الجزيرة.نت - 7/3/2026 11:00:20 AM - GMT (+3 )
تدخل صناعة السلاح الإسرائيلية عامها الثالث بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول وهي تقف بين صورتين متجاورتين: دفاتر طلبات تتضخم، وصفقات دفاع جوي تمتد إلى أوروبا، وتقارير رقابية تكشف أن الازدهار الصناعي لم يتحول إلى أمان داخلي ولا إلى استقلال عسكري كامل.
وفي الخارج، تبيع إسرائيل الصواريخ الاعتراضية والطائرات المسيّرة والرادارات والأنظمة الكهروبصرية باعتبارها تكنولوجيا "مثبتة ميدانيا"، وفي الداخل، تتراكم قضايا المواد الخام، وخطوط الإنتاج، وديون وزارة الدفاع، وحدود الاعتماد على واشنطن.
وتمنح تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هذا النقاش مدخلاً سياسياً غير معتاد، فقد قال لوزراء إسرائيليين، في سياق خلافات حول الاتفاق الأمريكي مع إيران، إن إسرائيل دولة من 9 ملايين نسمة ولا تستطيع حل كل مشاكلها الأمنية بالقوة، ثم ذكّرهم بأن ثلثي الدفاعات التي حمت إسرائيل صُنعت بأيدٍ أمريكية، ومُولت بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
وعلى الجانب الإسرائيلي، يقدّم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وصفة مضادة عنوانها "سوبر إسبرطة" أي دولة تسلح نفسها، وتقلل اعتمادها على الحلفاء، وتستثمر مئات مليارات الشواكل خلال عقد في إنتاج محلي أوسع.
وبين فانس ونتنياهو تتضح زاوية التقرير: صناعة السلاح الإسرائيلية قوية في السوق، لكنها مقيدة في الحرب، رابحة في التصدير، لكنها لا توفر شروط الأمان الدائم دون الاعتماد على دعم الحلفاء.
أرقام الازدهاروتتفق وزارة الدفاع الإسرائيلية وإدارات الشركات الكبرى على توصيف الطفرة بوصفها لحظة تاريخية للصناعة، وفي تقرير الصادرات العسكرية لعام 2024، الذي عُرض على وزير الدفاع إسرائيل كاتس في 4 يونيو/حزيران 2025، أعلنت الوزارة أن الصناعات العسكرية وقّعت عقوداً جديدة بقيمة 14.795 مليار دولار وهو أعلى رقم في تاريخ الصادرات العسكرية الإسرائيلية، وتقول الوزارة إن 56.8% من هذه الصفقات هي صفقات ضخمة تتجاوز قيمة الواحدة منها 100 مليون دولار.
وتقدم وزارة الدفاع تفسيرها الرسمي للأرقام من داخل الحرب نفسها، حيث يرى كاتس أن "العالم يرى قوة إسرائيل"، بينما وصف المدير العام للوزارة أمير برعام الرقم القياسي بأنه دليل على "تقدير عالمي متزايد لأداء التكنولوجيا الإسرائيلية".
إعلان
أما رئيس قسم الصادرات العسكرية يائير كوليس فتحدث عن قدرة الصناعات على تلبية حاجات الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، بالتوازي مع الطلب المتزايد على السلاح الإسرائيلي من الخارج.
وتتسع هذه القراءة مع تبدل جغرافيا الصادرات، ففي عام 2024 صعدت حصة أوروبا إلى 54% من الصادرات العسكرية، مقابل 35% في عام 2023، بينما شكلت أنظمة الدفاع الجوي 48% من حجم الصفقات، مقارنة بـ36% في عام 2023، ويرتبط هذا التحول بحرب أوكرانيا وحاجة أوروبا إلى منظومات اعتراض ودفاع جوي في مواجهة تهديدات صاروخية ومسيّرات.
وتقدم صفقة رافائيل مع رومانيا مثالاً حديثاً على هذا الاتجاه، ففي 28 يونيو/حزيران 2026، أعلنت شركة رافائيل توقيع اتفاق مع وزارة الدفاع الرومانية لمنظومة "سبايدر" للدفاع الجوي بقيمة تتجاوز ملياري يورو (نحو 2.16 مليار دولار)، وهو أكبر عقد في تاريخ الشركة، وبحسب بيان رافائيل، ستتضمن الصفقة مشاركة صناعية محلية داخل رومانيا، ما يحول الصادرات من بيع منظومة إلى علاقة إنتاج وصيانة وتشغيل طويلة.
شركات الحربوتظهر الشركات الثلاث الكبرى، الصناعات الجوية ورافائيل وإلبيت، كأعمدة لهذه الطفرة:
- الصناعات الجوية الإسرائيلية: وهي شركة حكومية، تعمل في الطيران والفضاء والأقمار الصناعية والرادارات والدفاع الجوي والصواريخ والمسيرات وتحويل الطائرات وصيانتها، وفي عام 2024 أعلنت الشركة مبيعات بنحو 6.112 مليارات دولار، مقارنة بـ5.327 مليارات في عام 2023، وصافي دخل قفز 55% إلى 493 مليون دولار، وطلبات متراكمة بلغت 25 مليار دولار.
والملاحظ أن الصناعات الجوية الإسرائيلية تنتج منظومات حساسة مثل "حيتس"، لكنها تعمل أيضاً داخل شبكة تمويل وموافقات خارجية، فصفقة "حيتس 3" مع ألمانيا، التي حصلت على موافقة أمريكية في أغسطس/آب 2023، ثم توسعت لاحقاً بعقد إضافي بقيمة 3.1 مليارات دولار، تبيّن أن المنظومة التي تُعرض كإنجاز إسرائيلي ترتبط بحثياً وقانونياً وتصديرياً بالولايات المتحدة.
- رافائيل: وهي شركة حكومية أيضاً، يتركز عملها في مجال الدفاع الجوي والحماية النشطة والأنظمة التكتيكية والبحرية والبرية، وفي عام 2024 حققت مبيعات بلغت 17.8 مليار شيكل (نحو 4.8 مليارات دولار)، وطلبات بلغت 64.8 مليار شيكل (نحو 17.5 مليار دولار).
ومع صفقة "مقلاع داود" مع فنلندا بقيمة 1.3 مليار شيكل تقريباً (نحو 351 مليون دولار)، وصفقة "سبايدر" مع رومانيا، ومشاركتها مع إلبيت في تطوير منظومة الليزر "أور إيتان/شعاع الحديد "، تظهر رافائيل كجسر بين حاجة الجيش الإسرائيلي وحاجة أوروبا إلى اعتراضات ومنظومات دفاع متعددة الطبقات.
- إلبيت: هي الذراع الخاصة والعالمية للصناعة، وهي تعمل في مجال الإلكترونيات العسكرية، القيادة والسيطرة، الاتصالات، الحرب الإلكترونية، الأنظمة الكهروبصرية، المسيّرات، الذخائر، المدفعية، تحديث المدرعات وتكامل الأنظمة، وفي عام 2024 بلغت إيراداتها 6.8 مليارات دولار، وطلباتها المتراكمة 22.6 مليار دولار. وفي الربع الأول من عام 2026 وصلت إيراداتها إلى 2.2 مليار دولار، وبلغت الطلبات المتراكمة 30.2 مليار دولار، منها 71% من خارج إسرائيل.
وتتفق هذه الأرقام مع قراءة وزارة الدفاع حول الطلب العالمي، لكنها تضيف طبقة أخرى، فالصناعة لا تعمل فقط كجهاز دولة، بل كسوق واسعة لها أرباح وأسهم وطلبات متراكمة، بنهاية عام 2025، بحسب كلاكيست، بلغ إجمالي الطلبات المتراكمة لدى الصناعات الجوية ورافائيل وإلبيت نحو 255 مليار شيكل (نحو 68.9 مليار دولار)؛ ما يعادل 93 مليار شيكل (نحو 25.1 مليار دولار) للصناعات الجوية، و88 مليار شيكل (نحو 23.8 مليار دولار) لإلبيت، و74 مليار شيكل (نحو 20 مليار دولار) لرافائيل، ومعظم هذه الطلبات يفترض تنفيذها خلال 3 إلى 4 سنوات.
إعلان
وتضع دراسة مركز دادو التابع لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي، التي أعدها العميد احتياط الدكتور ششون حداد، هذه الشركات داخل بنية أوسع.
وكتب حداد، الباحث في الاقتصاد والأمن القومي والمستشار المالي السابق لرئيس الأركان ورئيس قسم الميزانيات في وزارة الدفاع، أن الصناعة العسكرية الإسرائيلية تضم نحو 600 شركة ومورّد فرعي، وتشغّل أكثر من 45 ألف عامل مباشر، ومع ذلك، تتركز نحو 95% من المبيعات في أربع جهات كبرى: الصناعات الجوية، رافائيل، إلبيت، ومديرية الميركافا والمدرعات.
وترى الدراسة أن أكثر من 70% من إنتاج الصناعة العسكرية الإسرائيلية موجه إلى الخارج، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بصناعات عسكرية كبرى، فالصناعة الأمريكية تصدّر نحو 24% من إنتاجها، والروسية نحو 55%، وهذا الفارق يشرح جانباً من مفارقة إسرائيل، فالصناعة قوية لأنها عالمية وتصديرية، لكنها أيضاً مرتبطة بحسابات السوق والزبائن الخارجيين وسلاسل الإمداد الدولية.
ويعيد حداد جذور هذه البنية إلى التحول الذي حدث بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وتوثيق العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كان طموح إسرائيل بعد حظر السلاح الفرنسي عام 1967 يقوم على إنتاج دبابات وطائرات وسفن صواريخ محلية، وكان مشروع الطائرة "لافي" ذروة هذا الطموح، ثم تحول إلغاؤه إلى إشارة انتقال من إستراتيجية استقلال إنتاجي واسع إلى إستراتيجية تركز على "مضاعفات القوة" وهي المسيّرات والدفاع النشط والفضاء والسيبر والأنظمة الذكية، بالتوازي مع الاعتماد على السلاح الأمريكي الثقيل.
ويتفق هذا التوصيف مع واقع الشركات اليوم، فإسرائيل قوية في الطبقات التي تضيفها إلى الحرب الحديثة وهي المستشعر والبرمجية والاتصال والاعتراض والرادار والدمج والتحديث، أما المنصات الثقيلة، مثل الطائرات الهجومية الكبرى والذخائر واسعة النطاق وسلاسل التسليح المرتبطة بمنظومات أمريكية، فتظل مرتبطة بواشنطن إنتاجاً وتمويلاً وصيانة وموافقة.
الأمان الغائبوتمنح أرقام الصادرات العسكرية انطباعاً بقدرة تكنولوجية متصاعدة، بينما تقدم السنوات الثلاث من الحرب صورة أقل لمعاناً، فالصناعة التي وقّعت عقوداً قياسية عام 2024 لم تمنع اتساع الحرب إلى غزة ولبنان واليمن وإيران، ولم تمنح الجبهة الداخلية الإسرائيلية شعوراً مستقراً بالأمان، ولم تفصل القرار العسكري الإسرائيلي عن التمويل والإمداد الأمريكيين.
وهنا يتفق تصريح فانس مع تقرير مراقب الدولة من زاويتين مختلفتين، ففانس يتحدث بلغة سياسية عن دفاعات أمريكية الصنع والتمويل، أما مراقب الدولة فيتحدث بلغة رقابية عن خطوط إنتاج لم تُحفظ ومواد خام ومكونات خضعت لقيود وحظر من دول خارجية، بعضها صديقة لإسرائيل، وفي الحالتين، يظهر الازدهار الصناعي منفصلاً عن معنى الأمان الكامل.
وبهذا الشأن يرى تقرير مراقب الدولة الصادر في مايو/أيار 2026 حول الحفاظ على قدرات إنتاج وسائل القتال من إنتاج إسرائيلي خالص أن الأزمة تعود إلى سنوات طويلة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، فقد سبق أن حذر المراقب في تقارير منذ عام 2007 و2012 و2014 و2020 من خلل في حفظ خطوط الإنتاج الحيوية.
وحتى ديسمبر/كانون الأول 2019، لم يكن الجيش قد استكمل خريطة وسائل القتال التي يجب الحفاظ على إنتاجها داخل إسرائيل، ولم يحدد أولوياتها، ولم يرسل موقفاً واضحاً إلى وزارة الدفاع لاستكمال تخطيط خطوط الإنتاج الحيوية.
إعلان
وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول ارتفع طلب الجيش على السلاح من الداخل والخارج، بينما فرضت دول مختلفة قيوداً أو حظراً على توريد وسائل قتال ومواد خام وقطع غيار، ويضيف التقرير أن ارتفاع الطلب العالمي على السلاح والمواد الخام منذ حرب أوكرانيا أضعف قدرة إسرائيل على الشراء وقت الحاجة، والنتيجة التي يسجلها التقرير واضحة وهي زيادة الاعتماد على دول أجنبية، وتضرر حرية العمل السياسي الإستراتيجي وتراجع توفير السلاح للجيش.
هشاشة الخامويتحول سؤال الاكتفاء في تقرير المراقب من المنظومة النهائية إلى المادة الخام، فقبل الحرب، لم تكن لدى وزارة الدفاع خطة كاملة ترصد مخاطر الاعتماد على مشتريات خارجية من مكونات ومواد خام، ولم تُبنَ بدائل كافية مثل مصادر توريد متعددة، أو اتفاقات بين الدول، أو مخزون من المواد الحساسة، كما أن التخطيط لم يشمل دائماً المكونات والمواد الخام وتقنيات الإنتاج اللازمة لصناعة السلاح داخل إسرائيل.
وتكشف الأرقام حساسية هذه الفجوة، فالتقرير يذكر أن أسعار 8 مكونات تستخدمها صناعة معينة في إنتاج منظومات قتالية ارتفعت بعد الحرب بنسب تراوحت بين 25% و212%، وأن مكونين ارتفعا بـ204% و212%، وهنا لا تظهر تكلفة الحرب في الذخيرة النهائية فقط، بل في كل حلقة صغيرة داخل سلسلة الإنتاج.
وتتقاطع هذه النتائج مع اتجاهات وزارة الدفاع بعد الحرب، فقد ذكرت كلاكيست أن نحو 220 مليون شيكل خُصصت لإنشاء مصنع جديد هو الأول من نوعه في إسرائيل لإنتاج مواد خام لازمة لصناعات عسكرية محلية. في الخطاب الرسمي، هذه خطوة نحو الاستقلال، وفي قراءة المراقب، هي أيضاً اعتراف بتأخر طويل في حفظ مكونات أساسية.
ويظهر التوازن المطلوب في شهادة وزير دفاع سابق أمام المراقب، فقد قال إنه لا يمكن إنتاج كل شيء "أزرق وأبيض" (إنتاج إسرائيلي خالص)، لكنه رأى أن الموضوعات الحرجة تحتاج إنتاجاً محلياً، ويتفق هذا التقدير مع حداد في مركز دادو، فالمطلوب ليس تصنيع كل شيء، بل تحديد ما لا يجوز أن يبقى رهينة حظر أو أزمة شحن أو خلاف سياسي.
ديون الدولةوتحت طبقة الأرباح والطلبات المتراكمة، تظهر معضلة مالية داخلية، فقد نشرت صحيفة كلاكيست في 29 أبريل/نيسان 2026، بقلم يوفال أزولاي، أن ديون وزارة الدفاع للشركات الثلاث الكبرى بلغت نحو 13 مليار شيكل (نحو 3.5 مليارات دولار)، أي نحو 6 مليارات شيكل (نحو 1.6 مليار دولار) لرافائيل، و4 مليارات شيكل (نحو 1.1 مليار دولار) للصناعات الجوية، و3 مليارات شيكل (نحو 811 مليون دولار) لإلبيت، وذكرت الصحيفة أن الدين كان نحو 10 مليارات شيكل في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم ارتفع بسبب تسريع المشتريات لتعويض مخزونات استُنزفت خلال الحرب.
وقدمت صحيفة غلوبس الاقتصادية في يونيو/حزيران 2026 زاوية قريبة مع أرقام محدثة مختلفة قليلاً فقد تحدثت عن نحو 7 مليارات شيكل (نحو 1.9 مليار دولار) لرافائيل، و5 مليارات شيكل (نحو 1.3 مليار دولار) للصناعات الجوية، ونحو 1.5 مليار شيكل (نحو 405 ملايين دولار) لإلبيت، كما تحدثت عن بحث رافائيل والصناعات الجوية وقف تحويل أرباح أو توزيعات للدولة بسبب تأخر المدفوعات.
وتظهر هذه الأزمة في ملف صواريخ "حيتس 3" الاعتراضية أيضاً، فقد ربطت كلاكيست خلافات التمويل بين وزارتي الدفاع والمالية بتأخير قرارات ضرورية لتعزيز إنتاج صواريخ الاعتراض، وأفادت بأن الدفعات المقدمة من صفقتي ألمانيا الضخمتين ساعدت في استمرار وزيادة الإنتاج، رغم القبضة الصارمة للمسؤولين الماليين، وهكذا يصبح التمويل الألماني جزءاً من قدرة إسرائيل نفسها على توسيع إنتاج منظومة دفاعية تعد من رموز سيادتها التكنولوجية.
وتعود معضلة الاكتفاء إلى الولايات المتحدة، فقد ذكرت ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي المنشورة في 2 فبراير/شباط 2026 بعنوان "خفض المساعدة الأمريكية لإسرائيل: الجدوى الاقتصادية مقابل التكلفة الإستراتيجية"، أن اتفاق المساعدة الحالي للفترة 2019-2028 يمنح إسرائيل 3.8 مليارات دولار سنوياً: 3.3 مليارات كمساعدة عسكرية مباشرة، و500 مليون دولار لتمويل مشترك لأنظمة الدفاع الصاروخي.
وتقرأ الورقة تطور الاقتصاد الإسرائيلي بطريقة مزدوجة، فمن جهة، تراجعت قيمة المساعدة كنسبة من الناتج المحلي إلى نحو نصف بالمئة بحلول عام 2025، بما يعني قدرة اقتصادية أعلى على تمويل جزء أكبر من الأمن، ومن جهة أخرى، لا تزال المساعدة تمثل نحو 15% من ميزانية الدفاع.
إعلان
ويضيف تاريخ الحرب مسألة أكثر حساسية، فالمساعدات الأمريكية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول تضمنت 14.6 مليار دولار مساعدة عسكرية مباشرة، و4 مليارات لاعتراضات الدفاع الصاروخي، و2.4 مليار للقوات الأمريكية في المنطقة، كما تنقل كلاكيست عن معهد واتسون أن الولايات المتحدة أنفقت بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 سبتمبر/أيلول 2024 ما لا يقل عن 22.76 مليار دولار على دعم عسكري مباشر وعمليات أمريكية إقليمية مرتبطة بالحرب.
ويتقاطع هذا مع ما حدث في 5 مايو/أيار 2024، حين نقلت يديعوت أحرونوت عن أكسيوس أن إدارة بايدن أخرت شحنة ذخائر إلى إسرائيل، في أول تأخير أمريكي معلن لشحنة سلاح منذ بداية الحرب، على خلفية الخلاف حول احتلال رفح، وقبل ذلك، حذر نداف إيال في يديعوت أحرونوت من أن عملية واسعة في رفح دون تنسيق مع واشنطن قد تؤدي إلى تأخير شحنات أو تقييد استخدام أسلحة أمريكية، فالمساعدة هنا لا تظهر كشبكة أمان فقط، بل كأداة ضبط لإيقاع الحرب.
دبلوماسية مقيدةوتستخدم إسرائيل السلاح كأداة دبلوماسية، فصفقة "حيتس 3" مع ألمانيا منحتها موقعاً داخل الدفاع الأوروبي ضد الصواريخ الباليستية، وصفقة "سبايدر" مع رومانيا تدفع رافائيل إلى سوق الناتو، وصفقة "مقلاع داود" مع فنلندا تكشف الطلب الأوروبي المتزايد على صواريخ الاعتراض، ولا تقاس هذه الصفقات بقيمتها المالية فقط بل تنشئ علاقات تدريب وصيانة وتحديث واعتماد متبادل لسنوات.
وهذه الدبلوماسية لا تحرر إسرائيل من القرار الأمريكي، فمثلاً حصلت "حيتس 3″ على موافقة أمريكية لبيعها إلى ألمانيا لأنها مطورة بالشراكة مع وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية، و"مقلاع داود" احتاجت صفقة فنلندا فيه إلى موافقة أمريكية أيضاً، لذلك، حين تصدّر إسرائيل بعض أكثر منظوماتها حساسية، فهي لا تمارس سيادة تصدير كاملة، بل تعمل داخل منظومة ترخيص وتطوير وتمويل أمريكية.
وتظهر القيود نفسها في السياسة وليس في السلاح فقط، فحرب إيران، وترتيبات غزة، والضغط الأمريكي على جبهة لبنان، كلها أمثلة على أن دبلوماسية السلاح لا تمنح إسرائيل حرية منفصلة عن واشنطن.
سوبر إسبرطةويتعامل نتنياهو مع هذه الفجوات عبر خطاب "سوبر إسبرطة"، فقد تحدث في ديسمبر/كانون الأول 2025 ومايو/أيار 2026 عن استثمار 350 مليار شيكل (نحو 94.6 مليار دولار) خلال عقد لبناء قدرة تسليحية محلية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وإنتاج ذخائر في إسرائيل.
وفي مايو/أيار 2026 وافقت إسرائيل على خطة لشراء أسراب جديدة من المقاتلات F-35 وF-15IA من لوكهيد مارتن وبوينغ ، ضمن الخطة نفسها البالغة 350 مليار شيكل، وتحمل الخطة مفارقة واضحة وهي "تقليل الاعتماد يبدأ بصفقات طائرات أمريكية ضخمة".
وتتعامل الصحيفتان الاقتصاديتان ذا ماركر وكلاكيست مع هذا الشعار من زاوية اقتصادية، وكتب ناتي توكر في ذا ماركر أن نتنياهو عاد إلى "سوبر إسبرطة" عبر إعلان 350 مليار شيكل، بينما حذر يوفال أزولاي في كلاكيست من أن زيادة 35 مليار شيكل سنوياً لعقد كامل قد تفرض أعباء ضريبية وميزانية صعبة إذا جاءت دون تنسيق مالي واضح، وهذه ليست اعتراضات على الحاجة الأمنية، بل على تحويلها إلى مشروع ضخم لا يُعرض على الجمهور بكلفته الكاملة.
أما حداد فيحذر من أن تركيز الصلاحيات في مديرية حكومية مركزية قد ينتج عدم كفاءة و"مجمعاً عسكرياً صناعياً"، والبديل الذي يقترحه يعتمد على سوق أكثر تنافسية، وتوزيع الصلاحيات، وإزالة الحواجز، واستثمارات مشتركة ومحددة من الدولة.
وهكذا يظهر النقاش الإسرائيلي الداخلي على ثلاث مستويات الأول أن نتنياهو يدفع نحو استقلال أوسع وأسرع، والثاني مراقب الدولة يطالب بمعرفة ما يجب إنتاجه وحفظه وتمويله، والثالث حداد يحذر من أن علاج التبعية لا ينبغي أن ينتج بيروقراطية عسكرية ثقيلة لأن الخلاف ليس حول أهمية الصناعة، بل حول الثمن وطريقة الإدارة وحدود الممكن.
كما أن المطالبات بإعادة النظر في المساعدة الأمريكية ستؤثر في الصناعة الإسرائيلية على المدى القريب والمتوسط، ففي المدى القريب، سيتحول جزء أكبر من الطلب إلى الشركات المحلية، خصوصاً في الذخائر والمواد الخام، ما يزيد الضغط على خطوط الإنتاج ويدفع وزارة الدفاع إلى ديون أعلى إذا لم تُخصّص ميزانيات مستقرة، وفي المدى المتوسط، يمكن أن تقوى الشركات الكبرى بفعل الطلب الداخلي، لكنها ستظل بحاجة إلى مكونات وتكنولوجيا وتعاون بحثي وموافقات أمريكية في المنظومات المشتركة.
وتبرز هنا نقطة دقيقة في ورقة معهد دراسات الأمن القومي، فقد كان جزء من المساعدة الأمريكية سابقاً قابلاً للإنفاق داخل إسرائيل، وهو امتياز دعم الصناعة المحلية، وهذا المسار تآكل تدريجياً ضمن اتفاق 2019-2028، ليذهب معظم المال إلى شراء منتجات أمريكية، وبذلك تصبح المساعدة نافعة عسكرياً، لكنها أقل دعماً للقاعدة الصناعية الإسرائيلية.
وتتعامل بعض الأصوات المؤيدة لخفض المساعدة مع الموضوع كتحرر مالي، غير أن الكتابات الإسرائيلية نفسها تضيف سؤالاً آخر وهو ماذا عن المنظومات التي طُورت بتمويل أمريكي؟ وماذا عن الموافقات على إعادة التصدير؟ وماذا عن الطائرات والذخائر وقطع الغيار؟ وماذا عن القدرة الأمريكية على تأخير شحنة في لحظة خلاف سياسي؟ هذه الأسئلة تجعل الاستقلال المالي، إن حدث، خطوة جزئية لا نهاية للتبعية.
خلاصةوفي المحصلة، تكشف صناعة السلاح الإسرائيلية أن القوة لا تعني الأمان، فالصادرات بلغت ذروة تاريخية، والشركات الكبرى تراكم طلبات بمئات مليارات الشواكل، وأوروبا تشتري معدات الدفاع الجوي الإسرائيلي بوتيرة متزايدة، لكن في الوقت نفسه، عاش الإسرائيليون ثلاث سنوات من حرب متعددة الجبهات، واحتاج الجيش إلى دعم أمريكي واسع، وكشف مراقب الدولة فجوات في المخزون والمواد الخام وخطوط الإنتاج.
ويتفق فانس، ومراقب الدولة، ومركز دادو، وإن اختلفت لغتهم ومواقعهم، على أن إسرائيل لا تدافع عن نفسها وحدها، ففانس قالها باعتبارها رسالة سياسية أمريكية، والمراقب قالها عبر خرائط إنتاج ناقصة ومواد خام خاضعة للحظر، وحداد قالها عبر نموذج صناعي قوي في التكنولوجيا، معتمد في المنصات الثقيلة وسلاسل الإمداد والتمويل على الخارج.
وتبدو "سوبر إسبرطة" وصفة مكلفة لا شعاراً بسيطاً، قد تمنح إسرائيل مصانع أكثر ومخزوناً أوسع وقدرة أفضل على امتصاص الحظر، لكنها تتطلب أثماناً اجتماعية واقتصادية وسياسية وهي ميزانيات دفاع أعلى وضغط على المجتمع واحتمالات عزلة أكبر واقتصاد أكثر ارتباطاً بمنطق الحرب، وبين التبعية الكاملة والأمان الغائب، تقف الصناعة العسكرية الإسرائيلية قوية في السوق، محدودة في الحرب، ومقيدة بالقرار الأمريكي في أكثر اللحظات حساسية.
إقرأ المزيد


