الجزيرة.نت - 6/30/2026 5:08:17 PM - GMT (+3 )
في السنوات الأخيرة، لم تعد علاجات الكيراتين وتنعيم الشعر مقتصرة على النساء البالغات، بل امتد انتشارها إلى الأطفال والمراهقات، مدفوعا برغبة كثير من الأمهات في تسهيل تصفيف الشعر وتقليل الهيشان ومنحه مظهرا أكثر نعومة، خاصة في المناسبات والتجمعات العائلية.
كما عززت منصات التواصل الاجتماعي صورة الشعر الأملس باعتباره معيارا للجمال، مما دفع فتيات صغيرات إلى طلب هذه العلاجات في سن مبكرة.
لكن هذا التوجه يثير تساؤلات متزايدة بين أطباء الأطفال وأطباء الجلدية حول مدى أمان الكيراتين في هذه الفئة العمرية، وما إذا كانت فوائده التجميلية تستحق المخاطر المحتملة، أم أن تأجيله حتى يكتمل نمو الشعر وفروة الرأس يظل الخيار الأكثر أمانا.
لماذا يتزايد الإقبال على الكيراتين في سن مبكرة؟تتعدد الأسباب التي تدفع بعض الأسر إلى هذا الخيار. فمن الناحية العملية، يتطلب الشعر المجعد أو الكثيف وقتا وجهدا يوميا لتصفيفه، لا سيما في الصباح الباكر قبل الذهاب إلى المدرسة، مما يدفع بعض الأمهات إلى اعتبار الكيراتين حلا يوفر الوقت والجهد.
أما المراهقات، فتدفعهن إلى ذلك دوافع أعمق، إذ أصبحت صور الشعر الأملس المنتشرة على منصات مثل إنستغرام وتيك توك ترسخ معيارا جماليا ضمنيا يجعل الشعر الطبيعي يبدو في أعين كثيرات "مشكلة" تستدعي حلا. كما أسهم الانتشار الواسع لمقاطع "قبل وبعد" في صالونات التجميل في تقديم هذه العلاجات بوصفها إجراءات بسيطة وخالية من المخاطر، بينما الواقع أكثر تعقيدا.
هل الكيراتين آمن للأطفال؟لا توصي هيئات طبية عدة باستخدام علاجات الكيراتين للأطفال، بل يحذر كثير من الخبراء من اللجوء إليها في مرحلة الطفولة، لاحتمال احتواء بعض المنتجات على مواد كيميائية قد تؤثر سلبا في فروة الرأس والصحة العامة.
تشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ومعلومات صادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى أن بعض منتجات فرد الشعر، بما فيها بعض علاجات الكيراتين، قد تطلق غاز الفورمالديهايد أو مواد تتحول إليه عند استخدام الحرارة العالية. وقد يسبب ذلك تهيج العينين والأنف والحلق والسعال والصداع وصعوبة التنفس وتهيج الجلد، كما تصنف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان الفورمالديهايد مادة مسرطنة للإنسان عند التعرض لها بمستويات مرتفعة أو لفترات طويلة.
إعلان
وتزداد أهمية الحذر عند التعامل مع الأطفال لأن أجهزتهم التنفسية وفروة الرأس لديهم لا تزال في طور النمو، مما يجعلهم أكثر حساسية لهذه المواد. كما تعتمد جلسات الكيراتين على درجات حرارة مرتفعة لتثبيت المنتج داخل الشعرة، وهو ما قد يضعف بنية الشعر مع تكرار الاستخدام ويؤدي إلى جفافه وتقصفه وفقدان مرونته الطبيعية.
ويحذر مختصون أيضا من الانخداع بالمنتجات التي تحمل عبارة "خال من الفورمالديهايد"، إذ قد تحتوي على مركبات تطلق هذه المادة عند التسخين. ومع تفاوت الرقابة على بعض المنتجات، لا تكفي الملصقات أو الدعاية التسويقية للحكم على مستوى الأمان، لذلك يوصي الأطباء بتجنب هذه العلاجات للأطفال ما لم توجد ضرورة طبية واضحة وتحت إشراف مختص.
هل يعالج الكيراتين الشعر أم يغير مظهره فقط؟على عكس ما يعتقده كثيرون، لا يعد الكيراتين علاجا يعيد بناء الشعر أو يصلح تلفه، بل هو مجموعة من مركبات كيميائية لتنعيم الشعر تعتمد على تغليف الشعرة بمزيج من البروتينات والسيليكونات ومواد أخرى، ثم تثبيت هذا الغلاف باستخدام مكواة فرد بدرجات حرارة مرتفعة.
تعمل هذه العملية على ملء الفراغات في الطبقة الخارجية للشعرة، فتبدو أكثر نعومة ولمعانا وأسهل في التصفيف لعدة أسابيع أو أشهر، قبل أن يتلاشى تأثيرها تدريجيا مع غسل الشعر. هذا المظهر لا يعني بالضرورة أن الشعر أصبح أكثر صحة، إذ إن جزءا كبيرا من النتيجة يعود إلى التغليف الخارجي والتعرض للحرارة العالية.
بل إن هذه الحرارة قد تجهد الشعر، خاصة إذا كان ناعما أو رقيقا كما هو الحال لدى كثير من الأطفال، وقد يؤدي تكرار الجلسات إلى جفاف الشعر وتقصف الأطراف وفقدان مرونته الطبيعية وزيادة قابليته للتكسر والتساقط. لذلك يختلف الكيراتين عن العلاجات التي تستهدف إصلاح بنية الشعرة من الداخل، ويظل تأثيره تجميليا ومؤقتا أكثر منه علاجا حقيقيا.
البعد النفسي.. ماذا نعلّم أطفالنا عن جمالهم؟لا تقتصر قضية استخدام الكيراتين في سن مبكرة على التأثيرات الجسدية، بل تمتد أيضا إلى الجانب النفسي والصورة الذهنية التي تكتسبها الطفلة أو المراهقة عن مظهرها الطبيعي.
حين تعتاد الفتاة منذ الصغر على تغيير طبيعة شعرها لتشعر بأنها أكثر جمالا أو قبولا، قد تتشكل لديها رسالة غير مباشرة مفادها أن شعرها الطبيعي يحتاج إلى "إصلاح"، وهو ما قد يؤثر تدريجيا في ثقتها بنفسها وتقديرها لذاتها.
توضح الدكتورة ميغان مورينو، أستاذة طب الأطفال في جامعة ويسكونسن والمديرة الطبية المشاركة لمركز التميز لوسائل التواصل الاجتماعي وصحة الشباب التابع للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، أن التعرض المتكرر للصور المثالية والمعدلة على وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر سلبا في صورة الجسم وتقدير الذات لدى الأطفال والمراهقين، لأنه يدفعهم إلى مقارنة مظهرهم الطبيعي بصور غير واقعية، مما يزيد شعورهم بعدم الرضا ورغبتهم المستمرة في تغيير المظهر.
لذلك يرى خبراء الصحة النفسية أن تشجيع الأطفال والمراهقين على تقبّل التنوع الطبيعي في أشكال الشعر، وتعزيز الثقة بالمظهر الحقيقي، يمثل نهجا أكثر فائدة واستدامة من السعي الدائم إلى مجاراة معايير الجمال والصيحات الرائجة.
لا يحدد الخبراء سنا موحدة باعتبارها آمنة لاستخدام الكيراتين، لكنهم يتفقون على أن تأجيل العلاجات الكيميائية قدر الإمكان خلال مرحلة الطفولة هو الخيار الأكثر أمانا.
إعلان
أما في مرحلة المراهقة، فإذا أصرت الفتاة وأسرتها على إجراء العلاج، فينصح بأن يكون ذلك بعد استشارة طبيب الجلدية، واختيار منتجات معروفة المصدر والتأكد من وجود تهوية جيدة داخل الصالون، وتجنب تكرار الجلسات على فترات متقاربة والامتناع عن استخدامها في حال وجود حساسية أو أمراض في فروة الرأس.
في كثير من الحالات، يمكن تحقيق نتائج مرضية ببدائل أقل خطورة، مثل استخدام البلسمات المرطبة وكريمات تصفيف الشعر المناسبة وتسريحات الحماية وتقليل استخدام أدوات التصفيف الحرارية.
الهدف من العناية بالشعر خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة ينبغي أن يكون الحفاظ على صحته وتعزيز العادات الصحية للعناية به، لا تغيير طبيعته. فالشعر المجعد أو الكثيف ليس عيبا يحتاج إلى تصحيح، بل هو أحد أشكال التنوع الطبيعي التي تستحق الرعاية والتقدير.
ولهذا، لا يقتصر دور الأسرة على اختيار منتجات آمنة، بل يمتد إلى مساعدة الفتيات على بناء علاقة إيجابية مع مظهرهن الطبيعي، بعيدا عن الضغوط التي تفرضها معايير الجمال المتغيرة.
إقرأ المزيد


