رحلة نحو المجهول.. سماسرة ومخاطر أمنية وتسعيرة خيالية للسفر من غزة
الجزيرة.نت -

غزة- "كيف يسافر الناس من غزة؟"، قضية تثير سيلا من التساؤلات لدى الراغبين في مغادرة قطاع غزة، والساعين إلى فهم الكيفية التي تمكن بها البعض من الخروج، بينما ما تزال الأبواب موصدة أمام آخرين، وفيما بدت بعض مسارات السفر واضحة نسبيا، إلا أن معظمها يكتنفه قدر كبير من الغموض والتعقيد.

الجزيرة نت تتبع خيوط هذه المسارات وبينها مسار ضبابي، ومحاولة تفكيك شبكة الإجراءات والجهات والوساطات التي تقف خلف عمليات السفر، عبر جمع شهادات مسافرين وتتبع التجارب المختلفة التي أفضت إلى سفر بعض الغزيين، مقابل بقاء آلاف آخرين دون فرصة مماثلة.

تفاصيل وتعقيدات

الوصول إلى تفاصيل دقيقة حول المسارات الغامضة يصطدم بعقبات كبيرة؛ فالكثير من إجراءات السفر تُدار بعيدً عن أي إعلان رسمي، فيما يُطلب من بعض المغادرين الالتزام بتعهدات شفهية تمنعهم من الكشف عن آليات خروجهم، أو الجهات التي سهّلت سفرهم، أو حتى المبالغ التي دفعوها مقابل ذلك.

جميع من تحدثوا للجزيرة نت آثروا الإدلاء بشهاداتهم شريطة عدم نشر أسمائهم الكاملة، التزاما بما فُرض عليهم، أو خشية أن يؤدي كشف هوياتهم أو تفاصيل تجاربهم إلى حرمان آخرين من فرص السفر، أو إغلاق المسارات التي ما تزال تُستخدم حتى اليوم.

ويقتصر خروج الأفراد من غزة على مسارين:  معبر رفح الواقع على الحدود بين قطاع غزة ومصر جنوبا، ومعبر كرم أبو سالم في أقصى الجنوب الشرقي للقطاع، وفي كلا المعبرين فإن إسرائيل صاحبة السيطرة الأمنية الفعلية على حركة المرور فيهما، من خلال وجودها على الأرض ومنظومة التصاريح والموافقات الأمنية المرتبطة بالسفر.

معبر كرم أبو سالم مخصص لإجلاء المرضى والطلبة الحاصلين على المنح الدراسية في الدول الأوروبية، وحملة الجوازات الأجنبية، أو لخروج حالات لم الشمل وهي بمجملها إجلاءات بلا مقابل مادي.

من اعتصام وإطلاق مناشدات لإخراج الطلاب العالقين في غزة وتسهيل سفرهم للخارج (الجزيرة-أرشيف)
اعتقال رغم التنسيق

ورغم اشتراط حصول كثيرين على موافقة أمنية إسرائيلية مُسبقة، فقد سُجّل عدد من الاعتقالات بينها اعتقال الطبيب محمود النجار في 1 يونيو/حزيران 2026، والذي حاول المغادرة من معبر كرم أبو سالم متجهًا إلى إيطاليا لاستكمال دراسته وتخصصه الطبي في جامعة "تور فيرغاتا"، بعد حصوله على الموافقة اللازمة للسفر عقب أشهر من المحاولات.

إعلان

وبحسب ما ذكرته شقيقته أسيل النجار -للجزيرة نت- فإن أخبار النجار انقطعت لدى وصوله المعبر، حيث تبين لاحقا أن قوات الاحتلال اعتقلته واقتادته إلى جهة مجهولة دون الكشف عن مصيره أو أسباب احتجازه.

ولم تكن هذه حالة الاعتقال الأولى، فوفق ما كشفت هيئة المعابر في قطاع غزة للجزيرة نت، فقد اعتقل قبل ذلك المواطن محمد عثمان خلال عودته إلى غزة بتاريخ 23 مارس/آذار 2026، وهما أول حالتي اعتقال خلال العبور من كرم أبو سالم خلال الحرب رغم حصولهما على موافقة أمنية، الأمر الذي أثار مخاوف بين الراغبين في المرور عبر هذه البوابة.

ماذا عن "المجد أوروبا"؟

إضافة للمسار الاعتيادي من خلال معبر كرم أبو سالم، تنشط مؤسسة "المجد أوروبا"، كجهة يلجأ إليها بعض الراغبين في المغادرة، وتنشط بشكل أساسي على موقع فيسبوك، وتنشر إعلانات متتالية عن تمكن مجموعات فلسطينية من غزة من المغادرة إلى عدد من الدول، دون تقديم معلومات واضحة حول بنيتها القانونية أو الجهة التي تدير عملياتها، ودون أن تتمكن الجزيرة نت من صحة الصور المنشورة لتلك المجموعات.

وخلال محاولة التحقق من آلية عمل المؤسسة، جرى تتبع نشاطها الرقمي والتواصل معها عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، وعند مراسلة الصفحة بغرض الاستفسار عن إمكانية السفر والإجراءات المطلوبة، جاء الرد الآلي بطلب تعبئة بيانات شخصية ودفع رسوم تُقدّر بنحو 500 دولار بعد ما يُوصف بـ"الموافقة الأمنية" في إشارة لعدم وجود مانع إسرائيلي من السفر.

قالت المؤسسة إن 166 فردا من 82 عائلة تمكنوا من مغادرة القطاع على دفعتين خلال يونيو/حزيران الجاري إلى هولندا وإيطاليا، بينما يجري التحضير لدفعة خامسة، وأشارت في 17 يونيو/حزيران إلى أن إحدى المجموعات تمكنت ولأول مرة من مغادرة القطاع عبر معبر رفح.

وفي منشور لها يوم 3 يونيو/حزيران دعت المؤسسة المسافرين إلى الالتزام "بتعليمات وفد الصليب الأحمر والجهات المختصة" لتسهيل مرورهم، لكن المتحدثة باسم اللجنة في غزة أماني الناعوق نفت -للجزيرة نت- وجود علاقة للجنة بالمؤسسة أو المشاركة في أي دور في عمليات التنسيق الخاصة لمغادرة الفلسطينيين. وقالت "لا يوجد أي تعامل مع وسطاء أو جهات تنظم السفر من القطاع".

طفل فلسطيني يينتظر أمام أزمة يشهدها معبر رفح بين غزة ومصر حيث إجراءات السفر المعقدة (الجزيرة-أرشيف)
مغامرة وتكاليف باهظة

تُظهر منشورات المؤسسة أنها نظمت خلال الأشهر الماضية مغادرة عشرات الفلسطينيين من غزة إلى وجهات متعددة، بينها ألمانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا وكندا وأستراليا، بعد تعثر مسارات أخرى كانت تُطرح سابقا كجنوب أفريقيا.

ومن بين الذين تمكنوا من مغادرة غزة إلى جنوب أفريقيا من خلال المؤسسة، (ن.ح) وتقول للجزيرة نت، إنها وزوجها كانا يبحثان عن أي فرصة للنجاة في ظل النزوح المتكرر وتدهور الأوضاع الأمنية.

وبعد محاولات للحصول على منح دراسية لم تفضِ إلى نتيجة، تقدما بطلب عبر صفحة "المجد أوروبا" ، فتواصلت معهما بعد فترة طويلة من التسجيل.

أبلغت المؤسسة الزوجين بضرورة دفع رسوم للفحص الأمني، قبل طلب 1500 دولار عن كل شخص لاستكمال إجراءات السفر، وأضافت "كنا مثل الغريق الذي يتعلق بقشة؛ كانت مجازفة ومخاطرة، لكنها بدت في ذلك الوقت الجهة الوحيدة القادرة على إخراجنا من غزة".

إعلان

وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024 غادرت (ن.ح) وزوجها القطاع ضمن مجموعة ضمت نحو 150 شخصا، وتؤكد أنها لم تكن تعلم وجهتها النهائية أثناء الرحلة، ولم تعرف أنها متجهة إلى جنوب أفريقيا إلا بعد صعودها إلى الطائرة. ورغم الغموض الذي أحاط بالرحلة، نفت توقيعها أو زوجها على أي تعهد بعدم العودة إلى غزة مقابل السماح لهما بالمغادرة كما يُشاع.

في المقابل، يروي (إ. ح)  تجربة مختلفة مع "المجد أوروبا"، حيث امتنع عن السفر رغم إبلاغه بموعده بعدما طُلب منه دفع 7 آلاف دولار لاستكمال الإجراءات.

وقال للجزيرة نت إنه تراجع عن الفكرة في اللحظات الأخيرة بسبب غياب المعلومات الواضحة حول الوجهة النهائية للرحلة، وعدم وجود ضمانات كافية بشأن ظروف الاستقبال والإقامة بعد الوصول، أو معرفة الجهة التي ستستقبله خارج غزة أو طبيعة الوضع القانوني الذي سيكون عليه بعد المغادرة.

زوجة عالقة ترفع جواز السفر خلال تظاهرة في خان يونس بقطاع غزة تطالب بفتح المعابر (الجزيرة-أرشيف)
تجارب متباينة

وتُظهر الشهادات التي جمعتها الجزيرة نت تباينًا في تجارب المسجلين عبر المؤسسة؛ فبينما تمكن بعض الغزيين من مغادرة القطاع والوصول إلى وجهات خارجية عبر هذا المسار، أحجم آخرون عن استكمال الإجراءات بسبب الغموض الذي يحيط بآلية العمل والارتفاع المضطرد للرسوم المطلوبة والجهات المشرفة على الرحلات.

وفي محاولة لفهم آليات الخروج عبر معبر رفح، تتبعت الجزيرة نت مسارات السفر التي ما تزال قائمة أو أعيد تفعيلها مؤخرا، من خلال مقابلات مع مسافرين ومنسقين تمكنت من الوصول إليهم بعد بحث مضنٍ، وأظهرت المتابعة وجود 3 مسارات رئيسية لمغادرة القطاع عبر معبر رفح:

  • الإجلاءات الطبية التي تنسقها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع الجهات الصحية الفلسطينية.
  • مسافرون كانوا قد سجلوا أسماءهم قبل تعطيل حركة السفر في مايو/أيار 2024 عبر شركة "هلا" المصرية وسددوا الرسوم المطلوبة آنذاك.
  • تنسيقات جرى تنفيذها عبر شركات وأشخاص ذوي نفوذ ومسؤولين فلسطينيين مقربين من جهات حكومية مصرية مقابل مبالغ مالية متفاوتة.
الملف الطبي..مسار متعثر

وفيما يتعلق بالمسار الطبي، يقول وكيل وزارة الصحة في غزة الدكتور ماهر شامية، للجزيرة نت، إن أعداد المغادرين ما تزال محدودة قياسًا بحجم الاحتياج الفعلي داخل القطاع، إذ أن عدد التحويلات الطبية المسجلة بلغ 17 ألفا و757 حالة، بينما تمكن من مغادرة القطاع عبر المعابر المختلفة 3226 شخصا فقط، بينهم 1204 مرضى فقط والبقية من المرافقين.

يوضح شامية أن التحويلات تتم عبر لجان طبية وإدارية رسمية ووفق معايير محددة لتحديد الأولويات، بينما يتغير عدد المرافقين إذ شهدت بعض الفترات سفر مرافق واحد فقط، فيما سُمح في فترات أخرى بزيادة العدد بحسب الحاجة.

أما المسار الثاني، فيتعلق بمئات الفلسطينيين الذين ظلّت أسماؤهم عالقة على قوائم السفر منذ ما قبل تعطيل حركة معبر رفح. وبحسب مصدر خاص تحدث للجزيرة نت، فإن نحو 530 شخصا كانوا قد سجلوا عبر شركة "هلا" قبل مايو/أيار 2024 وسددوا الرسوم المطلوبة آنذاك، دون أن يستردوا أموالهم بعد توقف السفر.

وأضاف المصدر أن هذه الفئة ما تزال تغادر بشكل تدريجي، بمعدل يقارب 50 مسافرا أسبوعيا، ضمن ترتيبات تستكمل الملفات العالقة منذ فترة ما قبل إغلاق المعبر.

مسار المتنفذين

يكشف تتبع ملف السفر أن الخروج عبر رفح لا يقتصر على معالجة الكشوفات القديمة، إنما غادر مسافرون مؤخرا عبر ترتيبات جديدة مرتبطة بشركة مصرية كانت تنظم إجراءات سفر الفلسطينيين من قطاع غزة عبر الجانب المصري من المعبر مقابل رسوم مالية.

ومن بين الأسماء الواردة في هذه الكشوفات (و.د)، التي تمكنت من مغادرة قطاع غزة برفقة أطفالها الثلاثة عبر تنسيق خاص قالت إنه تم عبر الشركة مقابل نحو 25 ألف دولار أمريكي.

إعلان

كانت المواطنة الفلسطينية ضمن حافلة ضمت قرابة 19 مسافرا تفاوتت قيمة المبالغ المالية المدفوعة من قبل كل منهم، تبعًا للوسيط الذي تولى استكمال إجراءات التنسيق لكل منهم.

وتشير شهادات ومعلومات جمعتها الجزيرة نت إلى وجود مسار أكثر ضبابية وتعقيدًا للخروج من قطاع غزة، يعتمد على تنسيقات يقودها مسؤولون فلسطينيون أو أفراد متنفذون من عائلات لها علاقات مع جهات حكومية مصرية مختلفة.

ويحيط بهذا المسار قدر كبير من السرية، إذ رفض عدد من الوسطاء الذين تواصلت معهم الجزيرة نت الإدلاء بأي معلومات، بينما امتنع آخرون عن استكمال الحديث بعد معرفتهم بطبيعة الأسئلة المطروحة.

وبعد سلسلة من المحاولات، تمكنت الجزيرة نت من الوصول إلى اثنين من المنسقين الذين عرضوا تفاصيل تتعلق بالأسعار وآليات السفر للراغبين في مغادرة القطاع.

وكشفت إفادات المنسقَين عن سوق موازية للتنسيقات تعتمد على الوسطاء والعلاقات الشخصية، حيث أوضح أحد المنسقين، ويدعى (د.ل)، أن تكلفة السفر تختلف بحسب سرعة المغادرة المطلوبة، مشيرا إلى أن الراغب في الخروج خلال أيام قليلة قد يضطر لدفع ما بين 30 و35 ألف دولار للشخص الواحد، بينما تنخفض التكلفة كلما طالت مدة الانتظار.

المغادرون غزة عبر معبر رفح أو كرم أبو سالم يحصلون على موافقة أمنية من الجيش الإسرائيلي (حساب الجيش على إكس)
مبالغ ضخمة

وبحسب التفاصيل التي قدمها، تبدأ أسعار التنسيق من نحو 6 آلاف دولار للأطفال دون 3 سنوات، وترتفع إلى 12 ألف دولار للأطفال واليافعين، وتتجاوز 20 ألف دولار للفئات العمرية الأخرى، مقابل ترتيب السفر خلال أسابيع.

وأكد المنسق أن الأموال لا تُسلَّم مباشرة للوسطاء، بل تُودع لدى مكاتب صرافة أو جهات وسيطة متفق عليها، ولا تُصرف إلا بعد إتمام عملية الخروج من القطاع، وهي آلية قال إنها معتمدة لدى معظم المنسقين العاملين في هذا المجال".

وفي رواية أخرى، عرض منسق ثانٍ على الجزيرة نت ترتيبات مختلفة، موضحًا أن تكلفة تنسيق السفر تصل إلى 50 ألف دولار للشخص البالغ، مع رسوم أقل للأطفال بحسب أعمارهم، مقابل إتمام إجراءات المغادرة خلال نحو 10 أيام.

وأكد المنسق الثاني بدوره أن المبالغ لا تُدفع مسبقًا، وإنما تُسلَّم بعد إتمام السفر عبر طرف ثالث يحظى بثقة الطرفين، مثل صرّاف أو تاجر معروف.

وعند سؤال أحد المنسقين عن الجهات التي تذهب إليها هذه المبالغ المرتفعة، قال إن الأموال لا تؤول إلى الوسيط وحده، إنما تُوزع بين عدة أطراف تشارك في إتمام إجراءات السفر.

مدخل معبر رفح من الجهة الفلسطينية (الجزيرة – أرشيف)

وزعم المنسق (د.ل) أن جزءا من المبلغ يذهب إلى جهات أمنية مصرية، وجزءا آخر إلى ما وصفه بـ"مجموعات مسلحة" تعمل في المناطق التي تمر عبرها ترتيبات السفر، فيما يذهب المتبقي -بحسب روايته- إلى الوسطاء والمنسقين القائمين على العملية.

ولم تتمكن الجزيرة نت من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه الادعاءات أو من الجهات التي تتلقى هذه الأموال فعليا.

وتكشف الأرقام التي حصلت عليها الجزيرة نت من هيئة المعابر عن محدودية حركة السفر مقارنة بحجم الطلب المتزايد على مغادرة القطاع.

وبحسب بيانات الهيئة، استؤنفت حركة السفر عبر معبر رفح في 2 فبراير/شباط 2026، ومنذ ذلك التاريخ وحتى نهاية مارس/آذار من العام نفسه غادر 1294 مسافرا، فيما بلغ إجمالي عدد المغادرين منذ إعادة فتح المعبر وحتى الآن 3516 شخصا. وفي المقابل، عاد إلى قطاع غزة خلال الفترة نفسها 2701 مواطن، وفق بيانات الهيئة.

وأوضحت الهيئة للجزيرة نت أن حركة السفر تتم يوما بعد يوم، فيما لا تتوفر لديها أرقام دقيقة بشأن المغادرين عبر معبر كرم أبو سالم.



إقرأ المزيد