ما وراء طمأنة هاكابي.. هل تمثل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية زواجا كاثوليكيا؟
الجزيرة.نت -

لم تكن عبارة السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي مجرد تشبيه بلاغي عابر، حين قال إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تشبه "الزواج الرائع"، وإن "الانفصال مستحيل"، لأن أيا من الطرفين لا يستطيع تحمّل كلفته.

عادة لا يحتاج الزواج المستقر إلى تأكيدات متكررة بأنه لن ينتهي، لكن عندما تُقال مثل هذه العبارات في لحظة سياسية حساسة، فإنها تعكس حجم القلق أكثر مما تعكس حجم الاطمئنان.

تصريحات هاكابي جاءت خلال احتفال أُقيم في تل أبيب بمناسبة مرور 250 عاما على تأسيس الولايات المتحدة، حيث شدد على أن الشراكة بين البلدين متجذرة في التاريخ والقِيم المشتركة والمصالح الإستراتيجية.

مؤكدا أنه "لا توجد فرصة" لانهيار العلاقة التاريخية بين واشنطن وتل أبيب، وأن البلدين سيبقيان شريكين لأن الانفصال ليس خيارا ممكنا، والتحالف بين البلدين متجذر بعمق.

توقيت الرسائل الأمريكية

كما أعاد التأكيد على البعد الديني للعلاقة، معتبرا أن الأسس اليهودية المسيحية لعبت دورا في تأسيس الهوية الأمريكية.

لكن توقيت هذه الرسائل لا يمكن فصله عن النقاش المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، ولا عن مؤشرات التباعد التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه هاكابي أن العلاقة "أقوى من أن تنكسر"، تكشف تقارير أمريكية وإسرائيلية عن واقع أكثر تعقيدا.

فقد أشار موقع بوليتيكو إلى التوتر المتصاعد في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقال إن القيادة الإسرائيلية دخلت في ولاية الرئيس دونالد ترمب الجديدة وهي تعتقد أن سياسة "أمريكا أولا" لن تطال علاقتها الخاصة بواشنطن، وأن الدعم الأمريكي سيظل ثابتا كما كان في السابق.

غير أن مسار الأحداث كشف، وفق التقرير، عن تحول تدريجي في مقاربة الإدارة الأمريكية، إذ باتت المصالح الأمريكية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، حتى وإن تعارض ذلك مع أولويات إسرائيل الأمنية والسياسية.

إعلان

وبرز هذا التحول بصورة أوضح بعد الحرب المشتركة ضد إيران، حين توقعت تل أبيب أن يؤدي التنسيق العسكري إلى مرحلة جديدة من التقارب، إلا أن الأشهر اللاحقة شهدت تزايدا في الخلافات، خاصة مع تقدم المسار الدبلوماسي الأمريكي تجاه طهران، وهو ما أثار تحفظات إسرائيلية واسعة.

التحالف بين واشنطن وتل أبيب يتعرض لاختبار إعادة تعريف في ظل التباين بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية (الجزيرة)
السؤال عن حدود دعم إسرائيل

وفي قلب هذا المشهد برز نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بوصفه أحد أبرز الأصوات التي تدعو إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل.

فقد أكد في أكثر من مناسبة أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة دائما، وأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تدخل في مواجهات عسكرية نيابة عن إسرائيل.

وتشير مصادر أمريكية وإسرائيلية إلى أن هذه المواقف لا تمثل رأيا شخصيا معزولا، بل تعكس اتجاها متناميا داخل الإدارة الأمريكية.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تتزامن مع تراجع مستوى التواصل السياسي بين البلدين مقارنة بالفترة السابقة، فضلا عن انخفاض وتيرة اللقاءات المباشرة بين المسؤولين، وسط توقعات بأن تتسع الفجوة خلال المرحلة المقبلة إذا استمرت أولويات الطرفين في التباعد.

ورغم هذه المؤشرات، فإن العلاقة الأمنية والعسكرية لا تزال تشهد مستويات مرتفعة من التعاون، فهناك مقترحات مطروحة ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الأمريكي لعام 2027.

ويهدف المشروع إلى توسيع التكامل العسكري والتكنولوجي بين الجيشين، عبر تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية وأنظمة مكافحة الأنفاق، والتهديدات تحت الأرض، بما يعكس استمرار الرهان الأمريكي على الشراكة الأمنية مع إسرائيل حتى في ظل الخلافات السياسية.

غير أن هذا التعاون لم يمنع تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود الدعم المقدم لإسرائيل، فقد أثارت المبادرات الخاصة بتوسيع التعاون العسكري انتقادات تتعلق باستقلالية القرار الأمريكي.

كما تزايدت الأصوات التي تطالب بإعادة تقييم حجم المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لتل أبيب، في ظل التحولات التي يشهدها الرأي العام الأمريكي.

وتذهب دراسات سياسية حديثة إلى أن ما يجري يتجاوز مجرد خلافات بين حكومتين، ليعكس تحولا بنيويا عميقا داخل المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي.

من الشراكة إلى التمرد

فبحسب دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، فإن "الاستثناء الإسرائيلي" الذي حكم العلاقة بين البلدين لعقود بدأ يواجه تحديات متزايدة، نتيجة تغير المزاج السياسي الأمريكي، وازدياد مساحة الانتقاد العلني للسياسات الإسرائيلية داخل المؤسسات الرسمية والحزبية.

وترى الدراسة أن تصريحات فانس، ومواقف الكونغرس، والتحولات داخل الرأي العام، تشكل جميعها مؤشرات على تغير تدريجي في طبيعة العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب.

كما تعكس القراءة الإسرائيلية لهذه التطورات قدرا من القلق، فقد وصفت صحيفة "هآرتس" التحول بأنه انتقال لإسرائيل من موقع "الشريك الكامل" إلى موقع "التابع المتمرد".

إعلان

مشيرة إلى أن حكومة نتنياهو وجدت نفسها خارج مسار المفاوضات الأمريكية مع إيران، بعدما كانت شريكا رئيسيا في مراحل التصعيد العسكري، وهو ما اعتبرته الصحيفة تحولا غير مسبوق في إدارة العلاقة بين البلدين.

وسط هذه التطورات، تبدو استعارة "الزواج" التي استخدمها هاكابي أكثر من مجرد وصف للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بل هي محاولة لإعادة التأكيد على ثبات تحالف يواجه اليوم اختبارات سياسية غير مسبوقة.



إقرأ المزيد