مؤتمر هرتسليا.. إسرائيل تواجه إخفاقات الحروب وهواجس التفكك
الجزيرة.نت -

القدس- خلصت جلسات مؤتمر هرتسيليا السنوي في دورته الـ22 إلى أن إسرائيل تواجه مرحلة "غير مسبوقة" من التحديات الأمنية والسياسية، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، والتوتر مع إيران، والتصعيد في الضفة الغربية ولبنان، إلى جانب تصاعد الانقسامات الداخلية بشأن مستقبل النظام السياسي والأمني.

كما ناقش المشاركون حدود القوة العسكرية، وانعكاسات الحرب متعددة الجبهات، ومستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، وسط تساؤلات حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الإستراتيجية وتعزيز صمودها الداخلي.

وافتتحت أعمال المؤتمر، الثلاثاء، تحت عنوان "بين الأمن القومي والصمود الوطني.. هل سنصل إلى بر الأمان؟"، بمشاركة مسؤولين سياسيّين وعسكريين وأمنيين وباحثين من إسرائيل وخارجها، واستمرت جلساته على مدار يومين لمناقشة أبرز التحولات التي تشهدها المنطقة.

مؤتمر هرتسيليا يشير إلى تحديات غير مسبوقة وانقسامات داخلية متصاعدة في إسرائيل (جامعة رايخمان)
تحديات في الأفق

وجاء انعقاد المؤتمر في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، تصدرتها تداعيات الحرب على إيران، والحرب المستمرة على قطاع غزة، والتطورات في الضفة الغربية ولبنان، إلى جانب قضايا داخلية تتعلق بمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي، والعلاقات مع الولايات المتحدة، ومستوى الجاهزية الأمنية والمجتمعية.

ركزت جلسات النقاش على تقييم البيئة الإستراتيجية الجديدة التي تواجهها إسرائيل، واستعراض التحديات العسكرية والسياسية وآليات صنع القرار، إضافة إلى بحث مستقبل التهديدات الإقليمية، وملفات الاستيطان والضفة الغربية، وإيران، والدعم الأمريكي، فضلا عن قضايا الديمقراطية، والتجنيد الإلزامي، والتحولات التي يشهدها الجيش الإسرائيلي.

كما تناول المشاركون تداعيات الحرب متعددة الجبهات على المجتمع الإسرائيلي، وناقشوا مؤشرات الانقسام الداخلي، وجدوى الخطاب الرسمي بشأن "النصر المطلق"، إلى جانب طرح تصورات وتوصيات تتعلق بمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية، وإمكان قيام دولة فلسطينية، والسياسات الواجب اتباعها تجاه إيران، فضلا عن أبرز التحديات الداخلية والإقليمية التي يتوقع أن تواجه إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.

هرتسوغ: إسرائيل مهددة بالتحول من مجتمع متنوع ومتماسك إلى قارة متفككة (الحكومة الإسرائيلية)
هرتسوغ يحذر

افتتح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، المؤتمر الذي ينظمه معهد السياسة والإستراتيجية في "جامعة رايخمان"، داعيا إلى "تجديد العقد الإسرائيلي" في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي على خلفية الحرب الدائرة واحتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة.

إعلان

وقال هرتسوغ إن "العقد الإسرائيلي" يقوم على مبدأ الاختلاف ضمن إطار من احترام القانون والمؤسسات، موضحا أن من حق الجميع النضال من أجل أفكارهم، لكن دون خرق القواعد المشتركة أو تحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء.

وتطرق الرئيس الإسرائيلي إلى حالة الاستقطاب الداخلي، محذرا من تراجع الالتزام بسيادة القانون، وقال إن هناك من بات يعتبر القانون "مجرد توصية"، الأمر الذي ينعكس في تصاعد خطاب الصراخ والتهديدات والتضليل والعنف، وصولا إلى النظر إلى كل من يحمل رأيا مختلفا باعتباره عدوا.

وحذر هرتسوغ من تداعيات استمرار هذا المسار على ما سماه "تماسك" المجتمع الإسرائيلي، معتبرا أن إسرائيل مهددة بالتحول من مجتمع متنوع ومتماسك إلى "قارة متفككة" تتكون من "جزر" منفصلة، يعيش سكانها شعورا بالإرهاق والاضطهاد ويعتقد كل طرف أنه يحتكر الحقيقة. وأضاف: "الجزر ليست دولة".

ومع تصاعد التقديرات بإجراء انتخابات في الفترة المقبلة، أعلن هرتسوغ ما وصفه بـ"حالة طوارئ مدنية"، مؤكدا أنها تستوجب التحلي بالمسؤولية والأمل. وشدد على أن كل مواطن، بما في ذلك أبناء الأقليات، شريك في الدولة، وأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة الدولة، كما أن الفوز بها لا يمنح أي طرف "تفويضا لإبادة نصف المجتمع".

وأكد أن تأييد الحكومة لا يجعل المواطن عدوا للديمقراطية، كما أن معارضتها لا تجعله عدوا للشعب، داعيًا إلى الحفاظ على قواعد اللعبة الديمقراطية "فالانتخابات ليست حربا أهلية، وإنما الوسيلة الديمقراطية لحسم الخلافات بصورة سلمية".

دعوة في مؤتمر هرتسيليا إلى الاستعداد لجولة قتال جديدة في إيران (الجزيرة)
غطرسة إسرائيل سبب إخفاقاتها

أما البروفيسور بوعز غانور، رئيس جامعة رايخمان ومؤسس معهد "السياسات والإستراتيجية لمكافحة الإرهاب"، فقال إن على إسرائيل الاستعداد منذ الآن لجولة قتال جديدة مع إيران، انطلاقا من افتراض أنها قد تتحول إلى دولة تمتلك سلاحا نوويا.

وأوضح غانور أن هذا الاستعداد يتطلب إعادة صياغة سياسة الردع الإسرائيلية، وسد الثغرات في منظومة الدفاع الداخلي، إلى جانب ضمان جاهزية الاقتصاد لمواجهة جولات قتال طويلة وممتدة.

وأضاف أن القاسم المشترك بين الإخفاقات التي شهدتها إسرائيل يتمثل في ما وصفه بـ"الغطرسة"، معتبرا أنها تجسدت في الاستخفاف بالخصوم، والإخفاقات الاستخباراتية، والمبالغة في تقدير القدرات العملياتية للجيش الإسرائيلي، فضلا عن ترسيخ ثقافة تقوم على الاعتقاد بأن "كل شيء سيكون على ما يرام"، وهو ما أسهم، بحسب قوله، في تكرار الأخطاء الإستراتيجية.

بينيت: الحرب المستمرة أظهرت أن التهديدات التي تواجه إسرائيل لم تتراجع (جامعة رايخمان)
انهيار مفهوم الأمن

خلال جلسة بعنوان "إيران بين الخطر والفرصة"، وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت انتقادات حادة لسياسة رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو تجاه إيران، معتبرا أن إسرائيل دخلت عام 2021 من دون خطة متكاملة أو قدرات كافية لمواجهة التهديد النووي الإيراني.

وقال بينيت إن حكومته شرعت في بناء قدرات هجومية وأعدت خطة شاملة لإضعاف النظام الإيراني عبر أدوات عسكرية وتكنولوجية وسياسية واقتصادية، إلا أن هذه الخطة، بحسب قوله، توقفت بعد عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة.

إعلان

وأضاف أن الحرب المستمرة أظهرت، بعد نحو ألف يوم، أن التهديدات التي تواجه إسرائيل لم تتراجع، مشيرا إلى أن حركة حماس أعادت بناء قدراتها في قطاع غزة، بينما يواصل حزب الله تعزيز قوته في لبنان، في حين لا يزال النظام الإيراني، الذي وصفه بـ"رأس الأخطبوط"، قائما.

واعتبر بينيت أن مفهوم الأمن الإسرائيلي التقليدي، القائم على الردع والإنذار والحسم والدفاع، انهار في 7 أكتوبر/تشرين الأول بسبب "طوفان الأقصى"، داعيا إلى إضافة ركن خامس يتمثل في "المبادرة"، من خلال تبني سياسة هجومية واستباقية تتجاوز الدفاع عن الحدود، وتشمل استخدام الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية للتأثير في البيئة الإقليمية.

وأشار إلى أنه بدأ خلال توليه رئاسة الحكومة إعداد خطة متعددة المسارات للتعامل مع إيران، كاشفا للمرة الأولى عن جزء من وثيقة قال إنه أعدها مطلع عام 2022، وتتضمن عشرات مسارات العمل لإضعاف النظام الإيراني بوسائل علنية وسرية، مؤكدا عزمه على استكمال تنفيذها إذا عاد إلى رئاسة الحكومة.

نقاشات حول أزمة التجنيد الإلزامي ومستقبل الخدمة العسكرية بمؤتمر هرتسيليا (جامعة رايخمان)
من كواليس الحرب

خلال جلسة تناولت العلاقة بين الأمن القومي وما سمي بـ"الصمود الوطني"، شن رئيس الأركان الأسبق، اللواء (احتياط) غادي آيزنكوت، هجوما حادا على الحكومة ورئيسها نتنياهو، كاشفا عن معطيات قال إنها تعود إلى كواليس إدارة الحرب وصنع القرار منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

واستهل آيزنكوت كلمته بالكشف عن أنه بعد نحو شهر من اندلاع الحرب على غزة، تلقى اتصالات من أعضاء كنيست في الائتلاف الحاكم عرضوا عليه قيادة خطوة لحجب الثقة عن الحكومة وتولي رئاسة الوزراء لفترة انتقالية بهدف تحقيق الاستقرار، شريطة أن يبتعد لاحقا عن قيادة أي حزب سياسي.

واتهم آيزنكوت نتنياهو بانتهاج سياسة تقوم على "تزييف الحقائق" وتضليل الرأي العام، معتبرا أنه لجأ إلى إثارة المخاوف بشأن الملف النووي الإيراني والعملية العسكرية في رفح، في حين امتنع عن استثمار الإنجازات العسكرية لإنهاء الحرب من موقع قوة، بسبب اعتماده السياسي على شريكيه في الائتلاف، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

وأضاف أن هذا الارتباط السياسي حال دون تحويل ما اعتبرها "إنجازات عسكرية" حققها الجيش الإسرائيلي إلى مكاسب سياسية وإستراتيجية طويلة الأمد، وأسهم في إطالة أمد الحرب.

وفي ما يتعلق بالجبهة الشمالية، وصف آيزنكوت التفاهمات الناشئة بشأن لبنان بأنها "تطور إيجابي"، لكنه حذر من أن تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 سيواجه تحديات كبيرة.

وكشف أن المؤسسة الأمنية أعدت خطة هجومية واسعة ضد حزب الله، وأن العملية التي أُطلق عليها اسم "بيبر" لم تكن سوى جزء محدود منها، إلا أن نتنياهو قرر عدم تنفيذ الخطة الكاملة، قبل أن تنتهي تلك التحركات تحت ضغط الولايات المتحدة، بحسب قوله.

ودعا آيزنكوت إلى ربط أي انسحاب أو تسوية مستقبلية في لبنان بترتيبات أمنية صارمة تضمن نزع سلاح حزب الله، واقترح اعتماد نموذج مشابه للقوة متعددة الجنسيات في شبه جزيرة سيناء، بهدف منع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

"النصر المطلق" كذبة

في جلسة حملت عنوان "بين غزة والضفة الغربية.. الجبهة تحت السطح"، وجه اللواء (احتياط) نيتسان ألون، والرئيس السابق لهيئة الأسرى والمفقودين، انتقادات حادة لإدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب على قطاع غزة، معتبرا أن الحرب كان يمكن إنهاؤها قبل نحو عام، وأن استمرارها كلّف إسرائيل أثمانا باهظة كان بالإمكان تجنبها.

وقال ألون إن بعض الأسرى الإسرائيليين الذين قتلوا خلال احتجازهم في قطاع غزة كان من الممكن إعادتهم أحياء لو اتخذت قرارات مختلفة خلال الحرب أو جرى التوصل إلى اتفاقات في وقت مبكر، مشيرا إلى أن نحو 40 أسيرا اختطفوا أحياء لكنهم لقوا حتفهم في الأسر.

إعلان

واتهم ألون الحكومة والقيادة السياسية برفض اتفاقات وصفقات شاملة في مراحل سابقة بذريعة "النصر المطلق"، واصفا هذا الشعار بأنه "كذبة"، ومعتبرا أن القرار بالذهاب إلى اتفاقات جزئية كان يهدف أساسا إلى إطالة أمد القتال.

وأضاف أن هذا الخيار قد يكون له منطق تكتيكي، لكنه لم يكن الخيار الصحيح من الناحية الإستراتيجية، إذ استمرت الحرب لأكثر من عامين حتى اضطرت إسرائيل إلى إنهائها تحت ضغط الإدارة الأمريكية.

وتابع أن استمرار الحرب أدى إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجنود، إضافة إلى أثمان باهظة كان يمكن تجنبها، لافتا إلى أن إسرائيل لم تحقق بعض الأهداف التي أعلنتها، وفي مقدمتها نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وفيما يتعلق بالضفة الغربية، حذر ألون من أن السياسات التي تنتهجها الحكومة تخلق واقعا أمنيا خطيرا قد يصبح من الصعب تغييره مستقبلا، وقال إن الإجراءات على الأرض تؤدي إلى تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية بما يمنع استمرار الحياة الطبيعية فيها.

وأضاف أن تنفيذ هذه السياسات يتم، بحسب وصفه، عبر "أساليب ملتوية"، تشمل الاستعانة بمجموعات مسلحة من المستوطنين وعناصر متطرفة، معتبرا أن بعض الشخصيات التي تقود هذه التوجهات هي من "الهامش" لكنها منحت مواقع مؤثرة داخل الحكومة، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأوضاع في الضفة الغربية.



إقرأ المزيد