الجزيرة.نت - 7/2/2026 10:37:07 AM - GMT (+3 )
Published On 2/7/2026
في لحظة تبدو فيها صناعة المجلات الورقية أقرب إلى الانكماش منها إلى التجدد، تظهر مؤشرات على عودة مفاجئة لهذا الشكل الإعلامي بين جمهور غير متوقع وهم المراهقون.
وبينما تخفض مؤسسات نشر كبرى إصداراتها، وتطوي مجلات عريقة صفحاتها أو تدمجها داخل علامات أكبر، تستعد مشاريع جديدة لإطلاق مجلات مطبوعة موجهة إلى جيل نشأ أصلا داخل المنصات الرقمية.
وفي مقال نشرته مجلة كولومبيا للصحافة، رصدت نويل دي ليو ما وصفته ببداية نهضة ورقية محتملة بين المراهقين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من هيمنة الخوارزميات على حياة الشباب، ومن تحكم منصات التواصل في ذائقتهم وثقافتهم اليومية.
تبدأ الكاتبة من المفارقة الكبرى: لماذا يراهن ناشرون ومحررون اليوم على مجلات ورقية للمراهقين، بينما تعاني الصناعة نفسها من موجة إغلاقات وتسريحات، فقد أعلنت المؤسسة الإعلامية الأمريكية البارزة "كوندي ناست" مؤخرا إنهاء عدد من الإصدارات، بينها مجلة "سيلف"، إلى جانب نسخ دولية من "غلامور".
كما قلصت المؤسسة سابقا طاقم "تين فوغ" ودمجتها تحت مظلة فوغ، في تحول بعيدا عن السياسة والنشاط العام، نحو التطوير المهني والقيادة الثقافية، وجاء ذلك بعد موجة تسريحات واسعة في هيرست ماغازينز.
ورغم هذا المشهد القاتم، تستعد مجلات جديدة لدخول السوق، من أبرزها "كوكي"، وهي مجلة للمراهقين أسستها بولا جيمس مارتينيز، المديرة السابقة للأزياء في "ريفنري 29". وتخطط المجلة للظهور أولا في شكل عدد ورقي قابل للاقتناء بسعر 35 دولاراً، قبل أن تتحول إلى إصدار شهري ابتداء يناير/كانون الثاني 2027.
ووفق المقال، ستغطي كوكي الثقافة الشعبية والموضة والصحة وتنشر مقالات يكتبها مراهقون. وتقول جيمس مارتينيز إن الفكرة جاءت من قلقها على ابنتها ذات الأعوام التسعة من الانخراط المبكر في وسائل التواصل، معتبرة أن هناك فراغا ثقافيا كبيرا أمام الصغار والمراهقين، حيث لا يجدون اليوم بديلا تقريبا عن الإنترنت.
إعلان
ولا تبدو كوكي تجربة منفردة، ففي سبتمبر/أيلول المقبل، من المقرر إطلاق مجلة دبليو يوث، وهي إصدار شقيق موجه إلى جيل زد من مجلة الموضة دبليو.
وتقف وراء المشروع سارة مونفز، رئيسة تحرير دبليو، والمخرجة صوفيا كوبولا، والمصممة أفا نيروي. وتطمح المجلة إلى إصدار ورقي نصف سنوي، يستعيد، بحسب القائمين عليها، روح المجلات التي شكلت ذائقة أجيال سابقة، لكن بصيغة تناسب ثقافة اليوم وتجارب الوسائط المادية.
وتستعيد دي ليو تجربتها الشخصية مع مجلات المراهقين في سنوات التحول الرقمي الأولى، حين كانت منصات مثل إنستغرام وسناب شات تبدأ بالتسلل إلى حياة طلاب المدارس.
وتقول إن ذاكرة تلك المرحلة لا ترتبط فقط بالشاشات، بل أيضا بالمجلات اللامعة التي كانت تتناول نجوم الغناء والموضة والعلاقات الأولى. لكنها لا تغفل الجانب الإشكالي من تلك المجلات، خصوصا ما حملته أحيانا من ضغوط وصور نمطية مرتبطة بالجسد والمظهر، أثرت في قارئات صغيرات بطرق غير صحية.
وتوضح الكاتبة أن تراجع مجلات المراهقين لم يبدأ اليوم، فقد فقدت تين فوغ ثلث مشتركيها بين عامي 2005 و2015، بينما هبط توزيع مجلة تين من أكثر من مليون نسخة عام 1995 إلى نحو 230 ألف نسخة بعد عقد واحد.
كما توقفت النسخة الأمريكية من كوزمو غيرل عام 2008، وأوقفت تين فوغ نسختها الورقية عام 2017، ثم تخلت سفنتين عن الورق عام 2018 لصالح إستراتيجية رقمية أولا.
لكن التحول الرقمي الكامل لم يملأ الفراغ الثقافي بالضرورة، فالمراهقون اليوم يقضون ساعات طويلة يوميا على وسائل التواصل، حيث تقدم الخوارزميات سيلا لا ينتهي من المحتوى المصمم لكل مستخدم على حدة. وعلى عكس ذلك، كانت مجلات المراهقين القديمة منتجا تحريريا منسقا، يحاول أن يخاطب جيلا كاملا لا فردا محاصرا بخياراته السابقة.
هنا تكمن نقطة الجذب في المشاريع الورقية الجديدة، فالمجلة المطبوعة لا تنافس تيك توك أو إنستغرام في السرعة والانتشار، لكنها تقدم وعدا مختلفا: مساحة محررة ومنتقاة، يمكن للمراهق أن يتصفحها بعيدا عن التنبيهات والمقاطع المتلاحقة وضغط الخوارزميات، إنها محاولة لاستعادة معنى المجلة بوصفها تجربة ثقافية، لا مجرد وعاء للمحتوى.
غير أن نجاح هذه التجربة ليس مضمونا، فالأسعار مرتفعة نسبيا، وعادات القراءة تغيرت، والوصول إلى المراهقين لم يعد سهلا خارج الهاتف، كما أن المجلات الجديدة مطالبة بتجنب أخطاء الماضي، خصوصا ما يتعلق بالصور النمطية والضغط الاجتماعي على الفتيات والمراهقين، وأن تقدم محتوى أكثر وعيا وتنوعا وتمثيلا لاهتماماتهم الفعلية.
تكشف هذه العودة المحتملة للمجلات الورقية أن التعب من المنصات لا يعني بالضرورة هجر التكنولوجيا، لكنه يفتح الباب أمام منتجات إعلامية أبطأ وأكثر انتقاء. وإذا نجحت كوكي ودبليو يوث في بناء علاقة حقيقية مع جمهور المراهقين، فقد لا تكون الورقة المطبوعة مجرد حنين إلى الماضي، بل ردا تحريريا على فوضى الحاضر الرقمي.
إعلان
إقرأ المزيد


