الجزيرة.نت - 6/26/2026 2:38:09 AM - GMT (+3 )
Published On 26/6/2026
|آخر تحديث: 02:20 (توقيت مكة)
كيف يمكن لليمين الجديد في أمريكا اللاتينية أن يحكم، إذا كان انتصاره الانتخابي لا يمنحه القدرة على بناء توافق سياسي؟ سؤال يطرحه الأكاديمي كريستوفر ساباتيني، معتبرا أن فوز التيارات اليمينية في عدد من دول المنطقة قد يكون أسهل بكثير من إدارة الحكم، في ظل استقطاب حاد وتراجع قوى الوسط وانقسامات تشريعية تعرقل أي برنامج حكومي.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، يرى ساباتيني، وهو باحث في شؤون أمريكا اللاتينية بمعهد تشاتام هاوس البريطاني، أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كولومبيا تمثل نموذجا لهذا المشهد الجديد، بعدما فاز رجل الأعمال المحافظ أبيلاردو دي لا إسبريا على مرشح اليسار إيفان ثيبيدا بفارق ضئيل.
وبذلك الإنجاز الانتخابي، ينضم دي لا إسبريا إلى موجة سياسية يصفها الكاتب بأنها قريبة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتشمل الأرجنتين وتشيلي والإكوادور والسلفادور وهندوراس، وربما بيرو أيضا.
ويحذر الكاتب من أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال سعي بعض هؤلاء القادة إلى تعزيز سلطاتهم التنفيذية على حساب المؤسسات الديمقراطية، كما حدث في السلفادور والإكوادور، بل في اختفاء التيار الوسطي الذي كان يشكل مساحة للتوافق بين اليمين واليسار.
ويقول إن فوز دي لاسبريا بنسبة 49.7% مقابل 48.7% لمنافسه يكشف هشاشة التفويض الشعبي الذي حصل عليه، مؤكدا أن "عدم تمكنه حتى من الحصول على أغلبية واضحة يبرز الطريق الوعر الذي ينتظره، ليس فقط كرئيس، بل أيضا أمام الحكم في كولومبيا".
أيتام سياسياوبحسب المقال، لم تعد الانتخابات في أمريكا اللاتينية تدور بين يمين ويسار معتدلين، بل أصبحت مواجهة بين جهات متطرفة، بينما تراجعت الأحزاب الوسطية إلى الهامش، وهو ما يجعل الفائزين "أيتاما سياسيا" يفتقرون إلى الحلفاء القادرين على تمرير سياساتهم.
ويشير الكاتب إلى أن الرئيس التشيلي المحافظ خوسيه أنطونيو كاست يواجه بالفعل صعوبات بسبب تشتت الأحزاب وتراجع شعبيته، متوقعا أن يواجه الرئيس المقبل في بيرو العقبات نفسها، في حين تبدو مهمة الرئيس الكولومبي المنتخب أكثر تعقيدا، بما قد يغذي نزعات سلطوية لديه.
إعلان
ويرجع ساباتيني هذا التحول إلى تزايد إحباط الناخبين من الحكومات السابقة، وعجزها عن تحسين الخدمات العامة، واحتواء الجريمة، وتحقيق الحراك الاجتماعي، فضلا عن انتشار قضايا الفساد، وهو ما دفع قطاعات واسعة إلى التخلي عن الأحزاب التقليدية.
وفي كولومبيا، استفاد دي لا إسبريا من تنامي المخاوف الأمنية بعد تعثر سياسة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو القائمة على التفاوض مع الجماعات المسلحة، متعهدا بانتهاج سياسة أمنية صارمة تشمل بناء سجون جديدة وتوجيه ضربات عسكرية للجماعات الإجرامية، بل وتعهد بالقضاء على المجرمين "كما تُباد الصراصير والجرذان"، بحسب تعبيره.
لكن الكاتب يلفت إلى أن الرئيس المنتخب يفتقر إلى قاعدة برلمانية تمكنه من تنفيذ وعوده، إذ لم حصل الحزب الداعم له سوى على مقعد واحد في مجلس النواب وأربعة مقاعد فقط في مجلس الشيوخ، ما ينذر بصدامات مستمرة مع البرلمان، على غرار ما واجهه بيترو خلال ولايته.
استقطاب حادولا يقتصر هذا المشهد على كولومبيا، إذ يشير المقال إلى أن بيرو تعيش بدورها حالة استقطاب حاد بين اليمين واليسار، مع تقارب شديد في نتائج الانتخابات، وتكرار اتهامات التزوير من الطرف الخاسر، بينما تعاني البلاد أصلا من عدم استقرار سياسي أدى إلى تعاقب تسعة رؤساء خلال عشر سنوات.
ويخلص ساباتيني إلى أن أخطر ما تواجهه الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية ليس صعود اليمين أو اليسار بحد ذاته، وإنما غياب الوسط السياسي القادر على إنتاج حلول توافقية طويلة الأمد. ويرى أن استمرار هذا الاستقطاب سيجعل الإصلاحات الاقتصادية والأمنية أكثر صعوبة، ويرفع احتمالات العنف السياسي، ويعقد رسم سياسات خارجية مستقرة.
ويختم الكاتب بأن أفضل سيناريو للمنطقة هو استعادة مساحة الوسط وبناء أجندة مشتركة لمعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، لكنه يستدرك بأن تدخل ترمب لدعم حلفائه يجعل تحقيق هذا التوافق أمرا مستبعدا في الوقت الراهن، مرجحا أن تؤدي موجات السخط الشعبي مستقبلا إلى إسقاط هؤلاء القادة أيضا، في دورة جديدة من رفض الحكومات القائمة.
إقرأ المزيد


