الجزيرة.نت - 6/30/2026 3:30:53 AM - GMT (+3 )
للمرة الأولى، عجزت ألمانيا عن حشد الأصوات اللازمة، لترشيحات أحد المقاعد الدورية العشرة في مجلس الأمن، وهو ما فُسِر على أنه ثمن باهظ وعقاب لها على دعمها غير المشروط لسياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل، وكذلك مشروعها الاستعماري. وقد كشفت هذه الهزيمة أن ألمانيا تزداد عزلة على الساحة الدولية، الأمر الذي سيكلفها خسارة فادحة على المستوى الأوروبي أيضا عاجلا أم آجلا.
من أبرز سمات السياسة الخارجية الألمانية دعمها الراسخ لإسرائيل، وتعتبرها الممثل الشرعي للمجتمع اليهودي. ويتجاوز هذا الالتزام مجرد الدفاع عن حقها في الوجود، إذ ينطوي أيضا على دعم نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في الضفة الغربية، وحرب الإبادة الجماعية في غزة.
فعندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي، وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه، مما يفضح ازدواجية المعايير التي لا تخطئها عين.
لذا فإنه لفهم وتفسير أسباب هذا الموقف، لا بد في البدء من استعراض موجز للعلاقات الثنائية خلال العقود الماضية. ففي عام 1952، تعهدت جمهورية ألمانيا الاتحادية بتقديم مساعدة اقتصادية ضخمة لإسرائيل (نحو 9 مليارات دولار بأسعار الصرف الحالية)، على مدار 12 عاما، في محاولة للتعويض عن مسؤوليتها في الهولوكوست. وبفضل هذه المساعدات، أصبحت بون الشريك التجاري الأول لإسرائيل، متفوقة حتى على فرنسا والولايات المتحدة في السنوات الأولى لنشأة الدولة العبرية.
ثم دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة بعد حرب السويس عام 1956، عندما تعهدت سلطات ألمانيا الغربية بتقديم مساعدات عسكرية نوعية لإسرائيل، شملت دبابات ومروحيات وأسلحة متنوعة؛ لمواجهة الجبهة المتقدمة بقيادة مصر وسوريا.
إعلان
وقد أُبقي هذا الاتفاق طي الكتمان لسنوات لتجنب ردة فعل منظمة الدول المصدرة للطاقة، وقطع إمداداتها النفطية. وأخيرا، في عام 1965، أقام البلدان علاقات دبلوماسية كاملة، مما دفع معظم الدول العربية إلى قطع علاقاتها مع بون.
وبعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، تحول الدعم المطلق لإسرائيل إلى "مصلحة عليا للدولة"، كما أعلنت المستشارة أنجيلا ميركل في عام 2008.
عندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي، وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه
وقد أجمعت التيارات السياسية الرئيسية، بما فيها اليمين المتطرف، على ضرورة ضمان أمن إسرائيل في مواجهة التهديدات الخارجية. بيد أن هذه العقيدة تجاهلت حقيقة أن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، هي من كانت تشكل تهديدا لاستقرار الشرق الأوسط؛ بسبب محاولاتها المتكررة لتأسيس "إسرائيل الكبرى" بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، زار كبار القادة الألمان إسرائيل للتعبير عن تضامنهم، وتأكيد حقها في الدفاع عن النفس. وقد تذرع المستشار أولاف شولتس بالمسؤولية التاريخية لألمانيا تجاه إسرائيل؛ لتقديم دعمه غير المشروط للحملة العسكرية ضد حماس، والتزم صمتا متواطئا إزاء التدمير الممنهج للبنى التحتية المدنية، والتهجير القسري لمليوني فلسطيني.
كما أنه لم يرفع صوته لإدانة قطع إسرائيل إمدادات الغذاء والماء والأدوية، في عقاب جماعي واضح ضد سكان غزة، وهو ما يُعد جريمة حرب صريحة وفقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949.
وفي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أقر البرلمان الألماني قرارا بعنوان: "لن يتكرر أبدا"، ساوى فيه بين أي انتقاد لدولة إسرائيل أو الصهيونية وبين معاداة السامية، وهو ما سمح بحظر المظاهرات المتضامنة مع فلسطين، أو إلغاء المؤتمرات والندوات المتعلقة بالوضع في الشرق الأوسط.
,جرمت ألمانيا تلك الأصوات التي تندد بالفصل العنصري في الضفة الغربية، والإبادة الجماعية في غزة. ووفقا للمنطق الذي تطبقه برلين، يجب اعتبار اليهود ضحايا أبديين، وبالتالي لا يمكنهم أبدا أن يمارسوا دور الجلاد. ويبدو جليا أن معاداة السامية في الماضي قد استُبدلت بـالإسلاموفوبيا في يومنا هذا، حيث يُحرم الفلسطينيون من حقهم في أن يُعدوا ضحايا.
لا يقتصر الدعم غير المشروط لإسرائيل على الصعيد الداخلي فحسب، بل اتخذت ألمانيا أيضا سلسلة من القرارات على الصعيد الدبلوماسي؛ لضمان الحصانة الإسرائيلية.
فحينما رفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلنت ألمانيا أنها ستمثل أمام المحكمة دفاعا عن إسرائيل. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوتت ألمانيا ضد عدة قرارات لوقف إطلاق النار.
تحولت ألمانيا إلى متعاون مباشر وشريك أساسي في الإبادة الجماعية، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. حيث إن ألمانيا زودت إسرائيل بـ30% من الأسلحة التي دمرت بها قطاع غزة بالكامل، وقتلت بها ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني
وتتويجا لهذا الانحراف، أعلنت في يناير/كانون الثاني 2024 سحب تمويلها لوكالة "الأونروا"، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الحاجة إلى جهود الوكالة ماسة أكثر من أي وقت مضى في ظل محاولات إبادة السكان اللاجئين في قطاع غزة.
إعلان
أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد استخدمت برلين حق النقض (الفيتو) ضد أي عقوبات على إسرائيل؛ بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في غزة خلال العامين ونصف العام أثناء الحرب. وعندما طالبت إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا في فبراير/شباط 2024 بتعليق اتفاقية الشراكة؛ بسبب الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لحقوق الإنسان الفلسطيني، أحبطت ألمانيا هذه المبادرة.
كما منعت برلين فرض عقوبات على أكثر الوزراء تطرفا في حكومة نتنياهو: بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، على الرغم من دعواتهما للتطهير العرقي وعمليات التعذيب الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تحولت ألمانيا إلى متعاون مباشر وشريك أساسي في الإبادة الجماعية، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. حيث إن ألمانيا زودت إسرائيل بـ30% من الأسلحة التي دمرت بها قطاع غزة بالكامل، وقتلت بها ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني (من بينهم 22 ألف طفل).
وعلى مدى العشرين عاما الماضية، باعت ألمانيا لإسرائيل أسلحة بقيمة 3.6 مليارات دولار، استُخدمت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا حصر لها.
ولم يتوقف هذا الدعم غير المشروط حتى عندما خلصت لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 2024، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.
وأخيرا، أجبر الضغط الشعبي الحكومة على تعديل موقفها، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوجوف" في سبتمبر/أيلول 2025 أن اثنين من كل ثلاثة ألمان يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مما دفع الحكومة إلى تجميد تصدير الأسلحة لمدة ثلاثة أشهر.
غير أن هذه الصادرات استؤنفت إثر هذا الحظر بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الرئيس دونالد ترمب. وعلى الرغم من الانتهاكات الممنهجة لهذا الاتفاق من جانب إسرائيل، والتي أسفرت عن أكثر من ألف قتيل في الأشهر السبعة الماضية، واصلت ألمانيا تزويد إسرائيل بالأسلحة.
ويبدو جليا أن ألمانيا قد غلبت ما يُسمى بـ"مصلحة الدولة" ومسؤوليتها التاريخية تجاه إسرائيل على التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
بيد أنه في الفترة ذاتها، قطعت إسبانيا علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، وفرضت حظرا على الأسلحة، ومنعت التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية؛ لتثبت بذلك أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام الإبادة الجماعية في غزة، وأنه قد حان الوقت لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائمهم الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


