هل يرهق السفر الدولي جسدك كما يحذر برايان جونسون؟
الجزيرة.نت -

أثارت التغريدة التي أدلى بها رجل الأعمال والريادي برايان جونسون الجدل بمجرد إطلاقها عبر حسابه الرسمي بتاريخ 23 يونيو/حزيران الجاري، إذ أوصى جونسون بألا يتجاوز عدد مرات السفر الدولي مرة واحدة خلال 3 أشهر، بحد أقصى 4 مرات في السنة.

واعتمد جونسون في توصيته على قراءاته الحيوية بعد سفره إلى الصين وأستراليا والهند، إذ يحتاج الجسم -وفقا لتحليله- لأسابيع من التعافي نتيجة التغيرات التي تطرأ على الساعة البيولوجية، واصفا السفر الدولي لساعات طويلة وبتكرار بأنه إهانة بحق الجسد.

فما صحة هذا الادعاء؟ وهل أشارت إليه الدراسات العلمية المُثبتة؟

برايان جونسون يحذر من السفر الطويل (غيتي)
من هو برايان جونسون؟

برايان جونسون هو رجل أعمال جمع ثروة مالية ضخمة استطاع من خلالها تأسيس مشاريع مجنونة تهدف إلى تحقيق طموحه بالخلود المزعوم، أبرزها مشروع بلوبرينت (Blueprint) الذي كلفه 4 ملايين دولار سعيا منه لتقليص عمره البيولوجي وإبطاء الشيخوخة ليمكّن جسده ووظائفه الحيوية من القفز رجوعا بالزمن افتراضيا؛ لتمارس أعضاؤه عملها كشخص يبلغ من العمر 18 عاما!

يؤمن جونسون بأن التقدم العلمي في المستقبل قد يوفر حياة أبدية، ولتوكيد ذلك بدأ مشروعه بالممارسة الذاتية في تجربة غير مسبوقة لأبحاث إطالة العمر والشباب المستديم، إذ يتبع الآن برنامجا صارما ومكثفا بإشراف فريق طبي متخصص.

ينخرط جونسون من خلال هذا البرنامج في نظام غذائي مكثف وتمارين رياضية مستمرة وفق نسَق معين، إلى جانب خضوعه للمراقبة المتواصلة لكافة مؤشراته الحيوية، واعتماده على تناول عدد كبير من أقراص الأدوية التجريبية والمكملات الغذائية التي وصل عددها إلى 111 قرصا يوميا.

واجه جونسون بأسلوب حياته الغريب وسعيه المستميت في تقديس الحياة ونبذ الموت كحقيقة غير حتمية وابلا من الانتقادات اللاذعة بسبب تجربته لأدوية وأنظمة لا تستند إلى دليل علمي ثابت وموثوق.

المعادلة بين الجسد والسفر الطويل

يشير مصطلح اضطراب الرحلات الجوية الطويلة (Jet Lag) الذي اتكأ عليه برايان جونسون في توصيته بتجنب السفر الدولي لأكثر من مرة واحدة كل 3 أشهر إلى الاضطرابات الصحية التي تحدث في الجسم بعد الانتقال السريع عبر مناطق ذات نطاقات زمنية مختلفة تقطع خلالها الطائرة ما يزيد على 3 آلاف ميل.

إعلان

إلى جانب التعافي الطويل الذي يسببه تعارض الساعة البيولوجية الداخلية للجسم مع التوقيت في الوجهة الجديدة، فيختل نظام الجسم مسببا الإرهاق واضطرابات النوم، ومشكلات هضمية إلى جانب ضعف التركيز والشعور بالصداع.

يبدأ "اضطراب فرق التوقيت" بعد أيام من وصول الوجهة، بخلاف إرهاق السفر الذي يحدث كاستجابة فورية لعناء الرحلة الجوية نفسها، إما بسبب الجلوس الطويل في مساحات ضيقة في الطائرة (8 إلى 14 ساعة)، أو بسبب انخفاض الأكسجين والجفاف وضغط الهواء وغيرها.

عواقب السفر الطويل الصحية في الدراسات

أصدرت الكلية الأوروبية لعلوم الرياضة بيانا نشرته في عام 2007 في المجلة الأوروبية لعلوم الرياضة (European Journal of Sport Science) حول كيفية التعامل مع اضطراب فرق التوقيت الناجم عن السفر للرياضيين.

أكد البيان أن الحاجة المتواصلة للسفر بسبب البطولات والمنافسات الرياضية قد تؤثر سلبا في مستوى الأداء البدني والذهني للاعبين وفقا لمدة الرحلة وتوقيتها ووجهتها، مؤكدة أن التعرض للضوء الطبيعي وتناول أصناف معينة من الطعام يساعد الجسم على تخطي هذه الحالة واستعادة النشاط، مؤكدة بذلك العواقب السلبية التي تعاني منها هذه الفئة التي يُعد السفر جزءا أساسيا منها.

مؤخرا، في عام 2026 نُشرت مراجعة منهجية سردية لـ89 دراسة تضمنت تجارب على رياضيين من مختلف الفئات لتقييم آثار السفر الطويل واضطراب الرحلات الجوية بسبب فروقات التوقيت على صحة وأداء اللاعبين البدني.

أظهرت النتائج بعد تحليلها أن ساعات السفر الطويلة تؤدي إلى اختلال درجة حرارة الجسم، ومستويات ضغط الدم، وساعات النوم، ومستويات هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، وبالتالي تُضعف المجهود البدني والأداء المطلوب بين مختلف أنواع الرياضات، وأشارت إلى أن التعافي الجزئي يتطلب أياما قليلة، بينما يحتاج التعافي الكامل من أثر الرحلة الطويلة لـ7 أيام في المتوسط، قد تصل إلى 11 يوما مع مراعاة الاختلافات الفردية.

لكن صغر حجم العينات في الدراسات المشمولة، والاعتماد على دراسات رصدية أو حالات فردية للاستدلال يحد من تعميم نتائجها.

تجربة أخرى أجراها باحثون من اليابان على نماذج من الفئران ونشروها في مجلة نيتشر (Nature) بهدف محاولة تفسير وفهم العلاقة بين اضطراب الساعة البيولوجية الناجم عن السفر الطويل وبطء التعافي.

الباحثون أكدوا في معرض حديثهم أن السفر الطويل المتكرر يرفع خطر التعرض لبعض المشكلات الصحية كالسرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم، مؤكدين أن نتائجهم تمخضت عن تأثير إيجابي على فترة التعافي بعد السفر من خلال الاستعداد المسبق بمساعدة الجسم على التكيف وفق توقيت بلد الوِجهة.

ويتم ذلك بإحداث إزاحة لساعات الاستيقاظ مثلا بـ4 ساعات في رحلة تستغرق 8 ساعات وجهتها الشرق قبل يوم من موعدها، ليكون اختلاف الإيقاع تدريجيا وليس مفاجئا، فيكون التعافي أسرع.

كما أن إجهاد السفر واضطراب النوم الذي يسيطر على المسافرين لرحلات طويلة يعزز حدوث تقلبات مزاجية ويقلل مستوى النشاط الجسدي، خصوصا لدى الرياضيين الذين يتعرضون بكثرة لمثل هذه الظروف.

ساعات السفر الطويلة تؤدي إلى اختلال درجة حرارة الجسم، ومستويات ضغط الدم، ومستويات الكورتيزول (شترستوك)
توصيات للتغلب على مشاق السفر وعواقبها

أحيانا لا نستطيع التحكم بظروفنا فتستجد أحداث ومناسبات تستدعي تنقلنا لأكثر من 4 مرات في السنة، لذلك إذا كان الإرهاق والإجهاد الذي يتسبب به اختلاف التوقيت هو المُسبب الرئيسي لحالة الإرباك الصحي التي تحدث، فإن مجموعة توصيات خرج بها الخبراء قد تساعدنا في تخطي حالة التعب التي قد تجر وراءها تقصيرا مهنيا أو اجتماعيا يُفقدنا الهدف الذي من أجله تكبدنا مشاق السفر وأعباءه.

إعلان

من أبرز توصيات الجهات والمنظمات الصحية في هذا الصدد:

  • التعرض للضوء الطبيعي من الشمس لمساعدة الجسم على ضبط إيقاعه البيولوجي مجددا، كما يمكن التعرض لإنارة داخلية ساطعة كمحاكاة لتأثير الشمس.
  • الاستعانة بالمشروبات التي تحتوي على المنبهات كالكافيين خلال فترة النهار، لكن دون إفراط لتمكين الجسم من استعادة تأثير الليل والنهار.
  • تأخير موعد النوم بساعتين أو ثلاث قبل موعد السفر بيومين، إذا كانت وجهة السفر نحو الغرب، أو تقديمها ساعتين عن المعتاد إذا كانت الوجهة نحو الشرق لمساعدة الجسم على التكيف سريعا مع توقيت الدولة لدى وصولها.
  • تناول وجبات صغيرة أثناء الرحلة، وشرب كميات كافية من الماء، وتجنب القيلولة لأكثر من 20 دقيقة.
فجوة تحتاج مزيدا من الدراسات

على الرغم من أهمية الموضوع، وتوافقه مبدئيا مع ما ذهب إليه جونسون، لكن الأبحاث والدراسات ما زالت غير مكتملة ولا تؤكد النتائج، كما أنها لا تكشف عن الآلية الدقيقة التي يحدث بها اضطراب الساعة البيولوجية الداخلية بطريقة مفهومة، مع ضعف توافر النماذج المخبرية التي تشرح وتفسر هذه الظاهرة الصحية المزعجة.

لذا، يُوصى بتخصيص ميزانيات بحثية تسلط الضوء على التأثيرات السلبية لرحلات السفر الطويلة على الصحة، وتسهم في ردم الهوة الموجودة عبر المنصات العلمية، خصوصا مع الازدياد المستمر في حركة السفر الجوي.



إقرأ المزيد