فاتورة فنادق بـ200 مليون دولار.. من يحاسب الفيفا على إنفاقه الضخم؟
الجزيرة.نت -

Published On 2/7/2026

هل لا تزال بطولة كأس العالم احتفالاً رياضياً بالمجد الكروي، أم تحولت إلى أداة لإنفاق ضخم يهدف إلى تثبيت النفوذ الإداري؟ تضع تقارير استقصائية -نشرت "ذا تلغراف" (The Telegraph) أبرزها- الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تحت مجهر المساءلة، كاشفة عن نمط من البذخ الإداري الذي يراه المنتقدون محاولة لإعادة هندسة كواليس اللعبة بعيداً عن جوهرها التنافسي.

مكاتب مانهاتن.. واجهة سياسية غائبة عن التنفيذ

تتجلى هذه السياسة -وفقاً لـ"ذا تلغراف"- في استئجار الفيفا مقراً فاخراً في الطابق الـ17 من "برج ترامب" بمانهاتن، بكلفة تقديرية تصل إلى 40 ألف دولار شهريا. ورغم الوعود التي أطلقها جياني إنفانتينو رئيس الفيفا العام الماضي بأن يكون المكتب مركزا لإدارة البطولة، كشفت مصادر متطابقة للصحيفة أن 90% من العمليات التنفيذية تدار فعليا من ميامي، في حين يظل مكتب نيويورك واجهة شبه مهجورة مخصصة للاجتماعات السيادية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

هذا التدفق المالي المباشر إلى خزائن عائلة ترامب، بموجب اتفاق مع إيريك ترامب نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يطرح تساؤلات كبرى حول طبيعة المصالح المتبادلة، رغم تأكيدات الفيفا بالتزامه بالقيمة السوقية السائدة للإيجار.

إنفانتينو والرئيس الأميركي دونالد ترامب (الفرنسية)
هندسة الانتخابات بأموال الضيافة الفندقية

ويمثل الإنفاق اللوجستي الضخم الأداة الأبرز لهندسة الولاءات داخل المنظومة الكروية؛ فمن أصل ميزانية مصاريف إجمالية تبلغ 3.76 مليار دولار موزعة بين أمريكا والمكسيك وكندا، يتوقع مسؤولون في اللعبة تحدثوا لـ"ذا تلغراف" أن تتجاوز فاتورة الفنادق وحدها 200 مليون دولار هذا العام.

وفي ميامي، حجز الفيفا فنادق كاملة من فئة الـ5 نجوم مثل "ريتز كارلتون" الذي تبلغ تكلفة الليلة الواحدة فيه قرابة 1000 دولار، مع تحمل الفيفا جميع النفقات الأخرى لاستضافة وفود 211 دولة عضو، إلى جانب تغطية نفقات إقامة آلاف اللاعبين المعتزلين ضمن رابطة "أساطير الفيفا".

إعلان

وتكمن أبعاد هذا السخاء في ربطه المباشر بالدعم المالي الذي يضخه الفيفا للاتحادات الوطنية والبالغ 2.7 مليار دولار؛ وهي الاتحادات ذاتها التي تملك أصوات الحسم في صناديق الاقتراع، مما يضمن لإنفانتينو إعادة انتخابه العام المقبل دون منافسة فعلية.

طائرات خاصة على حساب الجماهير

في الوقت الذي يتنقل فيه رئيس الفيفا لحضور مباراتين يوميا عبر طائرة خاصة مدعوما بمواكب أمنية، تواجه الجماهير تضخما قياسيا في التكاليف؛ حيث قفز الحد الأدنى لأسعار التذاكر في سوق إعادة البيع إلى 1600 دولار وفقا لمؤشر "تيكيت داتا" (TicketData)، بينما بيعت باقات الضيافة الفاخرة لشركات الكونسيرج بمبلغ 4 ملايين دولار لـ6 مقاعد فقط في المباراة النهائية، بحسب ما نقلته الصحيفة البريطانية عن وكالة رويترز.

من جانبه، يدفع الفيفا عن نفسه تهمة التبذير بالإشارة إلى أن مصاريف الفنادق والمكاتب لا تمثل سوى جزء ضئيل من العوائد، معلنا التزامه بإعادة ضخ 11.67 مليار دولار من إجمالي إيراداته المتوقعة البالغة 13 مليار دولار في مشروع "تطوير كرة القدم العالمية"، بزيادة تصل إلى 20% مقارنة بالدورة السابقة، على أن يذهب نحو 2.7 مليار دولار منها كدعم مباشر للاتحادات الـ211 والأعضاء القاريين الستة، وهو ما يفسر عمليا الضمانة شبه المحسومة لإعادة انتخاب إنفانتينو العام المقبل.

اللعبة تفقد قيمتها الرياضية

كارلوس كيروش مدرب منتخب غانا (الفرنسية)

هذا التوجه التجاري الصارخ فجر موجة انتقادات من الفنيين والمدربين داخل المونديال؛ إذ صرح المدير الفني لمنتخب باراغواي غوستافو ألفارو منتقدا الوضع: "لقد تضخمت بطولات كأس العالم بشكل مبالغ فيه، سواء في التكاليف أو التفاصيل الأخرى. إن جوهر كرة القدم يضيع الآن؛ لا يمكن تحويل اللعبة إلى مجرد تجارة وأعمال، يجب أن تبقى كرة قدم".

وانصبت الانتقادات أيضا على الصيغة الجديدة للبطولة برفع عدد المنتخبات إلى 48 فريقا؛ حيث علق مدرب غانا كارلوس كيروش قائلا: "مع تأهل هذا العدد الضخم، أصبحت القيمة التنافسية لبطولة كأس العالم وخصوصية التواجد فيها مسألة فيها نظر ومحل شك".

وفي كتابه الصادر بعنوان "علاقات الفيفا: تحقيق في نظام إنفانتينو"، يلخص الصحفي الفرنسي سيمون بولي هذه الدائرة الإدارية بالقول إن الدول الصغيرة والفقيرة المعتمدة كليا على منح الفيفا المالية هي من تحمي هذا النظام وتجعل الجشع الكروي مستداما ومحصنا، مضيفا: "المعيار الأول لهذه الهيئة الدولية اليوم هو المال، والرئيس لا يحاول حتى إخفاء هذه الحقيقة".

بالمقابل، يبدو ملاك العقارات في "برج ترامب" المستفيد الأكبر والأكثر سعادة بهذا الشغف الإداري؛ فالترحيب الذي أبداه إيريك ترامب العام الماضي عند توقيع العقد يلخص المشهد بوضوح حين قال: "نيابة عن نفسي، وعن نيويورك، ومنظمة ترامب وكل العاملين هنا.. نحن نحبكم".



إقرأ المزيد