الجزيرة.نت - 7/1/2026 8:52:52 PM - GMT (+3 )
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الخليج تعود طهران إلى استخدام قاموس سياسي ملتبس، تتصدره عبارة "المرور الآمن"، وكأنها تمنح العالم امتيازا يمكن سحبه أو تقييده.
غير أن هذا التعبير، رغم حضوره الإعلامي الكثيف، لا يستند إلى أي أساس قانوني في نظام الملاحة الدولية، ولا يملك منزلة مفاهيم مثل "المرور العابر" أو "المرور البريء"، بل يُستخدم كأداة سياسية لإعادة تعريف ما هو في الأصل حق ثابت وغير قابل للمساومة: حرية الملاحة والمرور العابر في المضائق الدولية.
القانون الدولي للبحار، كما كرسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واضح في هذا الشأن.
يجب إعادة تثبيت المصطلحات في سياقها الصحيح: المرور العابر حق، وحرية الملاحة مبدأ، وأي حديث عن "مرور آمن" يجب أن يُفهم كإجراء ظرفي لدعم هذا الحق، لا كبديل عنه أو شرط لوجوده
مضيق هرمز يُصنف كمضيق دولي يُستخدم للملاحة الدولية ويربط بين بحرين، وبالتالي يخضع لنظام "المرور العابر"، وهو حق قانوني دائم يتيح للسفن والطائرات العبور المستمر والسريع دون عرقلة، ودون حاجة إلى إذن مسبق من الدولة الساحلية.
هذا الحق لا يهبط من مرتبة القانون إلى مرتبة "المنح السياسي" بتغير الظروف أو تصاعد التوترات، بل يظل مرتبطا ببنية النظام البحري العالمي ذاته.
كما أن هذا النظام لا يقتصر على نصوص الاتفاقية فحسب، بل يتكامل مع مبادئ أوسع مثل حرية الملاحة واستقرار الطرق البحرية الدولية ووجوب احترام المعاهدات وتنفيذها بحسن نية.
في المقابل، تحاول إيران استبدال هذا المفهوم القانوني الراسخ بمفهوم فضفاض هو "المرور الآمن" في انزياح لغوي يحمل دلالات خطيرة.
فحين يُطرح "المرور الآمن" بوصفه شرطا أو إطارا، فإنه يُفهم ضمنيا أن العبور ليس حقا قائما بذاته، بل امتيازا مشروطا بضمانات أمنية أو ترتيبات سياسية قد تمنح أو تُمنع. هنا يتحول القانون إلى أداة تفاوض، وتتحول حرية الملاحة إلى ورقة ضغط.
إعلان
بل إن هذا الطرح يعكس قلبا للقاعدة القانونية: فالأصل ليس المنع ثم السماح، بل العكس تماما؛ الأصل هو حرية المرور، وأي ترتيبات أمنية ليست سوى وسائل لحمايتها.
تحاول إيران استبدال هذا المفهوم القانوني الراسخ بمفهوم فضفاض هو "المرور الآمن" في انزياح لغوي يحمل دلالات خطيرة
هذا التحول ليس بريئا، بل يعكس إستراتيجية أوسع تسعى إلى "تسييس" المضيق، وربط أمنه بسلوك القوى الدولية والإقليمية تجاه إيران.
بمعنى آخر، يصبح المضيق أداة ردع غير تقليدية، تستخدمها طهران للرد على العقوبات أو الضغوط، عبر التلويح بتعطيل أو تهديد الملاحة، ثم تقديم "المرور الآمن" كبديل مشروط.
إنها محاولة لإعادة هندسة القواعد: من نظام قانوني عالمي إلى ترتيبات أمنية انتقائية، ومن حق عام إلى تفاهمات ظرفية.
غير أن التجربة التاريخية، خاصة بعد حرب الناقلات في الثمانينيات، أثبتت أن المجتمع الدولي لا يقبل بهذا المنطق.
آنذاك، لم يُعد فتح الممرات عبر تفاهمات سياسية مع الأطراف المهددة، بل عبر تكريس مبدأ حرية الملاحة عمليا، من خلال الحماية الدولية وإعادة تثبيت القواعد القانونية كأمر واقع غير قابل للتفاوض.
كما أن النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية اتجه إلى ترسيخ هذه القواعد تحديدا لتجنب تحويل الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط أو مساومة. لم يكن الهدف "ضمان المرور الآمن" كامتياز، بل فرض احترام "المرور العابر" كحق.
اليوم تتكرر المعادلة ذاتها ولكن في سياق أكثر تعقيدا، حيث تتداخل التهديدات غير المتكافئة من ألغام بحرية إلى طائرات مسيرة وزوارق سريعة.
القبول الضمني بمفهوم "المرور الآمن" كما تطرحه إيران ينطوي على مخاطر إستراتيجية؛ لأنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة: تحويل المضائق الدولية إلى مساحات تفاوض سياسي
ومع ذلك فإن الرد الفعال لا يكمن في تبني المصطلحات الإيرانية أو الانخراط في منطقها، بل في إعادة التأكيد على الفصل الحاسم بين الحق القانوني والترتيب الأمني.
فالحماية العسكرية للملاحة، مهما كانت ضرورية، يجب أن تُفهم كوسيلة لتمكين حق قائم، لا كبديل عنه.
كما أن اتفاقية قانون البحار، ولا سيما ما يؤكد مبدأ عدم إعاقة المرور العابر، تضع حدودا واضحة لأي محاولة لتنظيم الملاحة بما يؤدي عمليا إلى تعطيل هذا الحق أو الانتقاص منه.
إن القبول الضمني بمفهوم "المرور الآمن" كما تطرحه إيران ينطوي على مخاطر إستراتيجية، لأنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة: تحويل المضائق الدولية إلى مساحات تفاوض سياسي، بدلا من كونها شرايين محمية بقواعد قانونية مستقرة.
وهذا لا يمس الخليج وحده، بل يمتد أثره إلى النظام البحري العالمي ككل، ويقوض فكرة أن هذه الممرات ليست ملكا حصريا لدولة بعينها، بل جزء من بنية الأمن والتجارة الدوليين.
في مضيق هرمز، كما في غيره من الممرات الحيوية، لا ينبغي أن تكون القاعدة "نسمح لكم بالعبور بأمان"، بل "تعبرون لأن هذا حقكم، وأي تهديد لذلك سيُواجه"
من هنا، فإن المطلوب ليس فقط تأمين السفن أو مرافقتها، بل خوض معركة مفاهيم لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية.
إعلان
يجب إعادة تثبيت المصطلحات في سياقها الصحيح: المرور العابر حق، وحرية الملاحة مبدأ، وأي حديث عن "مرور آمن" يجب أن يُفهم كإجراء ظرفي لدعم هذا الحق، لا كبديل عنه أو شرط لوجوده.
كما أن تفكيك هذا الخطاب يصبح ضرورة، لأن المعركة في هرمز لم تعد فقط على مستوى التهديدات المادية، بل أيضا على مستوى اللغة التي تعيد تشكيل الفهم الدولي للقانون.
في مضيق هرمز، كما في غيره من الممرات الحيوية، لا ينبغي أن تكون القاعدة "نسمح لكم بالعبور بأمان"، بل "تعبرون لأن هذا حقكم، وأي تهديد لذلك سيُواجه".
هذا هو الفارق الجوهري بين نظام دولي قائم على القانون، ونظام تُعاد صياغته تحت ضغط القوة والابتزاز.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


