الجزيرة.نت - 6/29/2026 1:25:05 PM - GMT (+3 )
لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للاتصال، بل تحول إلى أحد أهم المرافق الحيوية التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي العالمي، فالبنوك والتجارة الإلكترونية والنقل والخدمات الحكومية وسلاسل التوريد والمصانع والعمل عن بعد ومراكز البيانات، وحتى الشركات الصغيرة، كلها باتت تعتمد على الاتصال المستمر بالشبكة لإنجاز أعمالها اليومية.
لذلك لم يعد انقطاع الإنترنت مشكلة تقنية فحسب، بل أصبح حدثا اقتصاديا قد يشل قطاعات كاملة في ساعات، فيوقف المدفوعات الإلكترونية ويعطل التجارة والخدمات اللوجستية والإنتاج، ويؤثر في ثقة المستثمرين واستقرار بيئة الأعمال، وقد تكلف 24 ساعة فقط من انقطاع الإنترنت بعض الاقتصادات مئات ملايين الدولارات.
وتكشف تجارب عدد من الدول أن انقطاع الإنترنت تحول إلى صدمة اقتصادية تمس مختلف القطاعات، وتزداد فاتورة الخسائر مع كل ساعة تتوقف فيها الشبكة.
كان انقطاع الإنترنت في مصر أثناء ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 أحد أبرز الأمثلة على الكلفة الاقتصادية لإغلاق الشبكة على مستوى دولة كاملة.
فقد استمر الانقطاع نحو 5 أيام، وقدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها الصادر عام 2011 الخسائر الاقتصادية المباشرة بنحو 90 مليون دولار، دون احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالسياحة والاستثمارات وخدمات أخرى.
كما تعطلت مراكز الاتصال التي تقدم خدماتها لعملاء دوليين، وتوقفت معاملات مالية عديدة، في مؤشر مبكر على حجم اعتماد الاقتصاد الحديث على الإنترنت.
ووفقا لأداة كوست (COST) التابعة لمنظمة نت بلوكس (NetBlocks)، التي تقدم تقديرات آنية للخسائر الاقتصادية المحتملة إذا وقع انقطاع شامل، فإن تكلفة توقف الإنترنت في مصر لمدة 24 ساعة وقت إعداد هذا التقرير، تقدر بنحو 125.1 مليون دولار.
إعلان
ولتقدير الخسائر الاقتصادية المحتملة الناتجة عن انقطاع شامل للشبكة، تعتمد أداة كوست على نماذج اقتصادية تأخذ في الاعتبار حجم الاقتصاد وعدد المستخدمين ومستوى الاعتماد على الإنترنت.
وتعبر هذه الأرقام عن تقديرات افتراضية للخسائر المحتملة، ولا تمثل بالضرورة الخسائر الفعلية التي تتحقق عند كل حادثة انقطاع، والتي تختلف باختلاف مدته ونطاقه والقطاعات المتأثرة.
فرضت السلطات الإيرانية قيودا واسعة على الإنترنت في يونيو/حزيران 2025، قبل أن تشهد البلاد انقطاعات أشد في عام 2026.
ونقلت وسائل الإعلام المحلية عن رئيس لجنة الأعمال القائمة على المعرفة بغرفة التجارة الإيرانية أفشين كلاهي قوله إن انقطاعات الإنترنت في إيران تتسبب في أضرار اقتصادية جسيمة، إذ تقدر الخسائر اليومية بما يتراوح بين 30 و40 مليون دولار من التكاليف المباشرة، وما يصل إلى 80 مليون دولار عند احتساب الآثار غير المباشرة.
وفي المقابل تشير كوست إلى أن الخسارة الاقتصادية المحتملة لانقطاع شامل للإنترنت في إيران لمدة 24 ساعة تبلغ حاليا نحو 37.4 مليون دولار.
شهد السودان في الأعوام الأخيرة انقطاعات واسعة أثرت مباشرة في التحويلات المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية، وعطلت جانبا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية، رغم صعوبة تقدير الخسائر الفعلية بدقة في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية.
أما أداة كوست فتقدر الخسارة الاقتصادية المحتملة لانقطاع الإنترنت لمدة يوم واحد في السودان بنحو 5.8 ملايين دولار.
باكستانتكبد الاقتصاد الباكستاني نحو 1.62 مليار دولار عام 2024 نتيجة الانقطاعات المتكررة، وفقا لتقديرات دولية تناولت أثر قيود الإنترنت على الاقتصاد.
كما حذرت شركات التكنولوجيا من أن القيود على الإنترنت قد تكلف الاقتصاد نحو 300 مليون دولار إضافية، في حين قدر معهد التنمية الاقتصادية الباكستاني (PIDE) أن إغلاق الإنترنت لمدة 24 ساعة يكلف الاقتصاد نحو 1.3 مليار روبية (نحو 4.5 ملايين دولار)، بما يعادل 0.57% من الناتج المحلي الإجمالي اليومي.
أما كوست فتقدر الخسارة الاقتصادية المحتملة لانقطاع الإنترنت في باكستان لمدة يوم بنحو 53.2 مليون دولار.
بنغلاديشقدرت مؤسسة إنترنت سوسيتي "Internet Society" أن انقطاع الإنترنت في أغسطس/آب 2024 يوما واحدا تسبب في خسائر مباشرة تجاوزت 410 آلاف دولار، مؤكدة أن هذا الرقم لا يشمل خسائر الشركات الصغيرة والعاملين المستقلين ومنصات التجارة الإلكترونية أو الآثار الاقتصادية اللاحقة.
في المقابل، تشير تقديرات كوست إلى أن انقطاعا وطنيا شاملا لمدة 24 ساعة قد يكلف اقتصاد بنغلاديش حاليا نحو 78.7 مليون دولار، وهي تقديرات افتراضية تختلف منهجيتها عن الخسائر الفعلية المسجلة.
تكبدت ميانمار خسائر قدرت بنحو 2.8 مليار دولار عام 2021 نتيجة الانقطاعات المرتبطة بالاضطرابات السياسية، وأصبحت بذلك الدولة الأكثر تضررا اقتصاديا من إغلاق الإنترنت في ذلك العام.
إعلان
كما قاربت خسائرها مليار دولار عام 2023 نتيجة استمرار القيود والانقطاعات.
وتشير تقديرات كوست إلى أن انقطاع الإنترنت 24 ساعة في ميانمار قد يكلف الاقتصاد حاليا نحو 21.9 مليون دولار.
روسيا والهند وإثيوبياتشير تقارير دولية إلى أن روسيا تكبدت خسائر تراكمية بمليارات الدولارات نتيجة قيود الإنترنت، مع تقديرات تجاوزت 4 مليارات دولار في بعض السنوات.
كما قدرت دراسات أن الانقطاعات كلفت الاقتصاد الهندي نحو 1.9 مليار دولار في جزء من عام 2023.
وبحسب أداة كوست فإن الخسارة الاقتصادية المحتملة لانقطاع الإنترنت 24 ساعة تقدر حاليا بنحو 404.7 ملايين دولار في روسيا، ونحو 1.4 مليار دولار في الهند، وهي تقديرات افتراضية لانقطاع شامل وليست خسائر فعلية موثقة.
وتؤكد هذه النماذج أن كلفة انقطاع الإنترنت ترتبط بدرجة اعتماد الاقتصاد على الخدمات الرقمية، إذ تتحول كل ساعة انقطاع إلى خسائر تمتد من الشركات والأفراد إلى الاستثمار والتجارة وسلاسل التوريد.
أما إثيوبيا فقد قدرت خسائرها من انقطاع الإنترنت بنحو 1.6 مليار دولار عام 2023.
البنوك.. أول المتضررينالقطاع المالي من أكثر القطاعات تأثرا بانقطاع الإنترنت، لاعتماده الكامل على الاتصال اللحظي بين البنوك وشبكات الدفع وأنظمة المقاصة.
وعند انقطاع الإنترنت في أوغندا أثناء انتخابات عام 2021 تعطلت أنظمة التسوية الإجمالية الفورية (آر تي جي إس – RTGS)، وخدمات التحويل الإلكتروني، وأكثر من 13 ألف وكيل مصرفي، إضافة إلى أجهزة الصراف الآلي والخدمات المصرفية عبر الإنترنت.
التجارة الإلكترونية.. توقف فوري للمبيعاتتعتمد التجارة الإلكترونية على الإنترنت بشكل كامل، لذلك يؤدي أي انقطاع إلى توقف عمليات البيع والشراء بصورة شبه فورية.
وتشير دراسة لمعهد "آي سي آر آي إي آر" (ICRIER) الهندي إلى أن التجارة الإلكترونية والعاملين المستقلين كانوا الأكثر تضررا من الانقطاعات التي كلفت الاقتصاد الهندي نحو 3 مليارات دولار في الفترة بين 2012 و2017، كما تأثرت السياحة والحجوزات الرقمية.
وفي أفريقيا تتوقع مؤسسات أبحاث السوق أن تصل قيمة سوق التجارة الإلكترونية إلى نحو 940 مليار دولار بحلول عام 2032، مما يجعل أي انقطاع واسع للإنترنت سببا مباشرا في توقف الطلبات الإلكترونية وتعطل المدفوعات وإرباك إدارة المخزون وسلاسل التوريد.
يمتد تأثير الانقطاع إلى شركات النقل والتوصيل التي تعتمد على التطبيقات الرقمية.
ففي أوغندا أدى انقطاع الإنترنت في انتخابات 2021 إلى توقف خدمات شركة سيف بودا (SafeBoda)، التي كان يعمل عبر منصتها أكثر من 20 ألف سائق، كما تعطلت خدمات نقل الركاب وتوصيل الطرود والمدفوعات الرقمية، مما حرم آلاف السائقين من دخلهم اليومي وأثر في آلاف العملاء والشركات المرتبطة بالمنصة.
وفي حين تمتلك الشركات الكبرى خططا لاستمرار الأعمال، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة تظل الأكثر تعرضا للخسائر.
وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن هذا القطاع يعد الأكثر عرضة للمخاطر الرقمية وضعف القدرة على مواصلة النشاط عند تعطل الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الإنترنت.
الاستثمار وسلاسل التوريدلا تنتهي آثار الانقطاع بمجرد عودة الخدمة، بل تمتد إلى ثقة المستثمرين واستقرار بيئة الأعمال. فالانقطاعات المتكررة تزيد مخاوف المستثمرين، وتبطئ خطط التوسع، وترفع كلفة ممارسة الأعمال، خاصة لدى الشركات العالمية التي تعتمد على الاتصال المستمر بمراكزها الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه تتأثر سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، إذ تتأخر عمليات الشحن، وتتوقف المدفوعات العابرة للحدود، وتواجه الشركات صعوبات في إدارة المخزون والتواصل مع الموردين والعملاء، بينما تعتمد المصانع الحديثة على الأنظمة الرقمية في تشغيل خطوط الإنتاج ومراقبة المخزون وجدولة عمليات النقل.
ومع تسارع التحول الرقمي واعتماد الحكومات والشركات على الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح بنية تحتية اقتصادية لا تقل أهمية عن الكهرباء أو شبكات النقل، مما يجعل أي انقطاع واسع اختبارا لقدرة الاقتصادات الحديثة على الصمود.
إعلان
هكذا لم تعد فاتورة الانقطاع تقتصر على شركات الاتصالات، بل تمتد إلى البنوك ومنصات التجارة الإلكترونية وشركات النقل والتوصيل، والشركات الصغيرة والخدمات اللوجستية والاستثمارات، وهو ما يجعل تكلفة 24 ساعة بلا إنترنت أكبر بكثير من مجرد فقدان الاتصال بالعالم.
إقرأ المزيد


