الجزيرة.نت - 6/26/2026 3:56:05 AM - GMT (+3 )
لا تقتصر بطولة كأس العالم 2026 على المنافسة الرياضية والأهداف والإنجازات التاريخية، بل تحمل في طياتها قصصا إنسانية مؤثرة تجسد معاني الصمود والإصرار والانتصار على أصعب الظروف.
وفي النسخة الأكبر في تاريخ البطولة، التي تشهد مشاركة 48 منتخبا وتستضيفها كل من كندا والمكسيك والولايات المتحدة، يبرز عدد من اللاعبين الذين بدأت رحلتهم بعيدًا عن الملاعب، داخل مخيمات اللجوء أو خلال سنوات النزوح القاسية التي فرضتها الحروب والصراعات المسلحة على عائلاتهم.
وأصبح هؤلاء اللاعبون اليوم من أبرز نجوم المونديال، بعد أن انتقلوا من حياة مليئة بالمخاطر وعدم الاستقرار إلى تمثيل بلدانهم أمام ملايين المشجعين حول العالم.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 117 مليون شخص يعيشون أوضاع النزوح حول العالم، بينهم نحو 49 مليون طفل، ما يجعل قصص هؤلاء اللاعبين مصدر إلهام لملايين الأشخاص الذين يواجهون ظروفا مشابهة.
ووصف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهام صالح بطولة كأس العالم 2026 بأنها فرصة استثنائية لإيصال رسالة أمل إلى الجماهير في مختلف أنحاء العالم، ضمن حملة أطلقتها المفوضية تحت اسم "فريق تغيير قواعد اللعبة"، التي ضمت عددا من اللاعبين أصحاب قصص اللجوء والنزوح.
من مخيم تنزانيا إلى نجم أسترالياكان نيستوري إيرانكوندا أحد أبرز الوجوه التي خطفت الأنظار في بداية البطولة، بعدما أصبح أصغر لاعب يسجل هدفًا لمنتخب أستراليا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم.
وجاء الإنجاز خلال الفوز على تركيا بهدفين دون رد في فانكوفر، حيث احتفل اللاعب البالغ من العمر 20 عاما على طريقة أسطورة الكرة الأسترالية تيم كاهيل.
لكن خلف هذا الاحتفال قصة طويلة بدأت في مخيم للاجئين بمدينة كيغوما التنزانية، حيث ولد بعد فرار والديه من الحرب الأهلية في بوروندي. وكشف اللاعب أن عائلته عاشت ظروفًا صعبة للغاية أثناء رحلة الهروب، حتى إن شقيقته الكبرى المريضة كادت تُترك خلفهم خلال رحلة النجاة.
توريه.. انتظار انتهى بكأس العالميحمل محمد توريه قصة مؤثرة أخرى ضمن صفوف المنتخب الأسترالي. وُلد المهاجم عام 2004 داخل مخيم للاجئين في كوناكري بغينيا، بعدما اضطرت عائلته إلى الفرار من ليبيريا إثر هجوم مسلح على مدينتهم.
إعلان
وقضت الأسرة نحو 14 عاما في انتظار إعادة توطينها قبل أن تستقر في مدينة أديلايد الأسترالية.
ويؤكد توريه أن أكبر مصدر لسعادته لا يتمثل في المشاركة بالمونديال فحسب، بل في شعور والده بالفخر عندما يخبر الآخرين أن ابنه أصبح لاعبا في كأس العالم.
مابيل.. ركلة غيرت تاريخ أستراليايعد أوير مابيل من أكثر اللاعبين ارتباطًا بقضايا اللاجئين. فقد وُلد في مخيم كاكوما للاجئين في كينيا بعد فرار والديه من الحرب الأهلية في جنوب السودان، قبل أن تنتقل العائلة إلى أستراليا عندما كان في العاشرة من عمره.
واكتسب مابيل مكانة خاصة لدى الجماهير الأسترالية بعدما سجل ركلة الترجيح الحاسمة التي منحت منتخب بلاده بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2022.
ولم يكتف اللاعب بنجاحه داخل المستطيل الأخضر، بل أسس مؤسسة خيرية تحمل اسم "من حافي القدمين إلى الأحذية"، تهدف إلى توفير المعدات الرياضية للأطفال الذين ما زالوا يعيشون في مخيم كاكوما.
ديفيز.. قائد كندا الذي ولد لاجئايعتبر ألفونسو ديفيز أحد أشهر اللاعبين الذين خرجوا من بيئة اللجوء إلى العالمية. ولد قائد المنتخب الكندي عام 2000 داخل مخيم بودوبورام للاجئين في غانا، بعدما فر والداه من الحرب الأهلية في ليبيريا.
وعندما بلغ الخامسة من عمره انتقلت العائلة إلى كندا، حيث بدأت رحلة الصعود نحو النجومية. وفي عام 2021 أصبح أول لاعب كرة قدم يعين سفيرا عالميا للنوايا الحسنة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مؤكدًا أن حياة أسرته كان يمكن أن تسير في اتجاه مختلف تمامًا لولا حصولها على فرصة الأمان والاستقرار.
واليوم يقود ديفيز منتخب كندا في أول بطولة كأس عالم تستضيفها بلاده.
جيل يحمل ذاكرة الحرب في البوسنةتحضر آثار حرب البلقان بقوة داخل المنتخب البوسني عبر أكثر من لاعب. ويبرز إرمدين ديميروفيتش الذي ولد في ألمانيا بعد فرار والده من البوسنة خلال سنوات الحرب، لكنه اختار تمثيل منتخب بلاده الأصلي، مؤكدًا أن ارتداء قميص البوسنة والهرسك في كأس العالم يمثل فخرا كبيرا له.
كما يبرز الحارس المخضرم أسمير بيغوفيتش، الذي اضطر إلى مغادرة البوسنة وهو في الرابعة من عمره، قبل أن تستقر عائلته أولًا في ألمانيا ثم في كندا، حيث بدأ مشواره مع كرة القدم.
ويشارك بيغوفيتش في ثاني ظهور مونديالي لمنتخب بلاده بعد مشاركته الأولى في نسخة 2014، ليجسد قصة نجاح بدأت بالهروب من أهوال الحرب وانتهت بتمثيل الوطن على أعلى مستوى.
روديغر.. رحلة عائلة بحثت عن الأمانرغم أن أنطونيو روديغر ولد في العاصمة الألمانية برلين، فإن جذور قصته تعود إلى الحرب الأهلية في سيراليون. فقد فرت والدته من بلادها عام 1991 بحثًا عن الأمان والاستقرار، لتستقر الأسرة في ألمانيا حيث نشأ المدافع الدولي وأصبح أحد أبرز نجوم الكرة العالمية.
ويؤكد روديغر أن تمثيل المنتخب الألماني يمثل بالنسبة له تتويجا لتضحيات والديه ورحلة طويلة من البحث عن مستقبل أفضل.
الحمادي.. حلم عراقي بدأ من المنفىيحمل مهاجم العراق علي الحمادي قصة مختلفة بدأت عام 2003 عندما اضطرت عائلته إلى مغادرة العراق بعد سجن والده بسبب مشاركته في احتجاج ضد نظام صدام حسين.
وبعد الإفراج عنه لجأت الأسرة إلى المملكة المتحدة، حيث نشأ الحمادي بعيدًا عن وطنه الأصلي. ومع عودة العراق إلى كأس العالم لأول مرة منذ عقود طويلة، أصبح اللاعب جزءا من هذا الإنجاز التاريخي، مؤكدًا أن التضحيات التي قدمها والداه كانت السبب الرئيسي في وصوله إلى هذه المرحلة.
كامافينغا.. لاجئ سابق ونجم عالميولد إدواردو كامافينغا داخل مخيم للاجئين في أنغولا بعد فرار عائلته من الحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي أحاطت ببداياته، نجح في شق طريقه نحو القمة ليصبح أحد أبرز نجوم المنتخب الفرنسي.
ويعبر كامافينغا باستمرار عن فخره بخلفيته الإنسانية، معتبرًا أن قصة حياته تمثل دليلا على قدرة الإنسان على تجاوز أصعب العقبات.
كامونغو.. حلم توقف قبل القائمة النهائيةولد برنارد كامونغو بالقرب من أحد مخيمات اللاجئين في تنزانيا بعد فرار أسرته من جمهورية الكونغو الديمقراطية. وشارك لأول مرة مع منتخب الولايات المتحدة عام 2024، لكنه لم ينجح في حجز مكان ضمن القائمة النهائية المشاركة في كأس العالم 2026.
إعلان
ورغم غيابه عن البطولة، تبقى قصته واحدة من أبرز قصص النجاح المرتبطة باللجوء والنزوح.
موسيس.. القصة الأكثر إيلاماربما تكون قصة النيجيري فيكتور موسيس هي الأكثر مأساوية بين جميع هذه القصص. ففي عام 2002 قُتل والداه خلال أعمال عنف في مدينة كادونا النيجيرية، بينما كان في الحادية عشرة من عمره.
واضطر الطفل الصغير إلى الفرار بمفرده إلى المملكة المتحدة دون مرافقة أسرية، قبل أن تتبناه عائلة حاضنة وتوفر له فرصة بناء حياة جديدة.
وبعد سنوات تحول موسيس إلى نجم كبير، فحقق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز وشارك مع منتخب نيجيريا في كأس العالم 2018، رغم غياب منتخب بلاده عن النسخة الحالية.
رسالة أمل تتجاوز حدود الملعبتكشف قصص هؤلاء اللاعبين أن كرة القدم ليست مجرد منافسة رياضية، بل منصة إنسانية قادرة على نقل رسائل الأمل والتحدي إلى العالم بأسره.
فمن مخيمات اللجوء ومناطق الحروب إلى ملاعب كأس العالم المزدحمة بالجماهير، أثبت هؤلاء النجوم أن المعاناة لا تمنع النجاح، وأن الإصرار يمكن أن يحول أكثر البدايات قسوة إلى قصص ملهمة تكتب في سجلات التاريخ الرياضي.
إقرأ المزيد


