حين يتحدث "بنك البنوك".. لماذا يصغي العالم؟
الجزيرة.نت -

Published On 1/7/2026

عندما يصدر بنك التسويات الدولية تقريره السنوي، لا يلفت ذلك انتباه معظم الناس، فالمؤسسة لا تقدم قروضا للأفراد، ولا تستقبل ودائعهم، ولا تمتلك فروعا مصرفية يمكن للجمهور التعامل معها. ومع ذلك، فإن التحذيرات التي يطلقها غالبا ما تجد طريقها إلى قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة والتضخم والاستقرار المالي، وهي قرارات تنعكس لاحقا على القروض العقارية، ومدخرات الأسر، واستثمارات الشركات، وحتى الموازنات العامة للدول.

وفي تقريره الاقتصادي السنوي الصادر في 28 يونيو/حزيران 2026، حذر البنك من أن الاقتصاد العالمي يواجه مجموعة من الضغوط المتزامنة التي قد تجعل التعامل مع أي أزمة جديدة أكثر صعوبة، مشيرا إلى عودة الضغوط التضخمية، وتكرار اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب تنامي المخاطر المالية المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي. ورغم أن التقرير كُتب أساسا لصناع السياسة النقدية، فإن الرسائل التي يتضمنها تمتد آثارها إلى الأسر والشركات والحكومات حول العالم.

أربع رسائل تقلق البنوك المركزية

ويرى بنك التسويات الدولية أن الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العالمي لم تعد منفصلة عن بعضها، بل أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي صدمة اقتصادية أكثر قدرة على الانتشار عبر النظام المالي.

ويشير التقرير إلى أن التضخم قد يصبح أكثر رسوخا إذا فقدت الأسواق والمستهلكون الثقة في قدرة البنوك المركزية على إعادته إلى مستوياته المستهدفة، حتى مع تراجع أسعار الطاقة بعد إعادة فتح مضيق هرمز. ويعني ذلك أن البنوك المركزية قد تضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق حاليا.

الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي تفتح فرصا جديدة لكنها ترفع مستوى المخاطر المالية أيضا (غيتي)

كما يحذر من تكرار صدمات الإمداد، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو اضطرابات التجارة والطاقة، موضحا أن هذا النوع من الصدمات يرفع الأسعار ويبطئ النمو الاقتصادي في الوقت نفسه، وهو ما يجعل معالجته أكثر تعقيدا من التضخم الناتج عن ارتفاع الطلب.

إعلان

وفي جانب آخر، يلفت التقرير إلى أن الطفرة الحالية في استثمارات الذكاء الاصطناعي قد تحمل مخاطر إذا استندت إلى مستويات مرتفعة من الاقتراض أو إلى توقعات مفرطة بشأن العوائد المستقبلية. ويشير إلى أن الترابط المالي بين شركات الرقائق ومراكز البيانات وبقية حلقات سلسلة التوريد قد يؤدي إلى انتقال الضغوط بسرعة إذا تعرض أحد أطرافها لهزة مالية.

أما الملف الرابع فيتعلق بارتفاع الدين العام في العديد من الاقتصادات، إذ يرى البنك أن الحكومات أصبحت تمتلك مساحة مالية أقل للتعامل مع الأزمات المقبلة، لأن ارتفاع كلفة الاقتراض يزيد أعباء خدمة الدين ويحد من قدرتها على تمويل برامج التحفيز عند الحاجة.

ويجمع التقرير هذه المخاطر في مفهوم يصفه بـ"الترابط بين الاستقرار المالي والمالية العامة"، محذرا من أن أي اضطراب في أسواق السندات الحكومية قد يؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع كلفة الاقتراض، وتشديد شروط الائتمان، وتراجع التمويل المتاح لقطاعات النمو، وعلى رأسها التكنولوجيا. ويرى البنك أن هذا الترابط يجعل النظام المالي أكثر حساسية للصدمات مقارنة بما كان عليه في السابق.

بنك البنوك المركزية

تأسس بنك التسويات الدولية عام 1930، ويعد أقدم مؤسسة مالية دولية لا تزال تمارس عملها حتى اليوم، ويتخذ من مدينة بازل السويسرية مقرا له. ويضم في عضويته أكثر من 60 بنكا مركزيا، من بينها مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك الشعب الصيني، والبنك المركزي السعودي، وغيرها من المؤسسات التي تدير السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى.

ولا يقدم البنك خدمات مصرفية للأفراد أو الشركات، بل يقتصر نشاطه على البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية، إذ يستخدم خدماته نحو 140 مؤسسة رسمية حول العالم. ولهذا لا يتعامل المواطن معه بصورة مباشرة، لكنه يؤثر بصورة غير مباشرة في البيئة المالية التي يعمل داخلها الجميع.

ويؤدي البنك أربعة أدوار رئيسية؛ فهو يمثل منصة تجتمع فيها البنوك المركزية لتبادل الرؤى والتنسيق، ويعد مركزا بحثيا يقدم دراسات وتحليلات اقتصادية يعتمد عليها صناع السياسات، كما يساعد البنوك المركزية في إدارة جزء من احتياطياتها من العملات الأجنبية والذهب، إضافة إلى إشرافه على "عملية بازل" التي تضع المعايير الدولية الخاصة بسلامة البنوك ورؤوس أموالها.

ولا يملك بنك التسويات الدولية صلاحية فرض قرارات على البنوك المركزية أو تحديد أسعار الفائدة، لكنه يعد من أكثر المؤسسات تأثيرا في النقاشات التي تسبق هذه القرارات، وهو ما يجعل تقاريره تحظى بمتابعة وثيقة من الحكومات والأسواق والمؤسسات المالية في مختلف أنحاء العالم.

من الفائدة إلى الرهن العقاري

قد تبدو التحذيرات التي يطلقها بنك التسويات الدولية بعيدة عن الحياة اليومية، لكنها تنتقل إلى الأفراد عبر القرارات التي تتخذها البنوك المركزية استجابة للمتغيرات الاقتصادية. فعندما يرى البنك أن التضخم قد يستمر لفترة أطول، قد تميل البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، وهو ما ينعكس على تكلفة الاقتراض، سواء عند شراء منزل أو سيارة أو تمويل مشروع جديد. وفي المقابل، قد يستفيد أصحاب المدخرات من عوائد أعلى على الودائع، لكن استمرار التضخم يقلل في الوقت نفسه من القوة الشرائية للدخل والمدخرات إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع.

أسعار الفائدة المرتفعة تنعكس مباشرة على تكلفة الرهون العقارية والقروض الاستهلاكية وتمويل الشركات (غيتي)

ويشير التقرير أيضا إلى أن اضطرابات أسواق السندات الحكومية لا تؤثر في الحكومات وحدها، بل تمتد إلى بقية الاقتصاد. فارتفاع العوائد على السندات يرفع تكلفة التمويل في الأسواق، ما يزيد أسعار الرهون العقارية والقروض الاستهلاكية وقروض الشركات، ويجعل الحصول على التمويل أكثر صعوبة، خاصة في فترات عدم اليقين. كما أن تشديد شروط الائتمان قد يدفع الشركات إلى تأجيل استثماراتها أو تقليص خطط التوسع والتوظيف.

إعلان

أما التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فلا تستهدف شركات التكنولوجيا وحدها. فالتقرير يرى أن الارتفاع الكبير في تقييمات بعض الشركات قد يجعل المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد أكثر عرضة للتقلب إذا تعرض القطاع لتصحيح حاد. وبالنسبة للأفراد الذين تستثمر مدخراتهم أو صناديق تقاعدهم في أسهم التكنولوجيا، فإن أي تراجع واسع في هذا القطاع قد ينعكس على قيمة استثماراتهم، حتى وإن لم يمتلكوا تلك الأسهم بصورة مباشرة.

حين تضيق خيارات الحكومات

ولا تقتصر أهمية تقرير بنك التسويات الدولية على البنوك المركزية، بل تمتد إلى الحكومات أيضا. فارتفاع الدين العام، وفق التقرير، يقلص قدرة الدول على مواجهة الأزمات المستقبلية، لأن زيادة مدفوعات فوائد الدين تستهلك جزءا أكبر من الموازنات العامة، وتحد من الموارد المتاحة للإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية أو برامج الدعم الاقتصادي.

ويحذر التقرير من أن الدول ذات المديونية المرتفعة أو المعتمدة على استيراد الغذاء والطاقة قد تكون أكثر عرضة للتقلبات إذا تراجعت ثقة المستثمرين أو ارتفعت تكلفة الاقتراض العالمية. وفي المقابل، قد تواجه الدول المصدرة للطاقة تحديات مختلفة إذا أدت الاضطرابات الاقتصادية إلى تراجع أسعار النفط، وهو ما قد يضغط على إيراداتها المالية.

ما الذي يعنيه هذا للأسر والشركات؟

ولا يقدم بنك التسويات الدولية توصيات استثمارية، ولا يحدد للأفراد كيف يديرون أموالهم، لكنه يوفر قراءة مبكرة للمخاطر التي يراها صناع السياسات النقدية حول العالم. ولذلك، فإن متابعة تقاريره تساعد على فهم الأسباب التي قد تدفع البنوك المركزية إلى تغيير أسعار الفائدة، أو الحكومات إلى تشديد سياساتها المالية، أو الأسواق إلى إعادة تقييم المخاطر.

وفي تقريره الأخير، يدعو البنك إلى الحفاظ على استقرار الأسعار، وتعزيز استدامة المالية العامة، وتقوية الأطر الرقابية للقطاع المالي، مؤكدا أن التعامل المبكر مع الاختلالات أقل كلفة من انتظار تفاقمها. وبالنسبة للأفراد، تبقى الرسالة الأساسية بسيطة: فكلما ازدادت حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، أصبحت إدارة الديون، وتنويع المدخرات، ومتابعة قرارات البنوك المركزية، عوامل أكثر أهمية في حماية الأوضاع المالية للأسر.

وبينما لن يتعامل المواطن يوما مع بنك التسويات الدولية بصورة مباشرة، فإن التقارير التي يصدرها تظل من أكثر الوثائق متابعة داخل البنوك المركزية، لأنها تقدم تقييما مستقلا للمخاطر التي قد تشكل ملامح الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، قبل أن تتحول إلى قرارات تمس تكلفة الاقتراض، وقيمة المدخرات، والإنفاق الحكومي، وفرص النمو الاقتصادي.



إقرأ المزيد