلة، متخذة من هذا الحي الشاهد على ويلات الحرب، حيث تملأ طلقات الرصاص جدران المباني، ملاذاً للتعبير. وهناك التقينا بها لتروي تفاصيل رحلتها الفنية الممتدة منذ الصغر، وتحديداً منذ المدرسة الابتدائية، حيث تشير إلى بداياتها قائلة للجزيرة نت: "بدأت أرسم وأنا في الصف الرابع"، مؤكدة بنبرة يملؤها الشغف أن: "الفن هو ما يعبر عن مشاعرنا التي لا تقال"، وهي ذات المشاعر التي وظفتها منذ طفولتها لتجسيد معاناة وطنها المثخن بالصراعات.
وتكتسب ريشتها بعداً آخر حين تقترن بلقمة العيش، فبعد أن درست تخصص (التغذية العلاجية) واصطدمت بواقع انعدام فرص العمل في مجالها، استعرضت محاولاتها قائلة: "درست تغذية علاجية، وما فيش أي شغل في هذا المجال. حاولت أشتغل في أكثر من حاجة، وشفت إنه ما فيش فايدة. في آخر حاجة وصلت لها إني أرسم وأشوف مصدر دخل، يمكن يكون في الرسم أو كذا".
إعلان
لتصل في نهاية المطاف إلى قناعة بأن الفن قد يكون بوابتها الأخيرة، مشيرة إلى أن الشغف يعيد صياغة أهدافها: "فشغفي كمان إني أوصل لمرحلة كبيرة في اللوحات، وأن أصل لمكان أكبر على المستوى المحلي أو الدولي". وتضيف: "لما بدأت أوصل لوحاتي عن طريق البيع، حتى لو بمبالغ بسيطة، أعطاني هذا الشيء حافز إني أرجع أرسم بعد ما كنت قبل فترة موقف الرسم".
فن لا يسد الرمقبيد أن هذا الحافز يصطدم سريعاً بالحقيقة المرة التي تصفها ناعمة بيأس حين سألناها هل يمكن للفن أن يُعتبر مصدراً للدخل، فأجابت: "أبدا ليس مصدر دخل جيدا، ولو حتى هذا المصدر مش بقيمة الأدوات اللي أنا اشتريتها للوحة"، وتستطرد: "بالنسبة لي الآن أبيع لوحاتي، لما أحسب التكاليف يمكن يطلع لي ثلاثة أو أربعة آلاف ريال يمني (نحو دولارين أو ثلاثة دولارات)، يعني مقابل تعب. وهذا الشيء مش فارق عندي بقدر ما إني أشوف لوحتي موجودة عند الناس، وبقدر ما أشوف إن الناس بدأت تطلب الفن"
وترى ناعمة الشيباني أن الاعتماد على الفن كمصدر رزق حقيقي يعد أمراً شبه مستحيل حيث تقول للجزيرة نت: "أما كمصدر دخل فهو مستحيل في تعز بالذات، ممكن في صنعاء، ممكن في عدن. لكن ما بيعود عليه أي دخل حقيقي، لأنه ما في وعي كافي بالفن"، وتُرجع هذا التباين إلى غياب الوعي المجتمعي والقدرة الشرائية، حيث تلفت إلى أن: "حتى لو باع الفنان لوحته، بيكون بمبلغ بسيط جدا، وحتى لو هي لوحة كبيرة، قد يضطر لبيعها. لكنه لن يجد المبلغ الذي يريده، ولا حق تعبه، لكنه يضطر"
ابتكار الجمال من شظايا البيئةوفي خضم هذه التحديات المادية، تتنوع المدارس الفنية في اليمن وتتشعب، حيث توضح ناعمة هذا التنوع قائلة: "هناك فنون كثيرة في التشكيل، مثل الفن التقليدي، وفن الكولاج (Collage)، والمدرسة الواقعية. الفنون التشكيلية متنوعة ومتشعبة"، وبينما تظل المدرسة الواقعية هي الأكثر انتشاراً وقرباً من وجدان المجتمع لملامستها المباشرة للواقع، وجدت ناعمة هويتها الخاصة وتميزها في الجمع بين الفن التقليدي وفن الكولاج.
هذا الشغف الذي بدأ كهواية وتطور مع الوقت، تصفه ناعمة -خلال حديثها للجزيرة نت- وكيف أثر في محيطها: "بالنسبة لي، بدأت الفن كهواية، ثم مع الوقت بدأت أطور نفسي. لاحظت أن الناس تشعر بشيء مختلف في لوحاتي، كانوا يقولون إن فيها إحساساً ومشاعر، وهذا شجعني على الاستمرار والرسم أكثر. وجدت نفسي في الفن التقليدي، لأنه يمنحني حرية التعبير دون قيود، فلا ألتزم بقواعد صارمة بقدر ما أنقل ما بداخلي من مشاعر"
لوحات مليئة بالألمغير أنها تلخص المشهد العام القاتم للفن في اليمن اليوم بمرارة بالغة، مؤكدة: "أما وضع الفن في اليمن حاليا، فنحن كفنانين نعاني كثيرا. لا يوجد دعم إعلامي كافٍ، ولا فرص حقيقية للعرض. قبل الحرب كانت هناك معارض وملتقيات، وكانت اللوحات تركز على الهوية اليمنية والزخارف الجميلة. أما الآن، فأصبحت اللوحات مليئة بالألم، وتعكس الصراخ والهروب من الواقع، وهذا هو حال الفنان اليمني اليوم"
وتختتم ناعمة الشيباني حديثها للجزيرة نت قائلة: "المشكلة في التسويق والبيع، فهناك صعوبات كبيرة سواء في نظرة المجتمع للفن أو في القدرة على شراء اللوحات. كثير من الناس بالكاد يوفرون احتياجاتهم الأساسية، لذلك يصبح شراء لوحة أمرا صعبا، خصوصا في تعز. وهذا يدفع الفنان أحيانا لبيع لوحاته رغم تعلقه بها، لأنه لا يملك مصدر دخل آخر، ولأن بقاء اللوحات مكدسة في البيت دون عرض أو تقدير أمر مؤلم أيضا"
بيع الذكريات على منصات التواصلوعلى صعيد آخر، تتبلور مأساة الفنان اليمني بشكل أكثر عمقا مع شهادة الفنان التشكيلي عزيز المعافري، الذي اضطر تحت وطأة الحاجة إلى عرض لوحاته للبيع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو مسلك يصفه بمرارة قائلاً للجزيرة نت: "بالنسبة لعرض اللوحة في صفحتي على فيسبوك، والذي كان بشكل اضطراري، فهو بالنسبة لي يُعد موقفاً قاسياً ومحزناً. لكن الاضطرار كان إجبارياً بسبب الحاجة، فاضطررت أن أعرضها بطريقة لا تقبلها نفسيتي ولا مشاعري"
إعلان
ويضيف المعافري للجزيرة نت: "لكن أحياناً يفرض عليك الاضطرار أن تضحي بجزء من مشاعرك من أجل الرسالة التي تريد إيصالها باسمك شخصياً وباسم الفنانين بشكل عام، لأن الكثير من الفنانين يعانون من نفس المعاناة، وقد تكون معاناتهم أكبر من ذلك".
ويمتد هذا الوجع ليتشابك مع القيمة الروحية للعمل الفني، حيث يقول: "هذا ما جعلني أضطر لعرض اللوحة بهذا الشكل، لإيصال رسالة باسم الفن وباسم الفنانين في اليمن. ومن ناحية اللوحة، عرضتها بشكل اضطراري رغم اعتزازي بها، وعندما قلت إنها (قطعة من قلبي) لم أقصد استفزاز الرأي العام، وإنما كان وجعاً حقيقياً وظرفاً قاسياً"
ويسترسل مبيناً أن بيع اللوحة يترك جرحا غائرا في المشاعر: "بيع اللوحة عندما تكون عزيزة عليك أمر غير مرضٍ، لأن اللوحة ليست مجرد إطار أو قماش أو ألوان، هي بالنسبة لي ذكرى وحنين وتراث. فيها بساطة الريف وذكريات العيش فيه، ولذلك فإن لحظة بيعها لها تأثير كبير عندي"، مؤكداً للجزيرة نت: "لو كان وضعي المادي مستقراً لما اضطررت لبيعها إطلاقاً"
وتتوج هذه المعاناة برؤية فنية يقدمها المعافري حول قدسية العمل الأصلي، حيث يرى أن: "اللوحة الأصلية تختلف تماما عن أي نسخة، حتى لو كانت صورة من الهاتف، يبقى الأصل مختلفاً شعورياً؛ تشعر بتفاصيله وبالروح التي فيه"
وينتهي بالقول إن العلاقة بين الفنان وعمله لا تنتهي بالبيع: "العمل الفني يبقى نوعاً من العهد والوفاء، فهو يعرف كم أخذ منك من وقت، وما هي العلاقة التي بينك وبينه، ورغم أنه يُباع أو ينتقل لغيرك، يبقى يحمل أثره وجماله"
حين يتوقف الراتب يستمر الفنوفي زيارة الجزيرة نت إلى منزل الفنان والنحات وليد دله، في باب المداجر بالمدينة القديمة في تعز، بدت المساحة وكأنها عالم مشبع بالفن؛ منزل يفيض باللوحات والمنحوتات التي تحمل روح التاريخ وأوجاع الحاضر.
هناك وثّقت الجزيرة أعماله المرتبطة بالحرب والتاريخ، ولا سيما التي تجسد القضية الفلسطينية، وقد حصد جائزة وزارة الثقافة عن لوحة جسدت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
ورغم هذا الإنتاج، يواجه دله صعوبات جسيمة، في مقدمتها انقطاع راتبه منذ سنوات حيث يقول للجزيرة: "نحن الفنانين في اليمن نواجه تحديات كبيرة. راتبي مقطوع منذ سنوات، وقد توقف عندما كان معمر الإرياني وزيرا للثقافة، وحتى اليوم ما زلت أطالب بحقي دون جدوى" ويضيف دله للجزيرة نت: "الفنانون التشكيليون في اليمن يعانون منذ زمن طويل، ولم يعيشوا يوماً في رفاه، وكانت حياتهم دائماً قاسية ومليئة بالتحديات".
ويرى أن الأزمة لا تتوقف عند غياب الدعم، وإنما تمتد إلى ضعف الذائقة الفنية في المجتمع، قائلاً للجزيرة نت: "هناك شح في المتذوق الفني في اليمن؛ فدائرة المهتمين محدودة. كنا نعتمد في بيع أعمالنا على السياح والزوار، أما اليمنيون فنادراً ما يُقبلون على شراء اللوحات"
وتكشف الإحصاءات المتاحة عن حضور متقطع لكنه مستمر للفن التشكيلي في اليمن منذ عام 2015، حيث شهدت صنعاء سلسلة من المعارض الموثقة، أبرزها معرض (الفن في مواجهة العدوان) في 13 أكتوبر/تشرين الأول و24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، ثم معرض (الفن التشكيلي في مواجهة العدوان) في 20 يناير/كانون الثاني 2020، ومعرض (ألوان صغيرة) في فبراير/شباط من العام ذاته، فيما احتضنت عدن في 15 يناير/كانون الثاني 2020 المعرض العاشر لجماعة (حوار الرؤية) كأحد أبرز التجمعات الفنية المستقلة.
وفي تعز، التي تعيش سياقاً مختلفاً بفعل الحرب، برز معرض (فكوا الحصار عن تعز) الذي افتتح في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2020 واستمر لأيام، حاملاً طابعاً احتجاجياً واضحاً.
إعلان
مقابل ذلك، ظل النشاط في بقية المحافظات أقل توثيقاً إعلامياً رغم وجود فعاليات متفرقة بين عامي 2017 و2023، ما يعكس فجوة بين الإنتاج الفني والتغطية الثقافية، ويؤكد أن المشهد التشكيلي في اليمن يعيش حالة بقاء أكثر من كونه حالة ازدهار.
إقرأ المزيد


