بتبني تكتيكات ذكية.. لماذا تألقت منتخبات الصف الثاني في كأس العالم؟
الجزيرة.نت -

Published On 27/6/2026

|

آخر تحديث: 08:06 (توقيت مكة)

في نسخة استثنائية من كأس العالم تضم 48 منتخباً، تفرض ظاهرة كروية لافتة نفسها على المشهد، تتمثل في الصمود اللافت والنتائج الإيجابية التي تحققها منتخبات الصف الثاني أمام عمالقة اللعبة.

وتشهد البطولة مفارقات رقمية وتكتيكية، إذ نجحت منتخبات الرأس الأخضر وكوراساو وغانا وجنوب أفريقيا، التي تحتل المراكز 64 و81 و65 و54 في التصنيف العالمي على التوالي – في اقتناص نقاط ثمينة من أنياب قوى كروية ضاربة مثل إسبانيا (الثالثة عالميا)، والإكوادور (29)، وإنجلترا (4)، وكوريا الجنوبية (28).

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وفي قراءة تحليلية معمقة لمجريات هذه المواجهات، يتبين أن هذه الهزات الكروية لم تكن وليدة صدفة عابرة، بل نتاج تخطيط إستراتيجي دقيق وأنماط تكتيكية مشتركة طبقتها هذه المنتخبات بصرامة.

الانضباط التكتيكي ورفض "الاستدراج"

تُعد موقعة الرأس الأخضر وإسبانيا، التي انتهت بالتعادل السلبي، النموذج الأبرز للمفاجآت التكتيكية في البطولة. فقد تمكنت الدولة التي تُصنف بين أصغر المشاركين في تاريخ المونديال من شل حركة المتادور الإسباني عبر الاعتماد على هيكل دفاعي صارم بخطة (4-5-1)، مع تقليص المسافات بين خطي الوسط والدفاع إلى الحد الأدنى.

أمام هذه التكتلات، تلجأ منتخبات الاعتماد على الاستحواذ عادة إلى تدوير الكرة للخلف لدفع الخصم نحو التقدم وكشف مساحاته، غير أن لاعبي الرأس الأخضر رفضوا ابتلاع الطعم، واحتفظوا بصلابة كتلتهم الدفاعية.

وحتى عندما كان المدافعون الإسبان يتقدمون بالكرة لاستفزاز المنظومة الدفاعية، حافظ لاعبو الرأس الأخضر على تمركزهم حتى الرمق الأخير، مما أجبر إسبانيا على اللعب خارج الكتلة أو اللجوء للكرات الطولية بعدما عجزت عن اختراق العمق.

غانا اعتمدت على الانضباط التكتيكي للحد من قوة لاعبي إنجلترا (أسوشيتد برس)

هذا النهج المتحفظ ذاته استنسخته غانا أمام المنتخب الإنجليزي تحت قيادة توماس توخيل، الذي يعتمد أسلوب التراجع لاستدراج الضغط ثم اختراق المساحات.

إعلان

وأجهضت غانا هذه الفكرة بتنظيم متراص؛ إذ تكفل جوردان آيو بمهام المراقبة اللصيقة لإليوت أندرسون، بينما اصطفت بقية عناصر الفريق في خطين متقاربين على مشارف منطقة الجزاء لسد كافة المنافذ.

وتُترجم هذه السلبية المتعمدة لغة الأرقام عبر مؤشر "PPDA" (عدد تمريرات الخصم المسموح بها لكل تدخل دفاعي)، والذي يعكس مدى كثافة الضغط. ففي مواجهة إسبانيا، بلغ مؤشر الرأس الأخضر 51.2 مقابل 5.9 فقط للإسبان، بينما سجلت غانا في أول ربع ساعة أمام إنجلترا رقما بلغ 62. المثير للانتباه هنا أن غانا والرأس الأخضر تخلتا عن هذه السلبية تدريجيا ورفعتا من معدلات الضغط مع مرور دقائق اللعب، في محاولة مدروسة لسرقة نقاط المباراة في أمتارها الأخيرة.

فخ "الخماسي الدفاعي"

ولفهم أسرار نجاح هذه المنتخبات، كان لا بد من تسليط الضوء على الأخطاء التي أسقطت منتخبات أخرى حاولت تطبيق مبدأ "ركن الحافلة". وتُعد خسارة السعودية أمام إسبانيا مثالاً صارخاً على ذلك؛ فالاعتماد على خماسي في الخط الخلفي لم يضمن الصلابة الدفاعية كما يُفترض، بل أدى لخلل في تغطية عرض الملعب. فقد اندفع لاعبو الوسط الأربعة نحو جهة الكرة بشكل مبالغ فيه، وهو ما استغلته إسبانيا بنقل اللعب سريعا لجهة اليمين، ليجد لامين جمال وبيدرو بورو أنفسهما في وضعية تفوق عددي (2 ضد 1) أمام ظهير الجناح السعودي. وأسفر هذا التفوق عن الهدف الإسباني الثالث حينما أرسل بورو -المتحرر من الرقابة- كرة عرضية حولها ميكيل أويارزابال إلى الشباك.

المنتخب السعودي أخفق باستخدام ركن الحافلة أمام المتادور (الفرنسية)

السيناريو الكارثي ذاته تكرر مع السويد (36 عالميا) التي تكبدت خسارة قاسية بخماسية لهدف أمام هولندا (8 عالميا). فقد أدى اعتماد السويد على خطة (5-3-2) إلى عجز ثلاثي الوسط عن تغطية أطراف الملعب. ومع تثبيت الجناح الأيمن الهولندي للظهير الأيسر السويدي، واندفاع وسط السويد نحو الكرة، وجد الهولندي دينزل دومفريس مساحات شاسعة للانطلاق دون رقابة. ولم يتوقف النزيف السويدي إلا بعد تعديل الرسم التكتيكي إلى (4-5-1) في الشوط الثاني، على غرار ما فعلته الرأس الأخضر وغانا.

التحولات الهجومية واستغلال الضغط العالي

من الجانب الهجومي، أثبتت منتخبات الظل أنها قادرة على تهديد المرمى عندما تمتلك الجرأة. وفي مباراة جنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية، تشير الإحصاءات إلى تفوق جنوب أفريقيا بـ 14 تسديدة مقابل 7 لكوريا، رغم اكتفائها بنسبة استحواذ بلغت 31% فقط.

يعود هذا التفوق إلى القدرة على بناء اللعب من الخلف بشكل مدروس عوضاً عن التشتيت. وظهر جلياً تعمد منتخبات مثل الرأس الأخضر والعراق وجنوب أفريقيا بناء الهجمات عبر تمريرات قصيرة من حارس المرمى مع نشر اللاعبين على مسافات متباعدة، والهدف هنا إرهاق منتخبات النخبة وإجبارها على الركض لمسافات طويلة لتطبيق ضغط (رجل لرجل)، وفي غضون ذلك تُرسل كرات ساقطة خلف خطوط الضغط لمهاجمين يتمركزون في مساحات شاغرة.

ورغم ما يحمله هذا الأسلوب من مخاطر كلفت جنوب أفريقيا هدفاً أمام المكسيك، والعراق هدفاً أمام النرويج نتيجة فقدان الكرة في مناطق حساسة، إلا أنه أثمر عن خلق فرص محققة. وفي مواجهة كوريا الجنوبية، تمسكت جنوب أفريقيا بفلسفتها في الخروج بالكرة رغم الضغط العالي، لتتمكن عبر هجمة سريعة من تسجيل هدف العبور للدور التالي.

إعلان

ومع التألق الفردي وروح المونديال والانضباط التكتيكي، تبرز الجودة الفردية كعنصر حسم لا غنى عنه. فرغم الفوارق الفنية، يفرض حراس المرمى سطوتهم في هذه المواجهات؛ حيث قدم حارس الرأس الأخضر المخضرم "فوزينيا" (40 عاما) ملحمة كروية في التصدي للهجمات الإسبانية، في حين عادل حارس كوراساو إيلوي روم الرقم القياسي التاريخي لكأس العالم بـ 15 تصديا في مباراة واحدة، ليكون السبب الرئيسي في حصد بلاده نقطتها الأولى.



إقرأ المزيد