الجزيرة.نت - 7/1/2026 8:42:12 PM - GMT (+3 )
لم تتوار عمليات غسيل الأموال تاريخيا منذ أن بدأها “آل كابون” إلى أن وصلت إلى عملات الكريبتو الرقمية، لكن هذه الجريمة تسببت في إفقار الشعوب وارتفاع أسعار العقارات بشكل جنوني، وفق ما كشفته حلقة الدحيح.
وتفكك الحلقة الأحدث من برنامج "الدحيح" كواليس وخبايا عالم الجريمة وعلاقتها بما يعانيه العالم الآن من فقر وضيق في المعيشة وارتفاع في أسعار العقارات بشكل خاص.
تعود أول عملية وُصفت بغسيل الأموال إلى قصة "آل كابون" التي مثلت الشكل التقليدي لمفهوم تحويل أموال الأعمال المشبوهة إلى أموال نظيفة، من خلال استغلال المشاريع التي تعتمد على السيولة النقدية (الكاش)، لدمج ثرواته غير المشروعة في الدورة الاقتصادية الرسمية، وهو ما منح المصطلح اسمه الحرفي الذي نعرفه اليوم.
وفكك "الدحيح" خلال حلقته – التي يمكنكم مشاهدتها كاملة بالضغط هنا – مفهوم غسيل الأموال، الذي أوضح أنه اقتُبِس حرفيا من مفهوم الغسيل الحقيقي للأموال؛ حيث اشترى كابون مغاسل ملابس فعلية لخلط أمواله المشبوهة بإيرادات الغسيل النقدية، حتى تبدو طبيعية وقانونية عند إيداعها في البنك.
وقد حقق آل كابون ثروته من خلال تحويل محلات تبغ أمريكية إلى صالات قمار سرية وأعمال غير أخلاقية، ما مكنه من تحقيق ثروات مالية قُدّرت بـ 300 ألف دولار من القمار، ونحو 10 ملايين دولار سنويا حينها.
والمدهش أنه رغم تمويه آل كابون ومحاولاته إخفاء ثروته، التي توقع المحللون أنها كانت ستصل إلى تريليون دولار بمعايير اليوم، إلا أنه حين قبضت عليه الحكومة الأمريكية، لم تسقطه بتهم الفساد أو القمار أو تأسيس شبكات منافية للآداب، بل أدانته بتهمة التهرب الضريبي فقط.
وبهذا انتهى مع آل كابون مفهوم غسيل الأموال التقليدي، ليلحقه جيل جديد من العصابات الأمريكية ذهب بمفهوم الأعمال غير المشروعة وغسيلها إلى ما هو أبعد من ذلك.
عمل إجرامي منظم
وتصدرت قصة اليهودي من أصول روسية ماير لانسكي المشهد في الأربعينيات، والذي كان يعمل محاسبا واستغل قدراته الرياضية في هندسة عمليات غسيل الأموال ليؤسس إمبراطورية من المافيا ورؤساء العصابات، ويخطط جيدا في التهرب من المقاربة الحكومية لأمواله الضخمة.
وتُعدّ إستراتيجية المحاسب اليهودي على أنها تأسيس لعالم الجريمة المالية، التي نعيش فيها حتى الآن، وليحول عمليات غسيل الأموال إلى نشاط إجرامي منظم، وفق الدحيح.
وقد استغل لانسكي قانون السرية المصرفية السويسرية، وكان من أوائل المجرمين الذين هربوا أموالهم غير المشروعة إلى سويسرا، محولا إياها إلى قروض قانونية تعود لشركاته في أمريكا، ليتهرب من الضرائب والرقابة معا.
ولم يقف التطور عند هذا الحد، بل كشف الدحيح كيف انتقل الغسيل في سبعينيات القرن الماضي إلى قطاع العقارات، وتحديدا في مدينة ميامي الأمريكية التي بُنيت ناطحات سحابها بأموال كارتيلات المخدرات.
فبسبب ضخامة المبالغ النقدية الناتجة عن تجارة الكوكايين، لجأ المجرمون إلى بناء مجمعات سكنية ضخمة لـ "تسييل" أموالهم، مما أدى لارتفاع جنوني في أسعار العقارات؛ فالمجرم لا يهمه السعر بقدر ما يهمه تنظيف المال، وهو ما يدفع ثمنه المواطن البسيط اليوم من عدم قدرة على شراء مسكن.
وفي التسعينيات، انتقلت عدوى الغسيل إلى روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث استغل الأوليغارش (Oligarchs) نظام "كوبونات الخصخصة" لنهب ثروات الدولة وتهريب المليارات إلى بنوك لندن ونيويورك، لدرجة أطلقت معها تسمية "لندنغراد" على العاصمة البريطانية بسبب كثرة العقارات التي اشتراها الأثرياء الروس بأموال مشبوهة.
وصولا إلى العصر الحديث، فكك الدحيح "وثائق بنما" التي كشفت تورط شخصيات سياسية ومشاهير في استخدام شركات الأوفشور (Offshore) – وهي شركات تُسجّل في دولة ذات نظام ضريبي "متسامح"، يُتيح هوامش ربح أوسع للمستثمر ويسمح له بإخفاء هويته الحقيقية – لإخفاء ثرواتهم، وانتهاء بظهور عملات الكريبتو (Crypto) الرقمية وأنظمة رقمية أخرى جعلت تتبع الأموال أشبه بمطاردة السراب.
يختم الدحيح حلقته بحقيقة صادمة وهي أن غسيل الأموال يلتهم ما بين 2% إلى 5% من الناتج الإجمالي العالمي، بينما لا تنجح السلطات في ضبط سوى 1% فقط من هذه الأموال.
هذه الجريمة ليست "شطارة" مالية كما يصفها الدحيح، بل هي المحرك الأساسي لاتساع فجوة الفقر عالميا؛ فالأموال التي تُغسل في العقارات والشركات الوهمية هي ذاتها الأموال التي تُسلب من ميزانيات التعليم والصحة ورفاهية الشعوب.
Published On 1/7/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


