صراع الدولار واليوان.. هل تدفع واشنطن الصين إلى اتفاقية بلازا جديدة؟
الجزيرة.نت -

تسعى الصين في السنوات الأخيرة إلى ترسيخ مكانة عملتها (اليوان) الرنمينبي، كعملة دولية تتجاوز دورها التقليدي في التسويات التجارية لتصبح أداة احتياط واستثمار عالمية.

ولا يأتي هذا التوجه عبر توسيع استخدام (اليوان) في التجارة الثنائية فقط، بل من خلال بناء منظومة مالية ومؤسساتية تدعم الطلب العالمي عليه، في الوقت الذي يواجه فيه النظام النقدي الدولي تحولات متسارعة وتراجعا نسبيا في هيمنة الدولار.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
الجدل حول قيمة اليوان

أثار طرح بعض السياسيين الأوروبيين لفكرة إعادة إحياء "اتفاقية بلازا " جدلا واسعا، حيث ذكرت صحيفة هوان تشيو الصينية أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس لوّح بفكرة مفادها أن اليوان الصيني "مقوّم بأقل من قيمته " عقب قمة الاتحاد الأوروبي، مستحضرا تجربة الثمانينيات مع اليابان.

واتفاقية بلازا للعام 1985، هي اتفاق بين خمس دول كبرى لخفض قيمة الدولار أمام الين والمارك لمعالجة اختلالات التجارة.

"معضلة تريفين " لا يمكن حلها بسياسة سعر الصرف وحدها (غيتي)

اعتبرت الصحيفة أن هذا الطرح يعكس قلقا أوروبيا متزايدا أكثر مما يمثل حلا اقتصاديا فعليا، مشيرة إلى أن الضغوط التي تواجهها الصناعة الأوروبية تعود أساسا إلى عوامل داخلية مثل ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الابتكار.

وترى الصحيفة أن ما يُسمى بـ "إعادة سيناريو اتفاقية بلازا " لا يعتبر وصفة اقتصادية في جوهره، بل هو شكل من أشكال الضغط السياسي، لا سيما وأن التجربة التاريخية فشلت في معالجة اختلالات الاقتصاد الأمريكي، إذ بقي العجز التجاري قائما رغم ارتفاع قيمة الين آنذاك.

كما أشارت افتتاحية هوان تشيو إلى أن جذور الاختلال الأمريكي ترتبط ببنية الاقتصاد نفسه، وليس بتقييم العملة، في إشارة إلى ما يعرف بـ "معضلة تريفين " التي لا يمكن حلها بسياسة سعر الصرف وحدها.

معضلة تريفين، هو تعبير عن تضارب بين ضرورة تزويد أمريكا للعالم بالدولار كعملة احتياطية وبين الحفاظ على استقرار اقتصادها؛ فإذا زاد الإصدار ضعفت الثقة، وإذا قلّت السيولة اختنق الاقتصاد العالمي.

إعلان

حمائية وقلق أوروبي

في السياق ذاته، يبرز النقاش الأوروبي حول أدوات الدفاع التجاري وتقليص الاعتماد على الصين، وهو ما وصفته هوان تشيو بأنه ميل نحو الحمائية مدفوع بـ "قلق صناعي ".

وترى الصحيفة أن تصوير العلاقات الاقتصادية مع الصين كتهديد منهجي يتجاهل الطبيعة التبادلية لهذه العلاقات، خاصة مع استمرار اعتماد الشركات الأوروبية على السوق الصينية.

كما لفتت إلى أن التركيز على العجز التجاري يُغفل المكاسب التي تحققها الشركات الأوروبية داخل الصين، فضلا عن دور السلع الصينية في خفض تكاليف الإنتاج ودعم التحول الأخضر في أوروبا.

ووفق هذا الطرح، فإن تحويل المنافسة الاقتصادية إلى صراع سياسي قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.

اتفاقية بلازا عام 1985:

اتفاقية بين خمس دول كبرى لخفض قيمة الدولار أمام الين والمارك لمعالجة اختلالات التجارة

صلابة الاقتصاد الصيني

في المقابل، تؤكد وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) أن الاقتصاد الصيني يظهر قدرة واضحة على التكيف مع الضغوط الخارجية، معتمدا على مزيج من الاستقرار الكلي والتقدم الهيكلي والنشاط على مستوى الشركات.

ويشير تقريرها إلى أن السياسات الاقتصادية المتزامنة مع تحولات صناعية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطاقة الجديدة، عززت من متانة الاقتصاد الصيني.

ونقلت الوكالة عن الرئيس المؤسس للمعهد الوطني لأبحاث الاقتصاد الجديد، جو كه لي، قوله "إن قوة الاقتصاد الصيني تنبع من تكامل منظومته الصناعية، واتساع سوقه المحلية، والاستثمار المكثف في الابتكار ".

هذه العوامل، بحسب التقرير، تجعل من الصعب تفسير التنافسية الصينية على أنها نتيجة "تلاعب بسعر صرف العملة "، مثلما يروج البعض في الخطاب الغربي.

كما يبرز التقرير تسارع التحول نحو ما يسمى "القوى الإنتاجية الجديدة "، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يعزز موقع الصين في سلاسل القيمة العالمية ويمنحها أدوات إضافية في أي مواجهة اقتصادية محتملة.

جاذبية للأصول الصينية

هذا التحول ينعكس أيضا في نظرة المستثمرين الدوليين؛ فقد أوردت صحيفة الشعب اليومية أن بنوكا استثمارية عالمية باتت تنظر إلى الأصول الصينية باعتبارها خيارا إستراتيجيا، وليس مجرد سوق ناشئة.

ونقلت عن رئيسة مجموعة "يو بي إس " في الصين هو جي جي، قولها "بالنسبة للمستثمرين الأجانب، فقد تحوّل تركيزهم على الأصول الصينية من التساؤل حول جدوى الاستثمار فيها إلى كيفية الاستثمار الأمثل ".

كما تشير الصحيفة إلى أن تدفق الاستثمارات الأجنبية يعكس الثقة في استقرار الاقتصاد الصيني وقدرته على توليد فرص للنمو، خصوصا في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.

وبحسب تشن غه، الرئيس المشارك لقسم الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية في مجموعة "يو بي إس " للأوراق المالية فإن "تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي ووصولها إلى قطاعات متعددة عزّز من جاذبية السوق الصينية ".

معضلة تريفين:

تعبير عن تضارب بين تزويد العالم بالدولار كعملة احتياطية وبين الحفاظ على استقرار الاقتصاد الأمريكي؛ فإذا زاد الإصدار ضعفت الثقة، وإذا قلّت السيولة اختنق الاقتصاد العالمي

تراجع هيمنة الدولار

في موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على تحول تدريجي في النظام النقدي العالمي، فقد نقلت صحيفة هوان تشيو في تقرير آخر أن البنوك المركزية حول العالم تتجه إلى تنويع احتياطاتها بعيدا عن الدولار، مع زيادة الإقبال على الذهب وارتفاع التوقعات بشأن دور اليوان الصيني في الاحتياطيات الدولية.

إعلان

ويشير التقرير إلى أن هذا التوجه يرتبط بعوامل متعددة، منها المخاطر الجيوسياسية والشكوك حول الاستدامة المالية الأمريكية، إضافة إلى استخدام العقوبات المالية كأداة سياسية.

كما أن "موجة هجرة الذهب " من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ونقل بعض الدول لاحتياطاتها إلى داخل حدودها يعكس نوعا من تراجع الثقة في النظام المالي التقليدي الذي تقوده الولايات المتحدة .

تعزيز تدويل اليوان

ضمن هذا السياق, تبرز خطوات الصين العملية لتعزيز مكانة عملتها؛ فقد ذكرت صحيفة تشاينا ديلي أن بنك الشعب الصيني أطلق آلية جديدة لتوفير السيولة بـ (اليوان) للبنوك المركزية الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تسهيل استخدام العملة الصينية عالمياً.

ونقلت عن كبير الاقتصاديين في مركز الابتكار بجامعة فودان شاو يو قوله "إن هذه الآلية تمثل تحولا من دور اليوان كعملة تجارية إلى عملة احتياط واستثمار ".

كما أشار لوو فيه بنغ، الباحث في بنك الادخار البريدي الصيني، إلى أن "هذه الخطوة تسد فجوة مهمة في البنية المالية لليوان من خلال توفير سيولة خارجية موثوقة، وهو ما يعزز ثقة المؤسسات الدولية في الاحتفاظ بالأصول المقومة به "، بحسب ما أوردته الصحيفة.

تراهن الصين على بناء منظومة مالية وصناعية متكاملة تعزز الثقة بعملتها وتوسع استخدامها دوليا (رويترز)

تُظهر المعطيات أن عملية تعزيز تدويل اليوان الصيني ليس مجرد إجراء مالي، بل جزء من إعادة تشكيل تدريجية لتوازنات القوة الاقتصادية عالميا. فبينما تعكس الدعوات إلى اتفاقية "بلازا جديدة " القلق الغربي من تحولات بنيوية أعمق، يتضح أن معالجة الاختلالات عبر أدوات سعر الصرف تبقى محدودة أمام عوامل هيكلية داخلية.

في المقابل، تراهن الصين على بناء منظومة مالية وصناعية متكاملة تعزز الثقة بعملتها وتوسع استخدامها دوليا. ومع تزايد نزعة تنويع الاحتياطيات عالميا، يتجه النظام النقدي نحو تعددية حذرة، تتعايش فيها العملات الكبرى ضمن توازنات متغيرة.

ومن ثم، فإن مستقبل اليوان الصيني يرتبط بقدرته على ترسيخ الموثوقية المؤسسية بقدر ارتباطه بالقوة الاقتصادية، لكن ذلك يظل مرهونا بدرجة الانفتاح المالي والشفافية في سياق تنافس طويل الأمد يعيد تعريف قواعد الهيمنة النقدية.



إقرأ المزيد