العين والرقبة والدماغ.. الكلفة الخفية لإدمان الهواتف الذكية
الجزيرة.نت -

شهدت العقود الماضية تحولات تكنولوجية واسعة غيّرت تفاصيل الحياة اليومية للناس في مختلف أنحاء العالم، وكان الهاتف الذكي أحد أبرز هذه التحولات، بعدما انتقل من جهاز اتصال متطور إلى رفيق يومي للإنسان في العمل والبيت والطريق وحتى السرير.

ومنذ ظهور الهواتف الذكية في الأسواق لأول مرة عام 1993، ثم القفزة النوعية التي رافقت انتشار شبكات الجيل الثالث (3G) بحلول عام 2001، أصبح الاتصال بالإنترنت أكثر شيوعا، وتوسعت الخدمات الرقمية بصورة غير مسبوقة، من التواصل الاجتماعي والتسوق والخدمات البنكية إلى التعليم والترفيه والرعاية الصحية.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ومع هذا الانتشار، ارتفع عدد مستخدمي الهواتف الذكية حول العالم إلى 6.93 مليارات شخص عام 2024، بما يعني أن نحو 75% من سكان الأرض يمتلكون هواتف ذكية خاصة بهم. وتشير التوقعات إلى أن الرقم مرشح للارتفاع ليقترب من 7.7 مليارات مستخدم بحلول عام 2028.

لكن الجهاز الذي سهّل الوصول إلى المعرفة والخدمات والناس، بدأ في الوقت نفسه يفتح بابا واسعا لمشكلة صحية وسلوكية متنامية: الإفراط في الاستخدام، أو ما يُوصف أحيانا بإدمان الهواتف الذكية.

شحن الهاتف خارج غرفة النوم خطوة مهمة للعلاج (بيكسلز)
الملل يتحول إلى ساعات أمام الشاشة

لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي أدته الهواتف الذكية في تحسين حياة الناس. فقد قرّبت المسافات، وسهّلت الوصول إلى المعلومات، وفتحت أبوابا جديدة أمام الخدمات والتطبيقات، بل امتد حضورها إلى قطاع الرعاية الصحية، حيث باتت بعض التطبيقات تساعد على متابعة المؤشرات الحيوية وتنظيم المواعيد الطبية والتذكير بالأدوية.

لكن هذا التطور أخذ منحى مقلقا مع انفجار تطبيقات الرفاهية ومواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية. فقد أصبح الهاتف المتصل بالإنترنت ملاذا سريعا من الملل، يقضي معه الإنسان ساعات طويلة دون أن يشعر.

ووفق ما نشره موقع إكسبلودينغ توبيكس (Exploding Topics) عام 2026، يبلغ متوسط الوقت الذي يقضيه الشخص العادي في استخدام هاتفه الذكي 4 ساعات و37 دقيقة يوميا.

إعلان

واللافت أن الملل نفسه أصبح دافعا رئيسيا للتصفح؛ إذ يقضي 51.8% من الأشخاص أوقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب الشعور بالملل، فيتحول الهاتف من وسيلة عابرة للتسلية إلى عادة يومية قد تنقلب مع الوقت إلى تعلق مرضي يحتاج إلى تدخل.

وتشير الأرقام إلى أن نسبة إدمان الهواتف الذكية المرضية بلغت 27% في 64 دولة حول العالم، خصوصا بين فئة الشباب، وهي الفئة الأكثر ارتباطا بالشاشات والتطبيقات ومنصات التواصل.

الهاتف الذكي يربك الساعة البيولوجية

تعمل الساعة البيولوجية الداخلية في جسم الإنسان وفق نظام دقيق، تنظمه منطقة في الدماغ تعرف باسم النواة فوق التصالبية (Suprachiasmatic Nucleus)، وتقع في منطقة تحت المهاد (Hypothalamus). وتتحكم هذه النواة في الإيقاعات اليومية، بما في ذلك مواعيد النوم والاستيقاظ وتغيرات الهرمونات وحرارة الجسم.

ويعد الضوء من أهم العوامل التي تضبط هذه الساعة الداخلية، فتعرض الإنسان للضوء في أوقات معينة قد يقدم أو يؤخر توقيت النوم والاستيقاظ، ما يكشف حساسية الساعة البيولوجية العالية تجاه الضوء، خصوصا الضوء ذي الأطوال الموجية الزرقاء.

وقد أكد باحثون من الولايات المتحدة بقيادة الدكتور ستيفن دبليو لوكلي عام 2021 هذه الحساسية، في تجربة شملت 18 شابا تعرضوا لمصادر ضوئية مختلفة وفق معايير مضبوطة.

وتنبعث من شاشات الهواتف الذكية موجات من الضوء الأزرق قصير الطول الموجي، يتراوح طولها بين 446 و484 نانومترا. ويسقط هذا الضوء على خلايا في شبكية العين تحتوي على صبغة الميلانوبسين، وهي خلايا ترتبط مباشرة بالنواة فوق التصالبية في الدماغ.

وعند استخدام الهاتف ليلا، قد يتلقى الدماغ إشارة ضوئية توحي بأن النهار ما زال مستمرا، فتضطرب الساعة البيولوجية، ويتأخر النوم، وتتراجع جودته، ويزيد الشعور بالأرق والقلق المرتبطين بقلة النوم.

قراءة من هاتف أم كتاب ورقي؟ الفرق يراه الدماغ

في دراسة تجريبية أجراها الدكتور كيرستين هودلموسر وزملاؤه على 33 شابا من النمسا، قارن الباحثون بين تأثير قراءة محتوى من الهاتف في الفترة المسائية وبين القراءة من كتاب ورقي.

وأظهرت الدراسة أن التعرض لضوء شاشة الهاتف مساء قد يؤدي إلى مجموعة من التغيرات الفسيولوجية المهمة، من أبرزها انخفاض إفراز هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون المرتبط بتهيئة الجسم للنوم، وتتحكم في مستوياته النواة فوق التصالبية والغدة الصنوبرية.

كما أشارت النتائج إلى اضطراب تنظيم حرارة الجسم الداخلية. ففي الوضع الطبيعي يحدث تدرج في تبدد الحرارة من مركز الجسم نحو الأطراف نتيجة توسع الأوعية الدموية، وهي عملية تساعد الجسم على الدخول في النوم. وعند اضطراب هذه الآلية، قد يزداد الشعور بالنعاس في أوقات مختلفة من الليل والنهار بصورة غير منتظمة.

ورصدت الدراسة أيضا تحفيزا لاستجابة هرمون الكورتيزول المرتبط باليقظة. فبحسب النتائج، يمكن لاستخدام الهاتف الذكي لمدة ساعة واحدة في غرفة ذات إضاءة خافتة أن يخلخل استجابة الجسم للكورتيزول، وهو الهرمون الذي يُفرز طبيعيا بسرعة خلال 30 إلى 60 دقيقة بعد الاستيقاظ.

كما أظهرت الدراسة انخفاض النشاط الكهربائي للدماغ بعد التعرض لضوء شاشة الهاتف الذكي لمدة 30 دقيقة، وهو ما قد يرتبط بتراجع اليقظة وزيادة الاضطرابات الذهنية.

الانشغال بتصفح الهاتف قبل النوم يضعف جودة النوم، ويزيد النعاس خلال النهار (شترستوك)
النوم أول الضحايا

مع اتساع استخدام الهواتف الذكية، بدأت التحذيرات تصدر من المراكز البحثية بشأن أثرها في النوم وما يترتب عليه من اضطرابات عقلية وجسدية.

إعلان

ففي عام 2025، نشر باحثون من جامعة جامو في الهند مراجعة شملت 25 دراسة نُشرت بين عامي 2014 و2024. وأكدت النتائج أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يضعف جودة النوم، ويزيد النعاس خلال النهار، ويطيل الوقت اللازم للاستغراق في النوم.

ودعا الباحثون الآباء والأمهات إلى إرشاد أبنائهم لتقليل استخدام الهواتف الذكية، خصوصا في الفترة المسائية، مع استخدام واقيات الضوء الأزرق أو فلاتر الشاشات للحد من التعرض للضوء المؤثر في النوم.

وعلى المستوى الفسيولوجي، نشر باحثون من جامعة أولو في فنلندا عام 2022 دراسة حللت سجلات استخدام الهواتف الذكية لدى 75 مشاركا. وأكدت النتائج وجود علاقة مباشرة بين استخدام الهاتف في السرير وجودة النوم، من خلال تتبع مؤشرات فسيولوجية للجسم.

وتبين أن استخدام الهاتف داخل السرير قبل النوم ساهم في تأخير موعد النوم، وارتفاع معدل ضربات القلب وتباينه، كما ارتبط بنوم متقطع وزيادة مرات الاستيقاظ خلال الليل. وأشارت الدراسة إلى أن المشاركين قضوا 42% من وقت استخدام الهاتف داخل السرير.

انتباه مشتت وتركيز مفقود

لم تغير الهواتف الذكية طريقة تواصلنا فقط، بل أعادت تشكيل طريقة استجابة أدمغتنا للمعلومات. فالإشعارات المتلاحقة، والرسائل القصيرة، ومقاطع الفيديو السريعة، وتطبيقات الأخبار والألعاب، خلقت بيئة ذهنية تقوم على المقاطعة الدائمة.

وبات الشخص يتفقد هاتفه أكثر من 58 مرة يوميا. ووفقا لباحثين من ألمانيا، فإن تأثير رنين الهاتف الذكي على الجهاز العصبي لحامله قد يوازي تأثير سماع اسمه، ما يجعله مشتتا حتى قبل أن يعرف محتوى الإشعار.

هذا التشتت يزيد الضغط على الدماغ، ويقلل القدرة على التركيز، ويؤثر في الإنتاجية. فقد أظهرت دراسة رصدية نشرها باحثون من ألمانيا وإسبانيا أن استخدام الهاتف أثناء العمل، سواء كان مقصودا مثل تصفح التطبيقات، أو غير مقصود مثل تلقي مكالمات واردة، قد يؤخر إنجاز المهمة بمقدار يصل إلى 4 أضعاف الزمن اللازم لإتمامها.

وفي الاتجاه نفسه، أظهرت تجربة نُشرت عام 2016 في مجلة نيورو إيمج (NeuroImage) أن تشتت الانتباه أثناء أداء مهمة معينة، نتيجة كثرة تفقد الهاتف والرسائل النصية الواردة مثلا، يضعف التركيز ويقلل الأداء، ويرفع العبء المعرفي على الدماغ في محاولة للتعويض وإنجاز المهمة.

وفي عام 2025، أُجريت دراسة مقطعية على عينة من 401 شاب إماراتي لتقييم تأثير إدمان الهواتف الذكية في الإدراك والتركيز. وأظهرت النتائج اختلال التركيز والإدراك المعرفي لدى 45% ممن صُنفوا على أنهم مدمنون للهواتف الذكية. وأوصى الباحثون بإجراء مزيد من الدراسات لتحديد العلاقة السببية بدقة، ووضع إستراتيجيات مناسبة للحد من إدمان المنصات الرقمية.

مجرد وجود الهاتف قد يكفي لتشتيت الذهن

لا يقتصر الأثر السلبي للهاتف على استخدامه الفعلي. فبعض الدراسات تذهب إلى أن مجرد وجود الهاتف قريبا من الشخص، وهو متصل ومفعل لاستقبال الرسائل والإشعارات، قد يكون كافيا لتقليل الانتباه والتركيز.

ففي دراسة نشرها باحثون من الولايات المتحدة عام 2014، تبين أن وجود هاتف ذكي مفعل لاستقبال الإشعارات انعكس على ضعف أداء الطلاب في الاختبارات النفسية العصبية مقارنة بأقرانهم الذين أجروا الاختبار دون وجود الهاتف.

ودعمت هذه النتيجة دراسة تجريبية لاحقة أجراها باحثون من ألمانيا عام 2023، وشملت 42 طالبا جامعيا، ونُشرت في مجلة نيتشر (Nature). وأظهرت أن الهواتف الذكية تقلص الأداء الذهني من خلال تشتيت الانتباه، وتجعل إنجاز المهام أبطأ.

والالافت في هذه الدراسة أن تغطية شاشة الهاتف أو حتى إغلاقه لم يكن كافيا لإلغاء أثره بالكامل، بل خلص الباحثون إلى أن الأفضل هو وضع الهاتف في غرفة أخرى لتعزيز الانتباه، خاصة لدى الأشخاص الذين يستخدمونه بصورة مفرطة في مختلف تفاصيل حياتهم.

هل يغير الهاتف بنية الدماغ؟

رغم تزايد الأدلة على أثر الهاتف الذكي في النوم والتركيز والسلوك، فإن التأثير الفعلي للاستخدام المفرط على الدماغ، سواء وظيفيا أو بنيويا، ما زال غير محسوم بصورة نهائية. ويرجع ذلك إلى صغر عينات بعض الدراسات، والحاجة إلى بحوث مستقبلية تستخدم تقنيات أكثر دقة.

إعلان

ومع ذلك، أظهرت بعض الدراسات مؤشرات تستدعي الانتباه. ففي مراجعة نُشرت في منتصف عام 2016، افترض الباحثون، استنادا إلى نتائج صور الرنين المغناطيسي، أن فرط استخدام الهاتف الذكي قد يرتبط بانخفاض حجم المادة الرمادية (Grey Matter) في مناطق معينة من الدماغ.

كما أشارت النتائج إلى انخفاض في جودة وسلامة المادة البيضاء، وهي المسؤولة عن التواصل العصبي ونقل المعلومات بين مناطق الدماغ. وقد ينعكس هذا على كفاءة الشبكات العصبية الداعمة للانتباه والذاكرة واللغة وغيرها من الوظائف المعرفية، مع احتمال تفاقم هذا التدهور تدريجيا عند الإفراط في استخدام الهواتف الذكية.

إجهاد العين الرقمي

العين أيضا لم تسلم من آثار الاستخدام الطويل للهواتف الذكية. ومع انتشار التطبيقات الرقمية وتزايد ساعات التحديق في الشاشات، خصوصا بعد جائحة كوفيد-19، شاع مصطلح إجهاد العين الرقمي (Digital Eye Strain).

وتشير الإحصاءات إلى أن معدلات هذه المشكلة قفزت بعد الجائحة من نطاق يتراوح بين 5% و65% إلى ما بين 80% و94%. وتضم هذه الحالة مجموعة من مشكلات الإبصار وأعراضا مرتبطة بتركيب العين، نتيجة التحديق المتواصل والمطول في شاشات الهواتف الذكية أو أجهزة الحاسوب وغيرها.

ووفقا لتعريف الجمعية الأمريكية للبصريات، فإن استخدام الهاتف الذكي لمدة ساعتين متواصلتين قد يكون كافيا لظهور إجهاد العين الرقمي.

وتشمل أبرز الأعراض: إجهاد العين، والاحمرار، والتهيج، وزيادة إفراز الدموع، والشعور بألم لاذع في العين، وجفاف العين، وضبابية الرؤية للأشياء القريبة، والرؤية المزدوجة، والصداع.

ويفسر الدكتور مارك روزنفيلد من كلية البصريات في جامعة ولاية نيويورك هذه المشكلة بأن الاستخدام المكثف واليومي للهواتف الذكية يرفع مقدار الجهد الذي تبذله العين للتركيز في الصور والنصوص، كما يقلل عدد مرات الرمش التي تساعد على توزيع الطبقة الدمعية على سطح العين والحفاظ على رطوبتها، ما يزيد الجفاف والشعور بعدم الراحة أثناء تصفح التطبيقات والمواقع.

وتزداد أهمية التوعية بهذه المشكلة في الدول العربية، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن 285 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطرابات النظر، وأن 90% منهم يعيشون في الدول النامية.

الرقبة في قبضة الهاتف

لا تقف أضرار الاستخدام المفرط عند النوم والعين والانتباه، بل تمتد إلى الرقبة والعمود الفقري. فالانحناء المستمر للرأس أثناء النظر إلى شاشة الهاتف، خصوصا عندما تكون دون مستوى العينين، يزيد الضغط على الفقرات العنقية، وقد يسبب ألما في الرقبة يمتد لاحقا إلى الأطراف العلوية والرأس.

ومع استمرار الوضعية الخاطئة، قد تتفاقم الحالة لتشمل انضغاط الأقراص الفقرية، أو حدوث انزلاق غضروفي، أو تلف دائم في الأعصاب والعضلات.

ومع ارتفاع عدد مستخدمي الهواتف الذكية، زادت حالات ألم الرقبة المرتبطة بالانحناء الطويل للرأس أثناء استخدام الهاتف لأكثر من 3 ساعات يوميا في الكتابة أو المراسلة أو تصفح التطبيقات. وأطلق المتخصصون على هذه الحالة اسم متلازمة الرقبة النصية (Text Neck Syndrome).

وتقدر الإحصائيات أن نسبة انتشار متلازمة الرقبة النصية عالميا تتراوح بين 16.7% و93.2%.

وفي عام 2021، أكد باحثون بقيادة مصطفى رستم أوغلو وجود ارتباط بين إدمان استخدام الهواتف الذكية وآلام الرقبة. فقد بلغت نسبة آلام الرقبة 65.9% بين 249 مشاركا في الدراسة، وكان نحو 37% منهم يستخدمون الهواتف الذكية لمدة 5 ساعات أو أكثر يوميا.

تأثير الدومينو

تحذر الدراسات من الاستهانة بالضرر الذي قد يتركه الانحناء المستمر للرأس إلى الأسفل. فبحسب مراجعة نشرها باحثون من الولايات المتحدة عام 2023، قد يؤدي هذا الانحناء الطويل إلى ارتخاء الأربطة الخلفية بين الفقرات العنقية، فتفقد قدرتها على تثبيت الفقرات جيدا، ويزداد الضغط على الأقراص والأعصاب، بما يرفع خطر اضطرابات في الجهاز العصبي مصحوبة بألم قد يستدعي مراجعة الطبيب.

ولا يتوقف التأثير عند الرقبة وحدها. فقد أظهرت دراسة نشرها باحثون من اليونان عام 2022 أن انحناء الرأس لفترات طويلة قد يحدث ما يشبه تأثير الدومينو في وضعية الجسم، إذ تنتقل آثاره تدريجيا عبر العمود الفقري من الرقبة حتى الحوض.

فاستمرار انحناء الرأس إلى الأمام ينقل مركز ثقل الجسم معه، ولتعويض اختلال الاتزان يتقوس الصدر وينحني أعلى الظهر، ثم يزداد الضغط على الفقرات القطنية فيتقوس أسفل الظهر، ويتبع ذلك ميلان في الحوض للمحافظة على التوازن. وهكذا تتغير وضعية الجسم بالكامل، ويزداد معدل الشعور بالألم.

إعلان

الهاتف الذكي وسرقة اليوم

يرتبط النشاط البدني بفوائد صحية واسعة، تشمل صحة العظام، والقلب والشرايين، والصحة النفسية والذهنية، إلى جانب المساعدة في التحكم بالوزن وتحسين اللياقة العامة.

لكن مع الانتشار الهائل للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح الجلوس الطويل وقلة الحركة نمطا شائعا، خاصة بين الشباب واليافعين.

وتشير دراسة استشرافية نُشرت عام 2025، وشملت 922 تلميذا في إحدى مدارس ألمانيا، إلى أن قضاء وقت طويل في استخدام الهواتف الذكية لا يرتبط فقط بضعف الأداء الدراسي، بل يترافق أيضا مع انخفاض النشاط البدني وارتفاع خطر الإصابة بالسمنة.

ووفق الدراسة، تراوحت نسبة استخدام الهواتف الذكية لأكثر من ساعتين يوميا بين الطلاب بين 63% و76%.

وتتفق هذه النتائج مع دراسة مقطعية نشرها باحثون من تونس مطلع عام 2026، وشملت 960 طفلا في سن المراهقة تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاما. وأظهرت أن كثرة استخدام الهاتف الذكي دون انضباط بلغت 15.7%، وارتبطت بانخفاض النشاط البدني، وارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وزيادة الشعور بالتعب.

وفي المقابل، توصل باحثون من الصين، في تجربة شملت 3224 طفلا تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاما، إلى أن ارتفاع مستوى اللياقة البدنية يقلل احتمالية الإفراط في استخدام الهواتف الذكية أو الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات. وتشير هذه النتيجة إلى أن تعزيز الرياضة والنشاط البدني قد يكون وسيلة فعالة للحد من الاستخدام المفرط للهاتف.

كيف نستعيد السيطرة؟

لا تعني هذه النتائج أن الهاتف الذكي عدو يجب التخلص منه، فهو أداة مفيدة وضرورية في العصر الحديث. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من وسيلة إلى مركز حياة، ومن أداة لتنظيم اليوم إلى سبب في استنزافه.

ولذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى ضبط العلاقة مع الهاتف، خصوصا في ساعات المساء وقبل النوم. فترك الهاتف خارج السرير، وتقليل الإشعارات، ووضعه في غرفة أخرى أثناء الدراسة أو العمل، واستخدام فلاتر الضوء الأزرق، وأخذ فواصل منتظمة لإراحة العين والرقبة، وممارسة الرياضة، كلها خطوات بسيطة لكنها قد تعيد التوازن إلى اليوم.



إقرأ المزيد