الزلزال قادم.. دير شبيغل تكشف كواليس انهيار كرة القدم الألمانية
الجزيرة.نت -

بعد الخروج المبكر الثالث للمنتخب الألماني لكرة القدم من المونديال، بحث الإعلام الألماني عن إجابات عن أسئلة ملحة تشغل الأوساط الكروية والمشجعين: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن أبرز المرشحين لخلافة ناغلسمان الذي بات رحيله "مسألة وقت فقط"، بحسب مسؤول كبير في الاتحاد الألماني لكرة القدم.

للمرة الثالثة على التوالي، يودّع المنتخب الألماني -بطل العالم أربع مرات- كأس العالم من الأدوار المبكرة، فبعد خروجه من مرحلة المجموعات عامي 2018 و2022، انتهى مشوار واحد من أعرق المنتخبات الأوروبية هذه المرة عند دور الـ32 أمام منتخب تأهل إلى الأدوار الإقصائية بصعوبة وحل في مجموعته في المركز الثالث.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

فكيف تحول أحفاد فرانس بكنباور وغيرت مولر ولوثر ماتيوس إلى أقزام لا يحسب لهم أحد حسابا؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن لكرة القدم الألمانية أن تخرج من أزمة متواصلة منذ أعوام؟ وهل من السهل تحميل المدرب الشاب يوليان ناغلسمان ولاعبيه كل هذه المسؤولية؟

وتبحث ألمانيا اليوم بمشجعيها واتحادها لكرة القدم ونخبها الرياضية وإعلامها عن إجابات منذ سقوط منتخبها أمام باراغواي وخروجها المتجدد من البطولة.

وقد حاولت دير شبيغل ، إحدى المجلات الألمانية الكبيرة تفسير ما حدث، وأعادت قراءة الأحداث وتحدثت مع مسؤولين في الاتحاد الألماني لكرة القدم ومع لاعبين ومدربين في أندية دوري البوندسليغا ومستشارين رياضيين نافذين، فضل معظمهم عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية المرحلة.

رحيل يوليان ناغلسمان مدرب منتخب ألمانيا أصبح مسألة وقت بعد خروج المنتخب المبكر (رويترز)
رحيل ناغلسمان مسألة وقت

وقالت شبيغل إن الصورة التي رسمتها بعد الحديث مع كل هؤلاء كانت "قاتمة وصادمة ولها أوجه متعددة، لكنها أيضا تمثل في المجمل قصة خداع كبير للذات ومدرب ضل طريقه خلال الاستعداد للبطولة".

إعلان

وبدءا بالمدرب، تقول المجلة -نقلا عن مسؤولين في الاتحاد الألماني- إن رحيل ناغلسمان "بات مسألة وقت" وإنه هو نفسه "يدرك ذلك"، وإن جميع خيوط البحث عن مدرب جديد "تشير إلى يورغن كلوب"، الذي تتحدث نجاحاته عن نفسها.

فعلى رأس فريق بوروسيا دورتموند فاز كلوب بلقب الدوري الألماني مرتين وبكأس ألمانيا مرة، ومع الفريق الإنجليزي ليفربول توج بطلا لدوري أبطال أوروبا.

وتعاقد كلوب (59 عاما) مع شركة ريد بول عقدا يوصف في الأوساط الكروية بأنه "زواج صوري"، كما ينظر بعض المحللين الرياضيين في القنوات التلفزيونية الألمانية إليه داخل الأوساط الكروية على أنه "مدرب ظل" للمنتخب الألماني.

وبغض النظر عن الاسم الجديد الذي سيخلف ناغلسمان، تنقل المجلة عن مسؤول كبير في الاتحاد -فضل عدم الكشف عن هويته- قوله إن "الزلزال قادم"، مضيفا "ناغلسمان لم يعد قادرا على استنهاض الفريق وتدشين بداية جديدة. يجب أن ينتهي كل شيء الآن. لقد كنا نكذب على أنفسنا".

منتخب ألمانيا خيب آمال أنصاره في مونديال قطر وفي مونديال 2026 (الفرنسية)

وتساءلت المجلة من المقصود "بخداع الذات"؟ ألمدرب وحده أم الاتحاد أيضا؟ لتقول إن القصة بدأت قبل عامين وتحديدا في صيف 2024، عندما كان يوليان ناغلسمان يجلس في غرفة ضيقة داخل ملعب نادي شتوتغارت، وعلق على خروج ألمانيا من ربع نهائي بطولة أمم أوروبا أمام إسبانيا بالقول إن الانتظار عامين من أجل الفوز بكأس العالم "أمر مؤلم".

هذه العبارة تم تداولها على نطاق واسع، مما دفع المراقبين حينها إلى الجزم بأن المدرب رفع سقف طموحاته بشكل مبالغ فيه وأوحى للجمهور بأن المنتخب الألماني سيعود فعليا إلى مكانه المعهود، علما أن هذا التفاؤل كان في الواقع وهما ومجرد تصور غير واقعي.

صحيح أن أحد مكامن القوة عند ناغلسمان -تقول شبيغل- كانت قدرته على التواصل مع اللاعبين والجمهور وبلاغته النادرة، لكن هذا الحس فقد بريقه وبدأ يتلاشى، إذ دخل قبل كأس العالم، في خلاف علني مع المهاجم دنيس أونداف.

كما أن طريقته في التعامل مع عودة الحارس المخضرم مانويل نوير لم تكن موفقة لدرجة أن أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الألماني لكرة القدم وصفه بالقول إنه "حساس بشكل مفرط وغير متزن ومتعجرف"، مضيفا أن ذلك أضر بالمنتخب وأثر سلبيا على التواصل مع اللاعبين وقبل كل شيء مع وسائل الإعلام والجمهور.

ووفق المجلة فإن القطيعة الحقيقية مع الفريق حدثت عندما أحاط ناغلسمان نفسه بمساعدين يعرفهم منذ بداية مشواره في فريق هوفنهايم، مما خلق "بيئة مغلقة لا يعارضه فيها أحد"، في إشارة من المجلة إلى تفرد ناغلسمان بإدارة الفريق واتخاذ القرارات.

منتخب غير متجانس

أما الأخطاء الفنية للمدرب فلخصتها المجلة بالقول: "رغم امتلاكه عامين من التحضير، لم يكن المنتخب في النهاية فريقا متجانسا، بل هو أقرب إلى تشكيلة ارتجالية تضمنت وضع لاعبين في مراكز حساسة بشكل مثير للجدل.

وعلى سبيل المثال، دفع المدرب بنجم بوروسيا دورتموند فيليكس نيميتشا إلى خط الوسط رغم أنه لم يكن قد خاض سوى عدد قليل من المباريات كلاعب أساسي، لدرجة أن نيميتشا كان له دور في أربعة من أصل خمسة أهداف هزت شباك مانويل نوير.

لاعبو ألمانيا على أرض الملعب خلال ركلات الترجيح في مباراة بين ألمانيا وباراغواي (أسوشيتد برس)

وفي كل مباراة، تلقى المنتخب هدفا واحدا على الأقل، وقد علق أحد المسؤولين في الاتحاد على هذا الوضع بالقول "لم يعد لدينا قوة دفاعية أو بدنية كافية" للدفاع عن المرمى.

إعلان

تقول شبيغل إن الفريق افتقر إلى هيكل واضح، إذ رفض ناغلسمان الاعتماد على الثنائي المتجانس يوشوا كيميش وألكسندر بافلوفيتش في خط الوسط، رغم أنهما قدما موسما مميزا مع بايرن ميونخ، إلا أن ناغلسمان فضل أن يلعب كيميش كظهير أيمن.

ولجأت المجلة إلى لاعب المنتخب السابق إلكاي غوندوغان الذي قال إن العلاقة بين المدرب واللاعبين في كرة القدم معقدة للغاية، مؤكدا أن الخطط التكتيكية للمدرب لا يمكن أن تنجح إلا إذا وضع جميع اللاعبين مصلحة الفريق فوق مصالحهم الفردية.

وإذا غرد لاعب واحد أو اثنان خارج سرب الفريق -وفق غوندوغان- فإن "الخطة التكتيكية غالبا ما تنهار بالكامل وعندها لا يمكن الحديث عن وجود هوية واضحة للفريق".

ويعتقد غوندوغان أن كرة القدم الألمانية ربما "ظلت لفترة طويلة ترى نفسها أكبر مما هي عليه فعليا، لكنها اليوم في وضعها الحالي لم تعد قادرة على مجاراة النخب الكروية العالمية".

وحمل غوندوغان الاتحاد الألماني لكرة القدم جزءا من المسؤولية قائلا: "ربما حان الوقت لإعادة النظر بعمق في البنية الداخلية للاتحاد، بدءا بآليات العمل بشكل عام، وصولا إلى أكاديميات الشباب".

شبيغل: كلوب قادر على إشعال الحماس داخل أي فريق (رويترز)
هل كلوب المدرب المناسب؟

ونقلت شبيغل عن أحد كبار المسؤولين في الأندية الألمانية العريقة قوله إن "ما يحدث كارثة بالنسبة للدوري. لأن شعار "صنع في ألمانيا" لم يعد علامة تدل على الجودة، وهذه البطولة كان يمكن أن تشكل إشارة إيجابية ليس فقط لكرة القدم الألمانية، بل لبلد بأكمله يعيش حالة من الاضطراب والفقدان التدريجي لليقين والهوية. لم يعد يخاف منا أحد"، في إشارة من المجلة إلى كرة القدم.

ووفق المسؤول فإن تعيين كلوب خلفا لناغلسمان "أمر محسوم. فهو من أنجح المدربين الألمان في الخارج والشخص المناسب في هذه المرحلة لأنه قادر على إشعال الحماس داخل أي فريق. وعلاوة على ذلك لم يعد لدينا الكثير من العقول المبدعة. لذلك نحتاج لرؤية واضحة، وكلوب قادر على القيام بهذه المهمة".

يورغن كلوب كان حاضرا بقوة في هذه البطولة وتصريحاته من القناة التلفزيونية "ماغنتا تي في" كان يحسب لها ألف حساب حتى أن هذه التصريحات -وفق شبيغل- ساهمت في إضعاف مواقف ناغلسمان.

وحتى قبل مباراة ألمانيا الأولى ضد كوراساو، تحول أحد تصريحات كلوب إلى قضية جدلية، حين قال على الهواء مباشرة "لحسن الحظ أن يوليان ناغلسمان هو من يختار التشكيلة. حتى الآن"، ثم كرر كلمة "حتى الآن" ببطء وبشكل لافت.

بدا الأمر وكأن كلوب بدأ يهيئ نفسه لتولي المهمة تماما كما حدث في الماضي مع المدرب بيرتي فوغتس بعد كأس العالم 1990، عندما حل مكانه فرانس بكنباور، ففي ذلك الوقت كان بكنباور يواظب على التعليق على قرارات فوغتس بسخرية عبر صحيفة "بيلد"، ما شكل ضغطا كبيرا عليه.

شبيغل: كلوب هو الخيار المنطقي لقيادة المنتخب رغم أنه لم يسبق له أن درب منتخبا وطنيا (رويترز)
محبوب الجماهير

وقالت شبيغل إن يورغن كلوب كان دائما محبوبا لدى الجماهير وبعض المسؤولين في الاتحاد الألماني لكرة القدم، وعندما أصبح ناغلسمان مدربا للمنتخب عام 2023، لم يكن كلوب متاحا، لأنه تولى، بعد رحيله عن ليفربول، وظيفة المدير الإستراتيجي في شركة ريد بول، وهذا المنصب يعرف في الأوساط الكروية بأنه ليس أكثر من "زواج صوري" بحسب أحد مديري الأندية في الدوري الألماني.

وتختم شبيغل بالقول يبدو أن كلوب هو الخيار المنطقي لقيادة المنتخب رغم أنه لم يسبق له أن درب منتخبا وطنيا، لكنه في المقابل شارك في عمليات انتقال مدربين في إطار عمله مع ريد بول وهيبته بين اللاعبين قوية جدا، لأن من يظفر بكأس دوري أبطال أوروبا يكتسب ولاء اللاعبين بسهولة.

ولكن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الاتحاد الألماني لكرة القدم يملك الجرأة اللازمة لعدم اللجوء إلى كلوب ولكن، كما قال أحد كبار المسؤولين في الاتحاد: "لا مجال بعد اليوم للتجارب لأننا نحتاج لقرار كبير".

إعلان



إقرأ المزيد