الجزيرة.نت - 6/30/2026 5:14:21 PM - GMT (+3 )
في ظل التحولات العميقة التي تشهدها الساحة السياسية والقانونية في الولايات المتحدة، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قرارات قضائية بارزة تعيد رسم حدود السلطة التنفيذية وتمنح الرئيس دونالد ترمب صلاحيات واسعة النطاق في إدارة الدولة.
واعتُبرت القرارات التي صدرت بأغلبية محافظة، من أكثر الأحكام تأثيرا على بنية الحكومة الفيدرالية منذ عقود، إذ فتحت نقاشا واسعا حول مستقبل الوكالات المستقلة، وحدود السلطة الرئاسية، وانعكاسات ذلك على الاقتصاد والهجرة والنظام الدستوري الأمريكي.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المحكمة العليا الأمريكية أصدرت 4 أحكام بارزة تناولت قضايا تتعلق بصلاحيات السلطة التنفيذية، وقوانين الانتخابات، والتعديل الرابع للدستور الأمريكي، وجاء كل منها بأغلبيات مختلفة.
وفي أبرز هذه الأحكام، قضت المحكمة بأن الرئيس ترمب يملك صلاحية إقالة رؤساء الهيئات الفيدرالية المستقلة، مثل لجنة التجارة الفيدرالية، مع استثناء وحيد يتمثل في مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي).
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، جاءت هذه القرارات المدوية من خلال حكمين توأمين صدرا بأغلبية 6 من القضاة المحافظين مقابل 3 من الليبراليين، منحت المحكمة العليا بموجبهما الرئيس الحرية الكاملة في إقالة رؤساء الهيئات والوكالات الحكومية المستقلة لأي سبب كان، عاصفة بذلك بأعراف استمرت لعقود لحماية هؤلاء المسؤولين من التسييس والتدخلات الرئاسية المباشرة.
وفي المقابل، قضت المحكمة بأغلبية 5 مقابل 4 بالإبقاء على عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك في منصبها مؤقتا، مؤكدة أن استقلال البنك المركزي يختلف عن بقية المؤسسات، وأن أي محاولة لإقالة أحد أعضائه تستوجب إجراءات قانونية تضمن حقه في الرد على الاتهامات الموجهة إليه.
إعلان
وأشارت الصحيفة إلى أن ترمب احتفى بالحكم الأول، واصفا إياه في منشور على منصته الخاصة تروث سوشيال ) بأنه "انتصار كبير" و"حكم تاريخي وغير مسبوق فيما يتعلق بصلاحيات الرئيس"، في حين أبقت المحكمة الباب مفتوحا أمامه لمواصلة مساعيه لإقالة كوك إذا استوفى المتطلبات القانونية.
وتجسدت القضية المحورية -حسب تقرير نيويورك تايمز- في النزاع حول إقالة ريبيكا كيلي سلاوتر، العضو الديمقراطية في هيئة التجارة الفيدرالية (FTC) التي أقالها ترمب في مارس/آذار 2025 عبر بريد إلكتروني بدعوى أن خدمتها "لا تتماشى مع أولويات الإدارة"، مما دفعها لمقاضاة الإدارة استنادا إلى قانون الهيئة الذي يحمي المسؤولين من الإقالة إلا في حالات "العجز أو إهمال الواجب أو الممارسات الخاطئة".
ورأى رئيس المحكمة جون روبرتس، في حيثيات الحكم أنه "لا الكونغرس ولا المحاكم يستطيعان فرض مسؤولين على الرئيس لا يستطيع العمل معهم"، في إشارة إلى أن ممارسة السلطة التنفيذية تقتضي أن تكون للرئيس القدرة على اختيار المسؤولين الذين ينفذون سياساته.
غير أن الحكم أطاح بسابقة قضائية تعود إلى 91 عاما أرستها المحكمة العليا عام 1935 في قضية "هامفريز إكسيكيوتور" لعام 1935، وهي تمنع الرؤساء من إقالة مسؤولي بعض الهيئات المستقلة بسبب خلافات سياسية أو اختلافات في التوجهات.
وترى نيويورك تايمز أن القرار ينقل قدرا مهما من النفوذ من الكونغرس إلى البيت الأبيض، وقد يعيد تشكيل العلاقة بين الرئاسة وأكثر من 20 من الوكالات الفيدرالية المعنية بحماية المستهلك والعمال والبيئة والسلامة النووية وغيرها.
وقد حظي القرار بتأييد واسع من التيار المحافظ في الولايات المتحدة، وفي هذا الصدد نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مقالا تحليليا لهيئة تحريرها، اعتبرت فيه أن المحكمة العليا نجحت أخيرا في "إنهاء أكذوبة الوكالات المستقلة".
وطبقا للصحيفة، فإن كثيرا من تلك الهيئات أصبحت تمارس سلطات تنفيذية واسعة، ومن ثم فمن الطبيعي أن تخضع لإشراف الرئيس المنتخب، رغم أنها أشارت في الوقت نفسه إلى المفارقة التي تمثلت في استثناء مجلس الاحتياطي الفيدرالي من هذه القاعدة.
وأفادت الصحيفة أن المحكمة سعت من خلال هذا الاستثناء إلى الحفاظ على استقلال السياسة النقدية، في ظل المخاوف من أن يؤدي إخضاع البنك المركزي بالكامل لإرادة الرئيس إلى اضطرابات اقتصادية واسعة، لكنها لفتت إلى أن هذا التمييز قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية جديدة بشأن مدى استقلال الاحتياطي الفيدرالي في المستقبل.
وترى هيئة التحرير أن الأغلبية المحافظة أعادت بقرارها هذا التوازن الصحيح لفصل السلطات الذي تآكل بفعل نظرية "الحكم بواسطة الخبراء"، واستشهدت برأي القاضي المحافظ نيل غورساتش الذي أشار إلى أن وجود هذه الوكالات المستقلة جعلها مستودعا مغريا للكونغرس لتفويض سلطاته التشريعية.
انتكاسات ترمب السياسيةترمب تصرف بعد فوزه في انتخابات 2024 كما لو أن الناخبين منحوه تفويضا شاملا لتنفيذ جميع أجندته، بينما كان الدافع الأساسي للتصويت له هو السخط على التضخم
بواسطة الباحث راميش بونورو
غير أن الجدل لم يقتصر على الأبعاد القانونية، بل امتد إلى تقييم أوسع لمسار ولاية ترمب الرئاسية الثانية، ففي مقال تحليلي بصحيفة واشنطن بوست ، كتب المحلل السياسي والزميل في معهد إنتربرايز الأمريكي راميش بونورو أن الرئيس الذي بدا خلال عامه الأول وكأنه يعيد تشكيل مؤسسات الدولة بقوة غير مسبوقة، يواجه اليوم سلسلة من الانتكاسات السياسية والقضائية والشعبية.
إعلان
ويشير الكاتب إلى تراجع نسبة التأييد الشعبي للرئيس إلى نحو 40%، مع تصاعد الاستياء من أدائه في ملفات الاقتصاد والهجرة وإيران، فضلا عن تقلص فرص الحزب الجمهوري في الحفاظ على الأغلبية التي يتمتع بها في مجلس الشيوخ مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ويعزو بونورو أحد أسباب هذا التراجع إلى طبيعة النظام الدستوري الأمريكي نفسه، الذي ما زال قادرا على كبح السلطة التنفيذية رغم اتساعها.
وكتب في هذا الصدد قائلا إن "المحاكم والكونغرس والدستور يقومون بما عجزت عنه معارضة سياسية ضعيفة"، في إشارة إلى أن مؤسسات الدولة أثبتت قدرتها على مقاومة كثير من سياسات الإدارة، سواء عبر إسقاط ملاحقات قضائية اعتُبرت غير مبررة، أو الحد من بعض إجراءات الهجرة، أو منع تمرير مبادرات لم تحظ بتأييد الكونغرس.
ولفت إلى أن ترمب تصرف بعد فوزه في انتخابات 2024 كما لو أن الناخبين منحوه تفويضا شاملا لتنفيذ جميع أجندته، بينما كان الدافع الأساسي للتصويت له هو السخط على التضخم.
وقال الكاتب إن ترمب منذ فوزه في الانتخابات، اتخذ عدة خطوات أسهمت في زيادة الضغوط التضخمية، من بينها شن الحرب على إيران، وفرض رسوم جمركية، والسعي إلى خفض أسعار الفائدة عبر ممارسة ضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في حين لم يفعل الكثير لإقناع الأمريكيين بأنه يولي اهتماما للقضية التي تشغل بالهم أكثر من غيرها، وهي ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار.
ورغم ذلك، لا يستبعد بونورو أن تظل بعض سياسات ترمب ذات أثر طويل المدى، خاصة في الملفات التي دعمتها الأغلبية المحافظة في القضاء، مثل سياسات مكافحة التمييز العرقي في القبول الجامعي والتوظيف، لكنه يرى أن الإصلاحات الأكثر رسوخا عادة هي تلك التي تُنجز عبر التشريع والتوافق السياسي، لا عبر القرارات التنفيذية وحدها.
وفي موازاة النقاش الدستوري، أثارت المحكمة العليا جدلا آخر بقرارها المتعلق بسياسات الهجرة، بعدما سمحت لإدارة ترمب بإنهاء برنامج "الحماية المؤقتة" لآلاف المهاجرين، وهو ما اعتبرته صحيفة غارديان البريطانية تطورا يهدد أكثر من 1.3 مليون شخص بإمكانية الترحيل إلى بلدان ما زالت الولايات المتحدة نفسها تصنفها غير آمنة.
وفي مقال تحليلي، وصفت الباحثة هبة جويد القرار بأنه "الأشد قسوة" ضمن إستراتيجية أوسع تنتهجها الإدارة تجاه المهاجرين، معتبرة أن المحكمة منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لإنهاء أوضاع قانونية كانت مستقرة منذ سنوات.
وأشارت إلى أن برنامج الحماية المؤقتة أُنشئ أصلا لحماية أشخاص فروا من الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية، وأن كثيرين منهم بنوا حياتهم وأسرهم داخل الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة.
وأوضحت الكاتبة أن هذه الفئات تساهم بأكثر من 29 ملياراً من الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، بالإضافة إلى دفع نحو 8 مليارات دولار من الضرائب مقابل خدمات وأنظمة لا يمكنهم استخدامها لعدم أهليتهم للمساعدات العامة.
وترى جويد أن القرار -إلى جانب أحكام أخرى سمحت بتشديد إجراءات اللجوء على الحدود الجنوبية- يعكس توجها قضائيا يمنح الإدارة حرية أوسع في رسم سياسات الهجرة، محذرة من أن ذلك قد يؤدي إلى تقليص الهجرة القانونية بصورة كبيرة، فضلا عن توسيع نطاق الترحيل والاحتجاز.
وانتقدت بشدة تصريحات قضاة المحكمة العليا، لا سيما القاضي صامويل أليتو الذي اعتبر تصريحات ترمب المسيئة ضد المهاجرين مجرد "رؤى سياسية تستند إلى مبررات محايدة عرقيا".
وحذرت الكاتبة من أن هذه القرارات تضع مئات الآلاف من البشر تحت رحمة أشخاص يجهرون بكراهيتهم لهم، داعية الكونغرس إلى التدخل السريع لفتح مسارات تمنح هؤلاء حق الإقامة الدائمة بدلا من ترك مصيرهم للأهواء السياسية.
إعلان
ومع استمرار الجدل السياسي والقانوني، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة جديدة تتجاوز مجرد الخلاف حول شخص الرئيس أو سياساته، إلى نقاش أعمق بشأن طبيعة النظام الدستوري نفسه، وحدود السلطة التنفيذية، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات المستقلة في حماية التوازن بين السلطات.
المصدر: غارديان + نيويورك تايمز + واشنطن بوست + وول ستريت جورنال
إقرأ المزيد


